جفاف دجلة.. العراق يفكر في حل، ويتهم!

يزرع حيدر عبد الواحد العبادي الحنطة والشعير في أرضه الزراعية المطلة على نهر دجلة، وهي مصدر رزقه الرئيسي، لكنه وملايين المزارعين غيره قد يضطرون لهجرة أراضيهم.

وبدأت تركيا في ملء سد جديد على نهر دجلة يدعى إليسو بدءا من الأول من حزيران/ يونيو الجاري، بعد أن أجلت الأمر ثلاثة أشهر بناء على طلب الحكومة العراقية، ما سيؤدي إلى انخفاض نسبة الموارد المائية للعراق إلى النصف بحسب ظافر عبدالله مستشار وزارة الموارد المائية لـ”موقع الحرة”.

وتزامن بدء ملء الخزان مع موسم جفاف تمر به العراق، خاصة في مناطق شمال بغداد، بسبب قلة الأمطار والتغيرات المناخية.

هجرة جماعية ما لم يتم وقف ملء الخزان”، حسب العبادي.

وتركيا هي دولة منبع لنهر دجلة. ويمر النهر 50 كيلو مترا في سورية ثم يدخل العراق، ولا توجد اتفاقات ثنائية بين البلدين بتوزيع حصص مياه النهر حسب مستشار وزارة الموارد المائية ظافر عبدالله حسين.

ولن يؤثر الانخفاض المطول لمنسوب النهر فقط على إمداد المياه في العراق، وإنما سيقلل أيضا من كمية الكهرباء التي يحصل عليها من السدود الكهرومائية وستتراجع الزراعة ما يجبر البلاد على استيراد مزيد من الغذاء.

ويبلغ عدد سكان العراق 37 مليون نسمة.

تركيا تتحكم في نهري دجلة والفرات بشكل كامل

تستحوذ تركيا على 60 في المئة من نهري دجلة والفرات، خاصة بعد مشروع بدأته في تسعينيات القرن الماضي ببناء 22 سدا لتوفير أرباح تقدر بسبعة مليارات دولار سنويا.

وينتهي المشروع العام الجاري وهو ما يعني أن تتحكم تركيا في نهري دجلة والفرات بشكل كامل.

ويوضح العبادي “رزقي الوحيد الذي أعتمد عليه في معيشتي هو الأرض، أفكر وغيري في الاتجاه لعمل آخر، ولدينا تنسيق مع النقابات المختلفة أنه في حالة عدم استجابة الحكومة التركية لوقف ملء السد نقيم مظاهرات، وهناك ملايين المزارعين الذين يفكرون في الهجرة إلى أوروبا بعد أن ضاق بهم الحال، وخاصة مع طول الأزمة المتوقع أن تستمر على مدى 25 عاما وهي فترة ملء الخزان”.

بدأت تركيا في إنشاء السد منذ 2006.

يرأس العبادي الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية في العراق، ويصف الأزمة المائية التي يتعرض لها العراق بـ”الأخطر” على مدى نصف قرن، مشير إلى أن نتيجتها فقدان 40 في المئة من الأراضي الزراعية العراقية على الأقل.

ونفى مستشار وزير الموارد المائية أن يكون قد ظهر الجفاف خلال خمسة أيام من بدء تشغيل السد، “رحلة الموجة تحتاج إلى وقت”، لكنه في الوقت ذاته أكد أنه “من الصعب إنكار الآثار السلبية للسد على العراق، هي ستظهر حتما خلال الأيام المقبلة”.

وكان العراق يحصل على 70 مليار متر مكعب، وانخفضت حصته إلى النصف تقريبا ومن المتوقع أن تصل إلى 17 مليار متر مكعب فقط بحول 2025، وقد يصل العراق إلى الجفاف الكامل بحلول 2040، وتراجعت حصة الفرد العراقي إلى ألفي متر من المياه بعد أن كانت تفوق ستة آلاف متر سنويا، وذلك حسب البنك الدولي.

لكن السفير التركي فاتح يلدز قال للصحافيين في بغداد الثلاثاء إنه ليس هناك ما يخشاه العراقيون من ملء خزان منبع على نهر دجلة، قائلة إن “كميات كافية من المياه” ستستمر في التدفق.

إيران شريكة في حبس المياه عن العراق

ومن الجانب الشرقي من الحدود العراقية كانت إيران قد سبقت تركيا في محاولات استنزاف مياه نهر دجلة وأغلقت الكثير من روافد النهر إلى العراق منذ سنوات بسبب توسيع استصلاح الأراضي الزراعية، حيث يوجد 42 رافدا ونهرا مشتركا بين العراق وإيران يصب بعضها في نهر دجلة والبعض الآخر في منطقة الأهوار وشط العرب جنوبا.

وقام الإيرانيون ببناء سدود قبل دخولها الحدود العراقية كما حولوا مجرى بعض الأنهر المتجهة إلى العراق وأعادوها إلى الأراضي الإيرانية.

