روائي يهودي من أصل عراقي يسرد حقيقة “الفرهود” وعودته لبغداد مجدداً

أكد الأديب اليهودي نعيم قطان، صحة حادثة “الفرهود” في العراق ضد ممتلكات اليهوديين، مشيرا الى انه لا يعلم عدد من تم قتلهم في تلك الاثناء.

نعيم قطّان، كاتب روائي وباحث وناقد كنديّ الجنسية من أصول عراقيّة يهودية، ولد في بغداد عام 1928، في بيت مجاور لـ”كنيس مائي” ثم انتقلت عائلته إلى محلة قنبر، ثم إلى منطقة البتاويين، ودرس في مدرسة يهودية هي “الأليانس”.

درس القانون في جامعة بغداد من عام 1945 إلى عام 1947، وأكمل دراسته في الأدب الفرنسي في جامعة السوربون، من عام 1947 إلى 1951، وبعدها هاجر في عام 1954 إلى مونتريال كندا.

يعد نعيم قطان أول من كتب مقالة في العراق عن السوريالية، وقد كتب أكثر من 40 كتاباً، الكثير منها مترجم للغات عديدة، وهو صاحب الرواية الشهيرة (وداعاً يا بابل)، التي صدرت طبعتها الأولى بالفرنسية عام 1975.

نشر أول قصة له في مجلة (المجلة)؛ التي أصدرها، “ذنون أيوب”، وكان عمره 14 عاماً؛ كتب بعدها قصصاً ومقالات عديدة باللغة العربية، وكان من أبرز أصدقائه الشاعر العراقي من رواد الشعر الحر بلند الحيدري، وكان نعيم قطان قد أصدر مع الحيدري وعدنان رؤوف وآخرين مجلة أخرى اسمها (الوقت الضائع) صدر منها 3 أعداد فقط، كان قطان يكتب فيها عن الأدب الفرنسي إذ كان الوحيد من بين زملائه متأثراً بالثقافة الفرنسية من خلال دراسته في مدرسة الأليانس وقراءاته لأندريه غيد وأندريه بروتون ومالرو وآخرين.

وتدور أحداث رواية (وداعاً بابل)، في أربعينيات القرن العشرين وتتحدث عن التعايش الإنساني بين المسلمين واليهود في بغداد، وتصف الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي وقعت إبان الحرب العالمية الثانية في بغداد تحديداً.

بعدها أصدر قطان روايته الشهيرة (فريدة) 2006، التي تتناول سيرة مطربة عراقية من خلال كتابة حكاية شخصية لـ”فريدة آغا”، بطلة الرواية، التي ترتكز على مفارقات صراع العرب واليهود في العراق داخل مجتمعهم البغدادي؛ من خلال حكاية مغنية أنشطر قلبها بين مجتمعين ورجلين.

ويقول قطان عن (فرهود بغداد) الذي حصل عام 1941 “كنت طفلاً حين حدث الفرهود. كنا ننام بالسطح العالي وكان صوت إطلاق الرصاص والصراخ نشعر وهو يتجه إلى حي اليهود. كنت أحدث نفسي: إنك لم تعش بعد يا نعيم وها إنك سوف تموت مبكراً. لم أفهم لماذا يراد قتلي. ففي ذاك العام كنا نسمع صوت المذيع العراقي الشهير يونس بحري، وهو يشتم اليهود ويتوعدهم. حدث كل هذا قبل ميلاد الدولة العبرية. حدث الفرهود ولم نعرف عدد القتلى، لكنني عرفت من بعض الأصدقاء أن بيوتهم نهبت ومحلاتهم تهشمت وسرقت وتم ضربهم وتكسير عظامهم، لكننا كيهود عراقيين، ذاك الحدث صار وراءنا”.

ويضيف “كنا نفكر، علينا العيش بالعراق كالسابق ولو كان أمامنا الكثير من الترقب والفزع. حاولنا العمل على عراق جديد، عملنا سوية مع أصدقائي الفنانين العراقيين. لم أكن أعرف إن كان الفنان جميل حمودي أو إسماعيل الشيخلي وخالد الرحال، هل هم من الشيعة أو السنة. فبعد تلك الأحداث بقيت العلاقات جيدة. فالقسم الكبير من يهود العراق انتظموا في الحزب الشيوعي العراقي بجوار المسلمين والنصارى. شخصياً لم أنتم لأي فريق سياسي. رغبت أن أبقى حراً. لكن صوت الرصاص ذاك، والنفير العام التي أعلنته النازية وعبر الإذاعات ضد اليهود لا تزال آثاره لليوم ماثلة في الذاكرة. هنا أقول، من الطبيعي أن تراجع الشعوب تاريخها وما دخله من شوائب وأخطاء”.

