فصل سلطة الطيران عن وزارة النقل بين المعايير الدولية و تخلف القيادات الإدارية 

الجزء الاول
لم يكن فصل سلطة الطيران المدني عن وزارة النقل بقرار مجلس الوزراء رقم ٢١٠ لسنة ٢٠١٨ وليد يومه كما يصوره البعض من خلال قصور في الفهم وهجوم كاسح على صفحات التواصل الاجتماعي و آراء متشابكة تدخل فيها المصالح الضيقة للبعض وآخرون ممن لا يقوى على تسليح نفسه وتحديث معلوماته بما هو مطلوب لكي يحلل و يناقش و رأينا سيلاً من الاتهامات تم ربطها بقضية شخصية بين وزير و مدير عام وهو بالحقيقة يمثل قصر النظر وضيق الأفق الذي ينتج عادة عن عدم الاطلاع وتقبل الحقائق العلمية والإدارية والفنية التي تحاكي ماعاشته سلطة الطيران المدني العراقي من سوء الادارة وثقل الوزراة الذي وصل حداً يوضح تماما الى اننا نفتقد نظاماً مؤسساتياً رصيناً يحترم ويحمي فيه الوزير الاختصاص لهذه السلطة التي تحاكي العالم بشكل يومي اكثر من وزارة الخارجية العراقية عبر سفاراتها.
ويختصر البعض من القيادات المسلكية في الوزارة بل وبعض الوزراء السابقين الموضوع وكأنه سلخ احد تشكيلات الوزارة بل وصل الامر بالبعض الى تفسير ماحدث وكأنه سلب احد املاك الوزارة !!
ويتناسى هؤلاءالناس ما عانته سلطة الطيران المدني في عهد الوزير فنجان خلال عام ونصف ما يفوق بعشرة أضعاف او اكثر من ماعانته هذه السلطة من الاهمال والتدخل غير المهني منذ عام ٢٠٠٣ ولغاية منتصف عام ٢٠١٦.
وبادئاً ذي بدء علينا ان نعرف ان المنظمة الدولية للطيران الايكاو هي منظمة دولية مراقبة لمدى التزام الدول باتفاقية الإطار المعروفة باتفاقية شيكاغو للنقل الجوي وكان العراق واحدا من ٥٢ دولة وقعت عليها ووقعها عن العراق في شيكاغو عام ١٩٤٤ المرحوم علي جودت الأيوبي سفير المملكة العراقية حينها لدى الولايات المتحدة الامريكية وهي اتفاقية تنظم النقل الجوي الدولي الذي تستخدم فيه طائرات دول المجال الجوي لدول اخرى بكل مايحمله هذا الاستخدام من مخاطر على مواطني الدول الاخرى ولذلك فان قطاع الطيران يتم تنظيمه دوليا وليس محليا لانه يمس حياة مواطنين في دول اخرى وعلى السلطة التي تشغل طائراتها ان تمتثل للحد الأدنى المطلوب في سلامة التشغيل للطائرات والرقابة على هذه السلامة بشكل مستمر من خلال برامج فعالة تمتاز بالحدة في مجملها وان التهاون والمجاملة وغض النظر في سلامة تشغيل هذه الطائرات هو مايمثل قلقاً لسلطات الطيران في جميع أنحاء العالم ولذلك وضعت المنظمة الدولية برنامجا دوليا لتقييم مدى الامتثال وفق معايير محددة تبدأ بالهيكل التنظيمي وتوزيع الصلاحيات نزولا لأهلية رؤساء الأقسام وانتهاءا بامتثال شركات الطيران المسجلة لدى السلطة بهذه المعايير ويسمى هذا البرنامج تحديدا ببرنامج التدقيق الدولي للرقابة على سلامة التشغيل ويعرف اختصارا بال USOAP وتحرص سلطات الطيران في جميع دول العالم على اجتياز هذا التدقيق الذي يمثل في جوهره اعترافا دوليا برصانة اجراءات السلطة ومطابقتها للمعايير الدولية والعراق للأسف واحداً من دول بعدد أصابع اليد الواحدة لم تجتاز تدقيق الايكاو
ولكي نوضح الصورة بشكل اكثر تبسيطاً فقرار مجلس الوزراء هو جزء لا يتجزأ من متطلبات دولية يجب على العراق كدولة الامتثال لها كجزء من خطوات لاحقة مطلوبة لأجتياز تدقيق المنظمة الدولية للطيران والذي على العراق اجتيازه باي حال لاكتساب اعترافاً دوليا باجراءات الرقابة على سلامة تشغيل الطائرات ولتوطيد ثقة المنظمات الدولية بأهلية السلطة العراقية وإجراءاتها ولذلك فان تفسير البعض لاجراءات مجلس الوزراء من انه من اجل فلان الفلاني هو تبسيط للموضوع ويجري على شاكلة ربط الأمور بنظرية المؤامرة التي جعلت العراق يتأخر في جميع المجالات.