سد كارون 3- أحد خمسة سدود بنتها إيران على نهر كارون الذي يغذي العراق ويصب في شط العرب
سد كارون 3- أحد خمسة سدود بنتها إيران على نهر كارون الذي يغذي العراق ويصب في شط العرب

لماذا لم تتعاط الحكومة العراقية مع الأزمة قبل بدايتها؟

حول التعامل الحكومي مع أزمة المياه، يرى رئيس مركز التفكير السياسي في العراق حسان الشمري أنه كان يمكن للحكومات المتعاقبة أن تتنبأ بان هناك موجة لكن لم يتم التعاطي معها، وأن السلطة منذ 2003 لم تول أهمية كبيرة لموضوع المياه سواء سد إليسو وغيرها من سدود تركيا وإيران رغم علمها بأن تركيا ماضية في هذه المشاريع.

لكن النائبة العراقية شروق جاسم العبايجي تقول إن الدولة العراقية حاولت مقاومة بناء السد ونجحت في وقف التمويل الدولي له منذ 2008 ونجحت في تأجيل انتهاء بناء السد حيث كان من المقرر أن ينتهي في 2014.

وتضيف أن الدولة العراقية في المقابل لم تأخذ خطوات لمواجهة السيناريوهات المختلفة خاصة مع تصميم تركيا على بناء السد، وقالت “كنا نتمنى من الدولة أن تأخذ هذه القضية بجدية وأولوية وطنية بأن تحاول بكل الطرق وقف بناء السدود التركية والإيرانية وأن تتحول إلى أساليب الري الحديثة والإدارة المتكاملة للمياه لكن للأسف كنا مشغولين بمحاربة الإرهاب”.

وعقدت رئاسة البرلمان العراقي اجتماعاً تشاوريا منذ أيام بحضور وزيري الزراعة والموارد المائية ووفد من وزارة الخارجية لمناقشة أزمة المياه، في حضور ضعيف من النواب.

وقالت العبايجي “إنه تم تشكيل لجنة طوارئ ومخاطبة البرلمان التركي والحوار مع دول مجاورة من أجل الضغط على تركيا لوقف ملء السد أو من أجل إيجاد حلول للأزمة”.

واقترح وزير الزراعة في الجلسة إنشاء محطات لتحلية مياه الخليج لكن حيدر العبادي يقول “إن هذا الأمر سيأخذ عاما ونصف العام”.

ما هي حلول الحكومة؟

يقول مستشار وزارة الموارد المائية ظافر عبدالله حسين لـموقع الحرة إن هناك لقاءات ثنائية بين الوزيرين، مشيرا إلى أنه كان من المقرر عقد لقاء بين وزيري الموارد المائية في تركيا الثلاثاء إلا أنها تأجلت بناء على طلب من الجانب التركي نظرا لظروف انتخابية تجري هناك.

وتجري تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية في 24 حزيران/يونيو الجاري.

وقال إن هناك اتفاقا تاما مع الجانب التركي وهناك توقيتات محددة وهناك اتفاق على عقد لقاء قريب لبحث المياه وعقد اتفاق دائم على الحصص المائية لكل طرف، وهناك اتفاق على عقد اجتماع آخر بعد ستة أشهر لإعادة النظر في خطة التشغيل وتأثير ملء السد على العراق.

وحول سبب عدم عقد هذا الاتفاق على الحصص المائية في فترة بناء السد خاصة وأنه قد بدأ إنشاؤه في 2006 أحال هذا إلى ظروف البلاد وحروبها مع تنظيم داعش.

وأشار إلى أن هناك خطة لمواجهة آثار إخفاقات المياه، “هناك كفاية مائية لمياه الشرب وزراعة الخضروات” مشيرا إلى أن الحكومة ستحدد لاحقا المساحات التي يمكن زراعتها بحسب المياه المتوفرة.

وكانت الحكومة قد منعت زراعة بعض المحاصيل مثل الأرز والذرة بسبب شح المياه.

“هذا التأثير كم سيكون حجمه والفترة الزمنية هذا قيد التحليل خاصة أن الظروف الطبيعية لها عامل أيضا، لكن نعتقد أن المناسيب ستنخفض لفترة حتى يكون السد جاهزا لتوليد الكهرباء وبعدها ستطلق تركيا المياه للعراق”، حسب قوله.

حملة لمقاطعة تركيا

دعا حيد عبد الواحد العبادي إلى الضغط على تركيا من خلال العلاقات التجارية بين البلدين، قائلا “لدينا تبادل تجاري مع تركيا يبلغ 20 مليارا. وعلى الحكومة أن تستغل هذا التبادل التجاري الكبير كورقة ضغط”.

ودشن نشطاء عراقيون هاشتاغ #الماء_مقابل_الاستيراد على تويتر لمقاطعة المنتجات التركية.

مصطفى هاشم/ خاص بـ“موقع الحرة”