الدعوة ورحلة الأيام الطويلة …من الفاتيكان الشيعية الى فينيسيا السُلطة -مسار عبد المحسن راضي

قاموسُ السياسةِ المغربية، يُعرّفُ القصر الملكي بـ “المخزن”. ترقدُ في المخزن التسويات السياسية للأحزاب.أمنياتُ الشارع المغربي وهو يحتسي الشاي الأخضر.المخزنُ الملكي، يحتفظُ بوصفةٍ قارونية لإدارة البلاد. تلك الوصفة ليس لها علاقةٌ بصناعة الذهب، وإنّما بصناعةِ السُلطة، وتقرير الجُرعات التي يُحقنُ بها الجسد السياسي للأحزاب المغربية.ليس عند المخزن إفراطٌ أو تفريط في ترويج مُنتج السُلطة. الملك الحسن الثاني، عبّر في جملةٍ شهيرة، تختزلُ فنّ السُلطة عند المخزن المغربي:” لا يهمني أن يكون كلُ المغاربةِ مُعارضين. ما يهمني ألا تكون هنالك حركةُ معارضة”.
فنُّ السُلطة عند حزب الدعوة الإسلامية في العراق، يعتمدُ بدورهِ على أعشابٍ، لا تُزرعُ إلّا في النجف وفي طهران- بحسب جاسم محمد جعفر، أحدُ قيادييه : ” إنّ حزب الدعوة سيحصل على الولاية الخامسة والسادسة، ويبقى على حكم العراق الى يوم القيامة، بإرادة الناس ومرجعية النجف والدعم الإيراني”. ما تقدم يشبهُ حصاناً يجرُ معهُ عربةً من التصورات، نودُّ منها أن تشتغل ككشافٍ استطلاعي، لتزيح بعض الغموض الذي تتشرنقُ بهِ الدعوة. خاصّةً ميزةُ فوز هذا الحزب مِن 2005 وحتى اللحظة بمنصبِ رئاسةِ الحكومة، كأننا نشهدُ لُعبة (400 متر بريد)، تمكن فيه المتنافسون الافتراضيون- الجعفري والمالكي والعبادي، إقناعِ الجمهور من بغداد الى واشنطن،بالجلوس على مقاعد المتفرجين.اللطيف إنّ واحداً من المختصين في تشريح الدعوة وتأريخِ تفاصيله المتشابكة، توقع احتفاظهُ برئاسة الحكومة حتّى ” 2026 ” على الأقل !!

