كاظم الساهر.. متطرف بالغزل متصوف بالخجل

يطل على خشبة المسرح، مُنكس الرأس خجلًا، مغمض العينين، فتصاحبه طيف ابتسامة تعلو شفتيه، ما تعكس رونقا تضيف إلى لحيته جاذبية يأسر بها قلوب النساء، وهو يتغزل بفمً يملئه الثقة “أضعت في عرض الصحراء قافلتي وجئت أبحث في عينيكِ عن ذاتي”، فتتراص “الدباديب والورود الحمراء” المهداة من المعجبات إلى جانبه، ليظل “المسرح” شاهدًا صامتًا على أجواء اللهيب المشتعلة من أثر التصفيق الحار، الذي يرفع مؤشر الخجل لديه حتى حمرة وجهه، ما جعل مؤسسة “بيرس” الفرنسية تمنحه لقب الرجل الأكثر جاذبية في العالم.

كاظم الساهر أو “قيصر الأغنية العربية” كما لقبه الشاعر نزار القباني لندرة خامة صوته الملكية، وبراعته كملحن ومطرب يجيد أداء الأغنيات باللغة العربية الفصحى، وأول ميلاد له كانت أغنية “يا شجرة الزيتون إمتى يجيي الغالي” في عام 1984 بالتعاون مع الشاعر أسعد الغريري، وتعتبر أولى نجاحاته في مسيرته الفنية أغنية “عبرت الشط” 1989، والتي سهلت له السفر إلى إحياء حفل بمسرح الأندلس، في الكويت ومنها انطلق إلى بيروت، وحظي جمهوره بأول تعاون مع “القباني” الذي أفرج عن كلماته للقيصر بأغنية “إني خيرتك فاختاري”، فاستطاع أن يبحر بقلوب النساء إلى ماهية الرومانسية بكلماته “زيديني عشقا زيديني يا أحلى نوبات جنوني.. زيديني غرقا يا سيدتي إن البحر يناديني.. زيديني موتا لعل الموت إذا يقتلني يحيني” وذلك في عامه الـ21.

كان المنبع الأصلي لتقدير الرجل الخمسيني، المولود في العام 1957، للنساء هو “والدته”، التي كافحت من أجل كفالة ورعاية أبنائها التسع، حيث أتقنت دروس الحياة القاسية، فلم يكن “القيصر” طفلًا مدللا، فقد عمل بنجارة الأخشاب وبيع الكتب والآيس كريم، وهو بعمر الـ10 سنوات، فكان يجوب الشوارع بإحدى الأعياد الموسمية، حتى عاد ذات مرة باكيًا لخسارته بعد تلف “الآيس كريم” لعدم إقبال المارة عليه، فكان يخرج إلى البيع المتجول حتى يتدبر أموره، فكان مصروفه لا يغطي خلاء جوفه، فكان يلجأ لشراء نصف رغيف من الخبز بدون فلافل، فسرعان ما يصاب بدوخة عقب خروجه من المدرسة، وتربى في بيت تتسع مساحته لـ58 مترا، وكان يفرش “المراتب” في صالون المنزل بالاشتراك مع 3 أخوة في الليل، فيقول بإحدى الحوارات الصحفية إن: “أمي كانت تسوي لينا محروقة سبعة، وهي عبارة عن خبز يابس وبصل وشوية دهن وبهرات ومياه، وأمي المسكينة عيونها راحت من رائحة النفط وهذا”، فكانت تولي اهتماما موسيقا بأذنيه وتجعله يستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية باستمرار، حتى أصيب بحالة بكاء هيستيرية لسماعه بخبر وفاة ملكته التي توجها بقوله “جعل الجنة تحت أقدامك يا أمي” عندما كان في الولايات المتحدة في مارس 2009.