ان موضوع عدم فهم المعايير والمتطلبات الدولية كان السائد في تصرفات جميع الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة النقل مما أدى الى تسلل كوادر بشرية لسلطة الطيران ليس لها علاقة بالطيران اصلا والى اختفاء فهم واجبات سلطة الطيران دولياً وبالنتيجة تكون مع الوقت ان سلطة الطيران هو احد تشكيلات الوزارة على حساب الفهم المحلي لواجبات سلطة الطيران دولياً. و حقيقة الامر ان الذين يعملون في قطاع الطيران يميزون جيداً مابين ماهو محلي و دولي والسبب يعود الى فهم خصوصية قطاع الطيران وعلاقته المباشرة بمخاوف استمرار التعاون وتنفيذ الاتفاقيات الثنائية من الدول الاخرى تجاه العراق لسبب بسيط جداً هو ان تشغيل الطائرات يمس بشكل مباشر حياة مواطني الدول الاخرى والسلطة الوطنية هي بمثابة نقطة تماس يومي مع دول العالم. والمختصين في الطيران يعلمون جيداً ان الرقابة على سلامة تشغيل الطائرات هو جوهر عمل سلطة الطيران المدني ومطابقة معايير الرقابة على التشغيل أمراً مفروغاً منه وهو ليس اختيارياً بل مطلب دولي.
المنظمة الدولية للطيران هي منظمة لمساعدة الدول في الفهم والامتثال للمعايير الدولية وهي لا تمتلك سلطة تنفيذية و لا تستطيع فرض المتطلبات بقانون او باي طريقة اخرى ولكن على الدولة ان تقرر طريقها وتوجه سلطة طيرانها في الامتثال لما مطلوب دوليا من عدمه والامتثال بحد ذاته هو الذي يصنع اعترافاً دولياً بأهلية السلطة وهذا الاعتراف لا يحققه اَي وزير او مسؤول وإنما يحدده مدى التزام السلطة بهذه المعايير الدولية حصراً ولذلك كان حرياً بوزراء النقل ان يحترموا وضع سلطة الطيران ولا يتعاملوا معها كأحد تشكيلات الوزارة فهده السلطة لا يمكن استمرار ادارتها كإدارة شركة نقل المسافرين او الأنواء الجوية او النقل البري.
لقد تهيأت عدة مؤشرات دفعت مجلس الوزراء الى بناء هذا القرار الذي استغرق الإعداد له عاماً كاملاً وكان الحظر الاوربي على الخطوط الجوية العراقية واستمراره لهذه الفترة الطويلة احد المؤشرات المهمة التي تؤشر ضعف الرقابة على سلامة تشغيل الطائرات ومعاناة السلطة من ضغط الوزارة وابنتها المدللة الخطوط الجوية العراقية والتدخل حتى في قضايا فنية صرفة مثل تجديد إجازات الطيارين بدون فحص طبي او اجبار السلطة على قبول تجاوز الساعات الأسبوعية المحددة للطواقم بل وقبول تجاوز شركة الخطوط الجوية العراقية على أدلة التشغيل نفسها الخاصة بالشركة واستمرار هذا الوضع قد يؤسس كوارث طيران يذهب ضحيتها مواطنونا و مواطني دول اخرى وجوهر الموضوع هورالتجاوز على المعايير الدولية ووضعها على الرّف تماما.
لقد كان ولازال رد فعل وزير النقل الحمامي تجاه فصل سلطة الطيران لا يستند الى العلمية والمهنية ويصور الموضوع كأنه اعتداء على املاك الوزارة ويدعم هذا التصور بعض الإداريين داخل الوزارة وخارجها ممن أصبحوا عمليا خارج الخدمة لابتعادهم تماما عن الاطلاع والتحقق وهي مشكلة عامة لدى المسؤولين العراقيين وهي ان رد الفعل يكون عادة ارتجاليا وغير مدروس ولذلك يظهر بشكل غير مبرر ويثير الاستغراب. وبالنسبة للوزير الحمامي فتناقضات الرجل و شخصنة الأمور وطريقة المراسلات الإدارية الغريبة التي يتبعها يدل فقط على نرجسية و ارتجال لا يستند الى علمية و مهنية و سنسوق هنا أمثلة دامغة تدل على ان الرجل فقد بوصلته وكما يلي:
– قام الحمامي بتعيين السيد عبد العظيم بمنصب معاون مدير عام سلطة الطيران المدني دون استشارة مدير عام السلطة ودون الأخذ بنظر الاعتبار ان السيد عبد العظيم كان سائقاً اصلا في مكتب الوكيل الاداري السابق للوزارة وكل ذلك لا يؤهله لاستلام هكذا منصب.
