شبح “عار الماضي” يلاحق عاملات الجنس “التائبات”

“لم يكن لدي ما أبيع سوى جسدي”، تقول نبيلة (اسم مستعار)، التي تبلغ 30 عاما، عملت لأزيد من سبع سنوات عاملة جنس في مدينة الدار البيضاء.

تنحي نبيلة باللائمة على والدها الذي أرسلها إلى العمل خادمة في البيوت في سن الثانية عشرة، وتحمّله مسؤولية ما تعرضت له من عنف في بيت مشغلتها. تقول في هذا الصدد والدموع تنهمر من عينيها في حوارها مع DW عربية: “حرمت من طفولتي، وكنت أعمل ليل نهار ووالدي يسلبني مستحقاتي”.

هربت نبيلة من بيت مشغلتها بعد خمس سنوات من العمل خادمة به. وتقول في هذا الصدد: “لم أعد قادرة على التحمل، لم أجد حلاً سوى الهروب”.

لجأت نبيلة إلى إحدى قريباتها التي كانت تمتهن بيع الهوى، لتنتقل بذلك من العمل في البيوت إلى البغاء. تحكي نبيلة عن تجربتها بحزن شديد قائلة: “جميع الأبواب كانت موصدة أمامي، كنت مضطرة للعمل في الدعارة لكي أعيش”.

نبيلة مكشوفة للعدوان والقانون لا يحميها

عانت نبيلة كثيرا من رفض المجتمع لمهنتها، وتقول في هذا السياق: “جيراننا في الحي كانوا يرفضوننا، كانوا يطلبون من صاحب البيت أن يطردنا لأننا نسيء لسمعة الحي”. لم تتوقف معاناتها عند هذا الحد، بل تعرضت للعنف الجسدي من طرف بعض الزبائن. تتابع في هذا الصدد: “ذهبت مع زبون إلى بيته. بعد منتصف الليل، ربطني بحبل وبدأ يضربني بقسوة. عندما كنت أرجوه أن يتوقف، كان يضربني أكثر ويمارس عليّ الجنس بعنف”.

لم تستطع نبيلة أن تبلغ الشرطة بما حدث لها لأنها “مومس”. تقول بنبرة حزينة: “إذا تقدمت بشكاية ضده سيقبضون عليّ أنا لأنني عاهرة ولا يحق لي أن أطالب بحقي”.

هذا الحادث لم يترك أثراً على جسدها فحسب، بل أيضا على نفسيتها؛ ما دفعها إلى ترك مهنة الجنس. تقول بنبرة حزينة: “أصبحت أشعر بالخوف من أن يقتلني زبون أو أسجن، فقررت أن أتوقف وأسافر إلى مدينة أكادير للبحث عن عمل آخر وأن أبدأ من جديد”.

تشتغل نبيلة في مصنع للمواد الغذائية بمدينة أكادير جنوب المغرب، وتقول: “أنا الآن في مدينة يجهل معارفي فيها أنني كنت عاهرة، ومحاطة بجيران يحترمونني، هذا ما كنت أتمناه”.

العروس طفلة تصبح مومسا… قصة متكررة

وإذا كانت نبيلة قد تحولت من خادمة بيوت إلى مومس محترفة، فإنّ لسلمى (اسم مستعار) قصة أخرى، فقد أجبرها والدها على الزواج وهي في سن 14 عاما. وبهذا الخصوص، تقول سلمى في حوارها مع DW عربية: “زوّجني والدي في سن صغيرة، لم أكن أعرف ما هي الحياة الزوجية آنذاك “.

ولم تستطع سلمى تحمل معاملة زوجها وعائلته السيئة؛ ما دفعها إلى ترك بيت زوجها. تتابع قائلة: “كنت مطلقة ومن المستحيل أن أعود إلى بيت عائلتي… التقيت في الشارع بفتيات وسرعان ما تحولت إلى عاهرة”. عملت سلمى في الدعارة لسنوات ولم تكن تتخيل أنها ستجد عملا آخر، وتقول في هذا الصدد: “التقيت بسيدة ساعدتني كثيراً، فقد أخبرتني بأنني يمكن أن أتعلم الخياطة وأن أعيل نفسي، وبأنه يمكن أن أصبح إنسانة”.

تعلمت سلمى الخياطة وقررت أن تغير مكان سكنها وتعمل خياطة. تقول في هذا السياق: “انتقلت من تلك المنطقة التي كنت أعيش فيها، لأن نبذ المجتمع ورفضه لن يساعدني على التغيير”. وتختم حديثها قائلة: “نعم حياتي تغيرت… لكني حرمت من لقاء عائلتي بسبب مهنتي السابقة”.

أما فاطمة (اسم مستعار)، البالغة من العمر 50 عاما، فقد تركت مهنة الجنس لكنها لم تغير مكان سكنها في مدينة أكادير جنوب المغرب، بل ظلت تعيش في المنطقة نفسها. تقول في حديثها مع DW عربية: “عندما كنت مومسا كان الجيران يرفضونني، وبعدما غيرت مهنتي باتوا يحترمونني كثيرا”.

اليوم، تشتغل فاطمة طباخة، وقد تغيرت حياتها بشكل كامل. تقول في هذا الصدد: “عملي اليوم أفضل بكثير مما كنت عليه في السابق “.

الخوف من الزبون والقانون والمرض

من جهته، يرى الأخصائي النفسي رضى امحاسني، في تصريحه لـ DWعربية، أن عاملة الجنس في المغرب تقوم بعمل شاق جدا لأجل لقمة العيش، معتبرا أنها “تمارس مهنتها في ظروف صعبة؛ فهي تخاف من أن يعنفها الزبون أو لا يدفع لها أجرتها، كما أنها تخشى من أن تصاب بأمراض جنسية بسبب رفض بعض الزبائن وضع الواقي الذكري، وأيضا تتوجس من أن يُزج بها في السجن بتهمة الفساد والعلاقة الجنسية غير الشرعية، وهذا ما يدفع بعضهن إلى التوقف في حال وجدن بديلاً عن امتهان الجنس”.

امحاسني أوضح في حديثه أن المرأة بالمغرب بمجرد أن تمارس الدعارة، فإن المجتمع الذي تعيش فيه يضع لها وصمة، وحتى إذا قررت يوما أن تتوقف، فإنها لن تتخلص من الوصمة حتى تموت.

ودعا إلى ضرورة دمج مؤسسات الدولة لهذه الفئة الهشة اجتماعيا في المجتمع، عبر دعمها وتمكينها من التكوين للحصول على مورد رزق في ظروف تحفظ كرامتها.

DW عربية