فكان مغنيا بديلا في حالات الإعتذارات للمطربين الكبار، حيث كان يتردد على المطاعم ويعيطهم أرقام هواتفه، حتى يشرف بالغناء إذا تغيب المغني، حيث درس بمعهد الموسيقى العربية لمدة 6 سنوات، وتعلم العزف على العود والبيانو، فكان أول لحن له بأغنية “أين أنتي يا حياتي” من إحدى المجلات وعزفه على الجيتار، ففي عمر الـ12 عاما باع دراجته لشراء الجيتار، كما أجمعه دويتو ثنائي بالمطرب محمد عبدالوهاب في أغنية “قالولي هان الود عليه ونسيك وفات قلبك وحداني.. رديت وقولت بتشمتوا ليه هو افتكرني عشان ينساني”، فكان أول لحن له بأغنية.

وكانت أولى نوبات حبه، حين كان بعمر الـ8 سنوات، حيث كانت حبيبته تنتظر على أحد الأرصفة ويقص عليها قصصا من وحي خياله، وقال بإحدى أحاديثه الصحفية “شعرت أني نجم” حين تغنى مقدمة مسلسل “نادية” للشاعر كريم العراقي، وكانت من أكثر المواقف المحرجة له، حين كان يؤدي أغنية له في حفل لدار معلمات وأنقطع عنه الصوت، فصاح أحد المستمعين، قائلًا: “اعط له ميه فول حتى يحن صوته”، حتى تعالت أصوات الضحك سخرية منه وعاد إلى منزله والحزن يسيطر على غضبه، فكان يحاول آلا يشغل بال والديه عليه، فدخل إلى جراحة لإزالة “اللوز” حيث تغيب بإحدى المرات عن المدرسة وذهب إلى المستشفى وحده واصطف إلى جانب المرضى في انتظار العمليات.

فكانت زوجته أكثر النساء حظا، نجلة عمه، حيث أحاطها بمشاعره الرومانسية وأحاسيسه الدافئة بعامه السابع عشر، ومن ثم خطبتهم والتزوج منها وإنجاب ولدين “وسام وعمر” الذي قال عنهم “إنه يتفاءل بتواجدهم معه في الحفلات الغنائية”، وقال القيصر عن النساء “إن الله خلق النساء جميلات سمراء أو بيضاء أو شقراء”، فهو يعشق البساطة وطيبة المرأة، وفي حواره بقناة “الشرقية” منذ أربعة أعوام، قال إنه دائما في حالة حب، ولكنه يرفض الإفصاح عن هوية حبيبته، احتراما لها، ولحياته الشخصية، التي وضع سياج دائما حولها، وحاول حمايتها من النميمة والشائعات التي تتردد حوله كنجم مشهور.

ولم تتوقف قدرته على الغزل عند النساء فقط، بل وصلت إلى الأطفال، وقد يرجع ذلك إلى حبه الشديد، لحفيدتيه واللاتي يعتبرهن روحه وحياته، فغنى “ست الحلوات”، و”البنية”، وحققت كل منهما نجاحا أكبر من الأخرى، حتى كان في لجنة التحكيم لبرنامج مسابقات الأطفال الغنائي “THE VOICE KIDS”.

فكان لموطنه الأصلي نصيبا وفيرا من فنه، حيث استغل موهبته في خدمته، فبعد حرب الخليج عُرض عليه الغناء في مهرجان كبير بدبي الإماراتية، وكان في ذلك الوقت جواز السفر العراقي يعني وصمة عار لصاحبه، فطلب من كريم العراقي أن يؤلف ليه أغنية وكتب له قصيدة “تذكر كلما صليت ليلا”، وبعد غنائه لهذه الأغنية رفع الحصار عن كافة المطربين العراقيين.

وكان عضوا في تحكيم برنامج “ذا فويس”، وأنعش آذان مستمعيه بكلماته الأخيرة لأغنية العام “كتاب الحب” حين تفوه: “عُدي على أصابع اليديّن.. فأولًا حبيبتي أنتِ.. وثانيًا حبيبتي أنتِ وثامنًا وتاسعًا وعاشرًا حبيبتي أنتِ”.