– قاد الحمامي حملة إعلامية واسعة للتشهير بوكيل الوزارة الفني بالوكالة الذي كلفه السبد رئيس الوزراء بإدارة سلطة الطيران على خلفية فشل المدير العام السابق المرحوم حسين محسن في إدارة ملف إضراب المراقبين الجويين وهو تكليف مؤقت بالتأكيد واستند السيد الوزير على التحصيل الدراسي للوكيل الفني في حملته ضد وكيل الوزارة الفني وهو منطقي جدا ولكن الوزير في نفس الوقت سبق له ان قام بنقل احد معارفه من دائرة الثروة الحيوانية الى الخطوط الجوية العراقية وتعيينه مباشرة مديراً لمكتب الخطوط العراقية في مدريد على أسس المحسوبية والمنسوبية بل وعلى أسس غير اخلاقية لا يتسع المجال لذكرها هنا.
– سحب صلاحيات ونقل مدير قسم السلامة الجوية فقط لانه يقوم بواجبه الفني والمهني في متابعة وضع الخطوط والتقدم المنجز في حصولها على شهادة مشغل البلد الثالث ال TCO وبدلا من توجيه الشكر وتكريم هكذا موظف قام السيد الوزير بصياغة كتاب يمثل قصور فهم الوزير للمعايير والمتطلبات الدولية بل وثبت الوزير رسمياً وبشكل مكتوب تحديه للمنظمات الدولية ويؤسس لتدخل حكومي ممنهج في عمل سلطة الطيران التي سبق لها وأن تعهدت لمنظمة الاياسا وسمياً بمساعدة الخطوط في الحصول على ال TCO وفِي حينها اكتفت منظمة الاياسا بحظر الخطوط الجوية العراقية كشركة فقط بانتظار تحسن وضعها في الامتثال للمعايير المطلوبة لعودتها الى أوربا وعندما قامت سلطة الطيران المدني بمتابعة وضع الخطوط يقف السيد الوزير مع الخطوط في عدم امتثالها واستمرار الحظر بشكل لا يليق بمسؤول حكومي حريص على وزارته وسمعة سلطة الطيران العراقية التي أصبحت مهددة بالنوع الاخر والاقسى وهو منع التسجيل العراقي الذي يضر بمجمل قطاع الطيران ويكتب كتاباً فيه جهل واضح ويثبت على نفسه ووزارته تدخلها المباشر بمنع قسم السلامة الجوية من اداء واجباته ووفق قانون الطيران المدني نفسه وهو تدخل سافر يوضح جلياً سبب وجود الخطوط الجوية العراقية على قائمة الحظر الاوربي.
– قام الوزير أيضا بتعيين احد مهندسي الخطوط الجوية العراقية بمنصب معاون مدير عام السلطة والادهى من ذلك هو تعيينه لأحد المهندسين من الخطوط مديرا لقسم السلامة الجوية ! وهذه مخالفة بحد ذاتها.
– ويشير تقرير استشاريي الاياتا الى زيادة التدخل الحكومي من قبل الوزارة في إدارة الخطوط.
ولذلك فان قرار فصل السلطة عن وزارة النقل جاء ليبعدها عن تدخلات هذا الوزير وغيره في العمل الفني اما ماسمعناه مع احد الوزراء السابقين الذي قال ان فصل السلطة قرار خاطئى فهو نفس الوزير الذي حاول تغيير لون شعار العراقية الأخضر الى الأزرق الغامق وصرف مئات الاف الدولارات نتيجة نصيحة وكلام من هنا وهناك ممن أشاروا عليه انه بتبديل لون شعار العراقية تسقط مطالبات الخطوط الجوية الكويتية في الدعوى القضائية ولَم يستشر احدا بل قرر بنفسه ووجدنا لاحقا ان قراره وهدره ملايين الدولارات هي نتاج تفكيره القاصر فحسب.