واوضح “يوم غادرت العراق كان سني 18 عاماً. وكنت أعتقد أن الناس الذين درسوا وتعلموا هم أناس أحرار فكرياً. أول شيء اكتشفته بباريس وأوربا، حين وصلتها، أن الناس الذين تخرجوا من الجامعات لم يكونوا أحراراً في أفكارهم. ويوم كنت ببغداد كنت أرى البدو في العاصمة وألاحظ أن عقولهم أكثر حرية من أصحاب الشهادات الجامعية. ماذا حصل معي في تلك الفترة العصيبة من حياتي وأنا في فترة تأسيس أفكاري ووجودي ؟.. أعتقد أنني حضرت من بلد متأخر، العراق، إلى بلد أوروبي لكنه متأخر أيضاً بطريقة أخرى. ماذا حدث للإنسان ؟.. من هو الذي يمتلك المدنيّة والحداثة والتفكير الحر ؟.. إن الحرية لا نتعلمها في المدارس فقط. فقمت بمراجعة الشرق والغرب عبر ذاك الكتاب (الواقعي والمسرحي)، هو مجموعة أسئلة مني أنا القادم من الشرق، المعجب جداً بالغرب. وما هي وضعيتي وأنا أشعر أنني أقف بين الشرق والغرب”.

واردف “إذا ما حلمت بالعودة لبغداد، أفكر بزيارة الكرادة والبتاوين وشارع أبو نواس وتلك الأزقة التي عشت فيها صارت صورها مؤلمة جدا اليوم، حزني على العراق هو حزن طفولتي وشبابي الأول، حزني على الأصدقاء الذين عشت وعملت معهم ولدي رسائل أدبية فيما بيننا. أفكر أنهم قضوا جميعا. خالد الرحال، إسماعيل الشيخلي، نزار سليم وجواد سليم وجميل حمودي وأنا أنشأنا مجلة الفكر الحديث. هؤلاء وغيرهم أصدقائي. التقيت الشاعر بلند الحيدري بعد ثلاثين عاما في مراكش ودخلنا نوبة من البكاء وبدا أحدنا يلثم الآخر. بلند وأنا وآخرون أصدرنا مجلة الوقت الضائع ولثلاثة أعداد. اليوم، أظن أن العراق الذي أعرفه لا وجود له”.

وعن اليهود العراقيين وشغفهم بالعراق بين قطان ان “اليهود وصلوا للعراق قبل 26 قرنا. هم أقدم سكان العراق لليوم. أول قوم جاؤوا سجناء وأسرى نبوخذ نصر وبقوا في جميع القرون، كتبوا تعليقات على الكتاب المقدس، التلمود في بابل وهناك حسقيل ودانييل، لا أعرف عدد الأنبياء اليهود الذين دفنوا بالعراق؟، كل شيء بدأ بالعراق، الحضارة، الكلمة، الشريعة، الدنيا، الحياة والموت. أبونا إبراهيم الحنيف ولد بالعراق ومن خلال تلك القرون لا يجوز النسيان قط. لو تحدثنا مع يهودي بولندي سيقول لك أنه هناك في بلده منذ ثلاثة قرون أو أربعة مثلا. لا أحد يملك وجوده مثل وجود اليهود بالعراق ولذلك اليهودي غير قادر نسيان العراق”.

وعن الطائفة يقول نعيم قطان “كيهودي علاقتي بالمسلم الحقيقي تكون ممتازة وأشعر بالقرابة معه إذا كان حقيقة مسلماً. أنا درست القرآن الكريم وتعلمته. وإذا كان النصراني ملتزما بنصرانيته فعلاقتي به تكون أفضل. إذا أنا اعتبرت علاقتي الطائفية وساطة للسلطة فقد فقدت علاقتي الحقيقية مع الآخرين لأنني سوف أتسلط عليهم عبر طائفتي ولذلك سنضيع جميعا. من الضروري أن يعتبر الإنسان نفسه ضد سلطة الطائفة. أنا أعني بتعريف الطائفة أن تكون انفتاحا على العالم وليس تهديدا له كما هو حاصل في العراق”.

وحول احتمال عودته الى بلده الاصلي ورؤية بغداد بعد نصف قرن من مغادرته لها، قال “يجب أن أكون متأكدا أن أحدا لن يضايقني أو أن حياتي لن تتعرض للخطر إذا زرتها. أريدها زيارة غير سياسية مثل مهاجر يحج إلى مسقط رأسه. لقد سكن أجدادي العراق منذ القديم. وكان اليهود في بابل منذ 25 قرنا. وعندما أقرأ التوراة أدرك أنها كتبت عنا، نحن اليهود الأوائل. لذلك لا اعتبر نفسي غريبا يعود إلى العراق. إنه بلدي قبل الجميع ولست طارئا عليه. كل ما هنالك أنني عشت في مكان آخر، مثلما قال الرب لإبراهيم «ليخ ليخا» أي اذهب إلى مكان آخر”.

واضاف “لم أنكر يهوديتي يوما أو أحاول إخفاءها، وقد كنت أقدم نفسي دائما بأنني يهودي بغدادي وعراقي وأن لغتي الأم هي العربية”.