فصل سلطة الطيران المدني عن وزارة النقل  بين المعايير الدولية وتخلف القيادات الإدارية 

الجزء الثاني
بقلم / استشاري طيران
متابعة للجزء الاول لموضوع فصل سلطة الطيران المدني عن وزارة النقل سنتعرض الى المعطيات الفنية و المهنية التي قدمت لقرار مجلس الوزراء ونقف عند اهم المعطيات:
أولاً : استمرار الحظر الاوربي على الخطوط الجوية العراقية لمدة ثلاث سنوات فقد بدأ الحظر في ١٦ تموز ٢٠١٥ و اول دولة اوربية نفذت قرار المنظمة الأوربية لسلامة الطيران بحظر الخطوط الجوية العراقية هي المملكة المتحدة في ٣١ تموز ٢٠١٥ وتلتها الدنمارك في ٦ آب ثم السويد في ٧ آب وآخرها ألمانيا في ١٣ آب من العام نفسه وقد أصدرت الوكالة الأوربية الاياسا تحديثاً جديداً على قائمة الشركات الممنوعة من التحليق فوق أوربا ويوضح التحديث ان شركة الخطوط الجوية العراقية ضمن القائمة الجديدة. الحظر الاوربي يتعلق تحديدا بفشل العراقية في الإيفاء بمتطلبات مشغل البلد الثالث المعروف اختصارا بال TCO وليس كما يشاع خلطا بمخالفات لجان السلامة ( الصفا ) وهذه المتطلبات هي عبارة عن مجموعة ادلة تتعلق بتوكيد الجودة في مجالات التشغيل والصيانة والخدمات الارضيّة ومعايير الرقابة عليها وتشمل جزءا يتعلق بالوثائق والادلة والجزء الاخر يتعلق بتجذير هذه الأدلة ومعطياتها في اداء الشركة الفني. وشهادة مشغل البلد الثالث هي اعتراف من منظمة السلامة الأوربية لأي شركة طيران تشغل طائراتها من والى أوربا وجهة تسجيلها في دولة خارج دول الاتحاد الاوربي وهو معيار هذه المنظمة وتنفرد صفحتنا بنشر وثيقة توضح قرار المنظمة الأوربية لسلامة الطيران الإياسا لكي لا يتلاعب احد بالحقائق المتعلقة بالحظر الاوربي. وللتوضيح اكثر فان مؤشر عدم امتثال شركة طيران يثير تساؤلات عن دور الجهة التنظيمية لدولة تسجيل شهادة المستثمر الجوي لهذه الشركة وهي سلطة الطيران العراقي فهذه السلطة كان لزاماً عليها التأكد من امتثال الخطوط الجوية العراقية لمتطلبات مشغل البلد الثالث المطلوبة من خلال آليات الرقابة على سلامة التشغيل وهو بالنتيجة يؤشر خللا في عمل قسم السلامة الجوية تحديداً.
ثانياً : عدم فهم متطلبات الحظر يؤشر خطراً كبيراً ويوضح محدودية الإدراك المهني والاطلاع بل وحتى قراءة ومعرفة ماهو مطلوب. فأدارة الخطوط وعلى لسان مديرها العام يسوق للإعلام والى مسامع وزير النقل بان سبب خطر الخطوط الجوية العراقية من أوربا هو الأخطاء المسجلة على الخطوط من قبل لجان السلامة المعروفة اختصاراً ب صفا ولكن المدير العام للخطوط الجوية العراقية يوضح بتصرفه هذا عن عدم مهنية وقصور فني واضح و يعارض مبدأ الادارة البسيط جدا وهو انه ولكي تجد علاجاً لمشكلة عليك اولا فهم جوهرها ومتطلبات علاجها وعندما تكون الادارة قاصرة في فهم المتطلبات فيفترض بصاحب القرار ان يعين وصياً على القاصر وهنا يأتي دور رئاسة الوزراء التي استلمت في الاسبوعين الماضيين استشارة دولية من مجموعة من المختصين العاملين في مجال الطيران في أوربا موثقة تفند تماما ما يطرحه ويسوق له مدير عام الخطوط الجوية العراقية من ان سبب الحظر الاوربي هي مخالفات الخطوط المسجلة لدى لجام الصفا. ويبدو ان رئاسة الوزراء على اطلاع تام بدوافع مدير عام الخطوط التي تؤسس لتجديد عقد فاسد يؤدي الى ضياع ايرادات الخطوط من خلال تجديده وهو عقد أطلس جت الفاسد وقد ثبت يوم أمس ان العقد الفاسد مع شركة أطلس جت قد تم تجديده لأجل غير مسمى وهو ما ستواجهه رئاسة الوزراء بأجراء احالة مدير عام الخطوط الجوية العراقية الى القضاء بتهمة هدر المال العام وتضليل وزارة النقلبتلاتفاق مع فاسدين في القطاع الخاص.
