مقابر العراق… الرزق على الله والموتى!

منذ الغزو الأميركي للعراق، وما تلاه من مآس في البلاد، زادت نسبة الموتى، ما أدى إلى انتعاش عمل بعضهم، منهم أولئك الذين يعملون في المقابر. ولا يقتصر الأمر على حفر المقابر، بل أيضاً بيع الأطعمة والتخطيط وغيرها

قلّة فقط كانوا يتّكلون على العمل في المقابر كمصدر رزق لهم في العراق. لكن خلال السنوات العشر الماضية، لجأ كثيرون إلى العمل في دفن الموتى، وقد تحولت إلى مهنة مربحة. وتعد مقبرة وادي السلام في محافظة النجف (161 كيلومتراً جنوب غرب بغداد)، من أكبر المقابر في العالم، وتمتد على مساحة تتجاوز كيلومتراً مربعاً، وتعد مصدر رزق لعدد كبير من الأشخاص، علماً أنّ عائلات بأكملها تعمل في هذه المقبرة.

أعمال مربحة

هؤلاء يعملون في حفر القبور وتنظيفها وبيع المأكولات والمشروبات. وهذه الأعمال مربحة إذ يأتي إلى المقبرة آلاف الأشخاص يومياً لدفن موتاهم أو زيارتهم. مرتضى نعيم، الذي فشل في الحصول على وظيفة حكومية بعد تخرّجه من كلية الإدارة والاقتصاد قبل خمسة أعوام، وجد في بيع المشروبات المبردة والسكاكر في المقبرة مصدر رزق جيّداً له. يقول إنّه قبل نحو ثلاثة أعوام، بدأ يبيع السكاكر والمشروبات، مشيراً إلى أنّ عدد الباعة الجوالين يزداد باستمرار، في ظل ارتفاع أعداد الموتى نتيجة ما يمر به العراق من أوضاع أمنية غير مستقرة.

بدوره، يقول رعد زامل، الذي يبيع المأكولات السريعة، إنّ العراقيين يعتبرون مقبرة وادي السلام، التي تقع قرب مرقد الإمام علي بن أبي طالب، أرضاً مباركة، ويحرصون على دفن موتاهم فيها. يضيف لـ “العربي الجديد”: “أعمل وأخي في بيع المأكولات على هذه العربة. نبيع الجبن والبيض والفلافل والبطاطس والباذنجان. هذه مأكولات سريعة يفضّلها كثيرون”.

خلال الحديث مع زامل، كان عدد من الزبائن يتناولون شطائر الجبنة، من بينهم امرأة خمسينية. تقول إنها تتسوّل في المقبرة، مضيفة أن “من في القبور أرحم ممن هم أحياء. اعتدت هذا المكان، وفي مرات كثيرة، نمت بين القبور. حين أدعو للأموات بالرحمة، أحصل على المال من ذويهم”.

أطفال يعملون أيضاً

بحسب تصريحات عدد ممن يعملون في المقابر فإنّهم اعتادوا حياتهم، وبات دفن الموتى أو رؤيتهم أمراً عادياً. وفي المقابر أيضاً، يعمل أطفال صغار. في مقبرة الرصافة (شمال بغداد)، كان صغار يحاولون إقناع رجل مسنّ من زوار القبور بتنظيف قبر فقيده في مقابل أجر زهيد. لم ينجحوا في إقناعه، إلا أنهم أقنعوا آخر كان يقرأ القرآن ويردد بعض الأدعية. خلال خمس دقائق، نظفوا القبر، وقد ظهر في حلّة جديدة بعد غسله بالمياه وإزالة الأتربة التي تغطيه، فنقدهم الرجل المسنّ 20 دولاراً، وهو رقم أكبر مما طلبه الصغار.

من جهته، يوضح الطفل أحمد مهدي (10 أعوام) أنّ “بعض الناس أكثر كرماً من الآخرين، ويعطوننا أضعاف ما نطلبه منهم”. يضيف أن “العمل قد يكون شاقاً أحياناً، إذ إن بعض القبور باتت قديمة، وتزار مرة أو مرتين في العام، فتنبت حولها الحشائش التي تغطي القبر. بالتالي، يكون قلع الحشائش وتنظيف القبر متعباً، ويتطلب أكثر من نصف ساعة من الوقت، علماً أن البدل المادي يكون أكبر”.

يشير أحمد إلى أنه وعدد من أقربائه يتخذون من المقبرة مقراً رئيسياً للعمل، تحت إشراف رجل مسنّ. وفي آخر النهار، يقسم بينهم ما يجمعونه من نقود. المقبرة بالنسبة لأحمد ورفاقه صارت كل شيء اليوم. يقول: “نحن ننتمي إلى عائلات فقيرة. في المقبرة نعمل ونلعب وننام حين نتعب. وفي آخر اليوم، نعود إلى منازلنا التي تبعد مسافة ليست ببعيدة عن المقبرة، لكن الوضع يختلف في أيام الدراسة، إذ نذهب إلى المقبرة مباشرة بعد انتهاء الدوام”.

تنعش ما حولها

توفر المقابر فرص عمل لمن يسكنون قربها، وقد افتتحت محلات كثيرة على الطريق المؤدي إلى مقبرة الرصافة، منها مطاعم وأخرى لبيع الخضار وغيرها. يقول مصطفى عبد الرحمن لـ “العربي الجديد” إن “الشارع أصبح حيوياً، ويُقبل الناس من مناطق بعيدة على المقبرة، فيرتاحون ويتناولون الطعام ويتسوّقون”. يملك عبد الرحمن محل بقالة يقع على جانب الشارع المؤدي إلى المقبرة، ويؤكد أن “الشارع قبل عشر سنوات أو أكثر، لم يكن يشهد الحركة التي يشهدها اليوم، بسبب زيادة عدد المقابر والزوار، نتيجة ما مرت به البلاد”.

مرافقة الموتى أفضل من الأحياء

يؤكد قاسم الشمري (38 عاماً)، الذي يعمل حفاراً للقبور، لـ “العربي الجديد”، أن المبيت في المقبرة مريح جداً بالنسبة إليه. يقول إنه يحفر في اليوم الواحد ما بين خمسة وسبعة قبور، وإن كان العدد أقل في أيام أخرى. ويؤكد أن كثيرين يعملون في هذه المهنة. يشير الشمري إلى أنه يعمل في مهنته هذه منذ 17 عاماً، ويتألم كثيراً حين يدفن جثث من قتلوا بسبب تفجيرات إرهابية، خصوصاً الأطفال، قبل أن يعلّق: “هذا هو أمر الله وقضاؤه”.

رعاية بالوكالة

في ظل التوترات الأمنية، خصوصاً بعد غزو البلاد في عام 2003، وما تلاه من أعمال عنف طائفية وغيرها، اضطرّ كثيرون إلى الهجرة من وطنهم إلى كل أوروبا ودول أخرى، ولم يعد في مقدورهم زيارة قبور ذويهم. لذلك، يعمل بعضهم في تنظيف هذه القبور في مقابل الحصول على مبلغ مالي مقطوع من هؤلاء المهاجرين.

محمد كامل (41 عاماً) يهتم وحده بواحد وخمسين قبراً. يقول إنّه يتقاضى 200 دولار سنوياً عن كلّ قبر من بينها. يضيف محمد، الذي يسكن في قضاء أبو غريب، قرب مقبرة الكرخ (غرب العاصمة بغداد)، أنّ مكان سكنه القريب من المقبرة دفع عدداً من العراقيين المهاجرين إلى تكليفه الاهتمام بقبور ذويهم. يشير إلى أنّه بدأ هذا العمل عام 2005، حين طلب منه طبيب يدعى حازم، كان قد تلقى تهديداً بالقتل، الاعتناء بقبري والديه في مقابل أجر ثابت.

يشار إلى أن مليشيات مسلحة كانت تستهدف النخب في العراق، كما أكدت في وقت سابق تقارير ومنظمات حقوقية محلية وعالمية. يروي كامل أنه بعد سفر الطبيب بيوم واحد فقط، اقتحمت مجموعة مسلحة بيت الطبيب، وسرقت محتويات المنزل. وبعد نحو شهرين من سفره، اتصل الطبيب به وأخبره بأن أصدقاء له سيدفعون له في مقابل الاعتناء بقبور ذويهم “هكذا بدأت العمل في هذه المهنة. واليوم، يتواصل معي أشخاص من الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا ودول أوروبية وعربية، وقد كلفوني الاعتناء بقبور ذويهم. وفي وقت لاحق، افتتحت محلاً لبيع مواد بناء القبور، وكانت سبباً في إنشاء مشروع عمل مربح”.

رزق

بالرغم من المآسي التي يعيشها العراقيون بسبب الحروب والتفجيرات وغيرها، تمكن البعض من استغلال أسوأ الظروف لإنعاش بعض المهن المرتبطة بالموت وما يرافقه من تجهيز ودفن وعزاء وغيره، ويسخر مواطنون أنّ موت البعض من أسباب بقاء آخرين على قيد الحياة.

يقول جاسم الدليمي، وهو خطاط، إنّ “ارتفاع نسبة الوفيات كان مصدر رزق للخطاطين، وإن كان الموضوع مؤسفاً”. يضيف أنه افتتح مكتباً قريباً من مقبرة الشيخ معروف (وسط بغداد) قبل سبعة أعوام، مشيراً إلى أنه يخطّ عبارات النعي على لافتات للتعزية، وكذلك المعلومات الخاصة بالمتوفي على شاهد القبر. يتحدث عن زيادة عدد الخطاطين الذين يعملون قرب المقابر، بسبب ارتفاع عدد الوفيات “أحياناً، أسهر لساعات متأخرة من الليل لأنجز عملي”.

يلفت الدليمي إلى أنّ عدد الوفيات بسبب القتل في المعارك، والتفجيرات الإرهابية، هو أكثر من الوفيات الطبيعية الناجمة عن مرض أو حوادث أخرى غير عسكرية أو إرهابية في السنوات الأخيرة: “هذا الأمر يجبرنا على الاستعانة بعاملين وخطاطين، إذ نواجه ضغوطاً في أحيان كثيرة، خصوصاً حين تحصل معارك كالتي وقعت بين قوات الأمن وتنظيم داعش”.

ويؤكّد الدليمي أنه يتأثّر نفسياً أحياناً وهو يخط شواهد القبور، خصوصاً إذا ما سأل عن كيفية وفاة الشخص: “معظمهم شبان في مقتبل العمر تطوّعوا في الجيش هرباً من البطالة، وكي يتمكّنوا من مساعدة عائلاتهم. أسمع كلمات من أشقاء أو آباء هؤلاء الضحايا، وهم يتحدثون عن الطموحات التي كانت للفقيد ورغبته في الزواج وتكوين أسرة، وهناك من ترك وراءه أطفالاً لا معيل لهم”.