ثالثاً ؛ ولذلك كان على سلطة الطيران ان تتحرك حينها لتبرئة ساحتها ان صح التعبير امام منظمة السلامة الأوربية للحفاظ على التسجيل العراقي من الحظر اذا ماثبت ان الخلل هو في الرقابة على التشغيل الامن وأولت السلطة حينها حصر آثار الحظر على شركة الخطوط الجوية العراقية تحديداً وقد نجحت في ذلك ولكن منظمة السلامة الأوربية طلبت من سلطة الطيران العراقي تعهداً خطياً وتقديم برنامج من السلطة لكيفية مساعدة الخطوط في الإيفاء بالمتطلبات وقد قدمت السلطة العراقية خطيا خطة متكاملة لرفع الخطوط من الحظر والإيفاء بمتطلبات مشغل البلد الثالث وهو التزام فني و مهني امام منظمة السلامة الأوربية. ولكن ماحدث بعد ذلك هو ان السلطة العراقية واجهت ضغطاً متواصلاً من وزارة النقل والوزير شخصياً لمنع السلطة من ممارسة دورها والإيفاء بالتزاماتها التي قطعتها لمنظمة الاياسا وهو ما تمثل بشكل واضح وجلي في نقل مدير قسم السلامة الجوية ومعاقبته كونه أدى واجبه الطبيعي بحرص للمحافظة على سمعة العراق وسلطته الوطنية ولمساعدة الخطوط في تخطي الحظر وآثاره والتي تتكبد خسائر مادية كبيرة نتيجة اعتمادها في تشغيل طائراتها على شركة تركية وتدفع أجورا باهظة هي بالحقيقة تمثل ثمناً لفشل الشركة وإداراتها المتعاقبة ولغاية كتابة هذه السطور في الامتثال وتقدر كلفة عقد الشركة التركية بحدود ١٥ مليون دولار سنوياً كان يمكن اختزالها لو عمل الجميع ( الوزارة والسلطة والخطوط) كفريق واحد لتنفيذ المتطلبات ولكن الوزارة وبتصرف الوزير الحمامي اثار شكوكاً كبيرة حول سبب عدم رغبته في رفع الحظر الاوربي واكتفاءه بالاعلان الكاذب و في مناسبتين عن رفع الحظر الاوربي الذي سارعت منظمة الاياسا لتكذيب الخبرين في حينه وأصبح الموضوع مجالاً للسخرية من الوزير والسلطة لوصولهما معاً الى هذا الدرك من عدم تحمل المسؤولية وتعمد الكذب ونشره بطريقة مخجلة ومخزية لا تليق بتصرف مسؤول حكومي بدرجة وزير.
رابعاً: ولكي تكون الأمور واضحة عن حيثيات قرار فصل سلطة الطيران المدني عن وزارة النقل فأننا ننشر هنا تقريراً أعده استشاريي منظمة الطيران الدولية الايكاو بمشاركة فريق من الامم المتحدة في كانون الاول عام ٢٠٠٦ يؤشر بوضوح مكامن الخلل في هيكل السلطة و كيفية تقليل التأثير الحكومي او غيره على السلطة لضمان انسجام اجراءاتها مع المعايير الدولية المطلوبة لاجتياز تدقيق المنظمة الدولية لسلامة التشغيل المعروف اختصارا بال USOAP وكما ذكرنا ان هذا البرنامج يكرس اعترافاً دولياً باجراءات السلطة كمؤسسة منظمة ومراقبة لقطاع الطيران في العراق وهو واجبها الذي تتوقعه سلطات الطيران الاخرى في العالم.
اهم مفاصل التقرير تشير الى مايلي:
– فصل سلطة الطيران المدني وإلحاقها بمكتب رئيس الوزراء.
– فصل مقدمي الخدمات ( المقصود بها؛ اَي خدمات تقدم في المطارات ، الرقابة الجوية وشركات الطيران ) بحيث لايكون للسلطة المنظمة ومقدمي الخدمات مرجعية ادارية واحدة والذي يؤسس لما يحدث الان من ضغط الوزراة على السلطة بشكل يجرد السلطة من آليات الرقابة على التشغيل الامن لقطاع الطيران ولضمان ان تتفرغ السلطة بواجبها التنظيمي والرقابي بعيداً عن تأثير الوزارة التي تنظر الى السلطة كتشكيل من تشكيلاتها وتتساوى فيه مع مقدمي الخدمات وهذا مخالف تماما لمعايير المنظمة الدولية للطيران.
خامساً: اصرار وزير النقل على احتكار الخطوط الجوية العراقية لتشغيل جميع القطاعات وهو مخالف لقانون الاحتكار رقم ١٤ الذي يجرم الاحتكار حتى على الشركات الحكومية. ان قوانين مكافحة الاحتكار في الطيران أصبحت احد معايير منظمة الايكاو والتي تعتمد على فتح المنافسة بين شركات الطيران لكي تضع جميع الشركات في خط شروع واحد والتنافس سيكون هو الفيصل في تقديم أفضل خدمة ممكنة للمسافر وكذلك ولاستمرار نجاح المتنافسين فان التنافس سيكون حافزا للارتقاء بمعايير السلامة لتكون أفضل ما يمكن.
هذه هي اهم مفاصل التقرير الذي اعتمد من قبل الحكومة العراقية حينها كونه تقرير مهني من جهة تمثل مرجعاً لجميع سلطات الطيران في العالم لم تتدخل في اعداده حكومة او حزب او طائفة.
رابعاً: ولضمان حوكمة الإجراءات في فصل السلطة بسلاسة تضمن ان تعمل سلطة الطيران بكفاءة وبمعزل عن مزاج الوزير او الوزارة فان قرار مجلس الوزراء سيخضع لآليات تنفيذية لضمان التنفيذ للقرار ستصدر قريباً .
الخلاصة هو ان طريق معالجة وضع الطيران المدني في العراق قد بدأت وستشهد الأيام القليلة المقبلة توجيهات واجراءات فعالة تشمل إدارة الخطوط لإيقاف الهدر في المال العام واستمرار اعتماد العراقية على شركة تركية لتشغيل الرحلات الى أوربا.