الإخوان المسلمون..قطع الغيار التأسيسي للدعوة
يذكرُ التاريخ عن محاولات تأسيس فرعٍ ناشط للإخوان المسلمين في العراق، إنّ مؤسس جماعة الإخوان المسلمين العراقي – محمد محمود الصواف، هو من أشعل فتيل حماستهِ عند السلف الأول للإخوان- حسن البنا. تشجع البنا بتأثير الصواف على إرسالٍ مُمثلٍ له الى العراق، يتفحصُ إمكانية هذا الأمر. عاد الممثلُ بخيبةٍ. السبب إنّهُ وجد العراق غير صالحٍ للبيئةِ الإخوانية، بسبب تنوعِ القومياتِ،المذاهبِ، والعرقياتِ فيه.
الإخوان، وجدوا طريقهم الى قلوب بعضِ أهم المؤسسين لحزب الدعوةِ الإسلامية في العراق ” بتأثير جماعتين سُنيّتين هما: الإخوان المسلمون وحزب التحرير الإسلامي. انتمى شباب شيعيون إلى هاتين الجماعتين، بدوافعٍ إسلامية بحتة، ومنهم الذين نشطوا في ما بعد في داخل حزب الدَّعوة الذي تأسس في تموز 1959 بردَّةِ فعل لقوّة اليسار العراقي”. أيضاً حفِظ لنا التاريخ ” مِن هذه الأسماء التي انتمت إلى الإخوان المسلمين وحزب التحرير: محمد عبد الهادي السُبيتي، الذي صار، في ما بعد، قيادياً في حزب الدعوة، وقيل نشط في حزب التحرير وجماعة الإخوان المسلمين معاً”. أمّا عن الاسم البارز في الإخوان المسلمين في الأمس، والذي خرج من صُلبهِ دَعوْيٌ بارز ” يقول الشيخ نعمان السَّامرائي، أن والد القيادي في حزب الدعوة الآن علي الأديب حالياً، كان إخوانياً آنذاك”.
جاء على لِسان طالب الرِّفاعي، وهو أحد أبرز مؤسسي حزب الدَّعوة الإسلامية “إن أوّلَ تعرّفِنا إلى الإسلام السِّياسي كان عن طريق الإخوان، وهم أرضيتنا في العمل السِّياسي”. ثقافةُ حزب الدَّعوة بدورِها، شَرِبت مِن ” الكتب ذاتها التي تثقف فيها الإخوان المسلمين، وهي مِن تأليف قادة الإخوان المسلمين، منها حسب ما ذكره السَّيد علي الأمين، وكان منتمياً في فترة ما لحزب الدعوة”، و ” إنّ جانباً كبيراً مِن التثقيف الحزبي كان يجري بمطالعة كتب سيَّد قطب: “في معالم الطَّريق”، و”في ظلال القرآن”، ومؤلفات أبي الأعلى المودودي (ت 1979)، مؤسس تنظيم جماعة الإخوان بباكستان، بمعنى حضور الحاكمية، حسب المنطق السُّنَّي موجودة في أهداف الحزب”.
التاريخُ يذكرُ لنا أيضاً، أن تأثر الدعويين الأوائل بجماعةِ الإخوان المسلمين، كان حجرُ الزاوية فيه، عِصاميةُ هذهِ الجماعة التي أوجدت لنفسِها شيئاً من لا شيء. نقتطفُ مما قالهُ علي الكوراني بهذا الشأن- وهو أحد القيادات السابقة في الدعوة :”حسن البنا، بدأ مشروعه من الصفر، وأوصله إلى قرب الحكم.وسيد وأخوه محمد قطب، أعجبنا فيهما أنهما مُنظّران للإسلام في مشـروعٍ سياسي نتبنى شبيهاً له، فقد قرأنا كل مؤلفاتهما وأعجبنا بها أيما إعجاب “. مقدارُ هذا الإعجاب بالثلاثي توضحهُ هذه الفقرة للكوراني أيضاً “عندما أصدر جمال عبد الناصر حكم الإعدام على سيد قطب سنة 1963، كنا نحن في حزب الدعوة، أهل العزاء كالإخوان في مصر! وكان السيد الصدر شديد الانفعال، فقد أغمي عليه مرات في تشييع أخيه السيد إسماعيل، وكان تأثره في إعدام سيد قطب مشابهاً، والسيد العسكري والسيد طالب الرفاعي وغيرهم، لم يناموا ليلة أعلنوا حكم إعدام سيد قطب”.
نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة، والذي ما زال الحزب يعيشُ “مرحلته” حتّى اليوم منذُ 2003 – بحسب رؤيةِ كاتب هذهِ السطور، قال عمّا يجمعُ الدعويين و الإخوانيين: ” إنّ علاقة حزب الدعوة بالإخوان هي علاقة قديمة ووثيقة وهي مستمرة حتى اليوم”.

تفاحة الحزب تسقط من شجرة الخمسينيات

التأثرُ بأفكار حسن البنا، ومنتجُها الحركي – جماعة الإخوان المسلمين، تجذرت عميقاً في قلوب بعض علماء الدين والمتأثرين ببضاعة البنا. حاولوا صُنع نسخة شيعية عنها في خمسينيات القرن الماضي، عبر ” تأسيس حزب الدعوة ليشكل تنظيماً دولياً، وله فروعهُ في الأقطار العربية والإسلامية”.
الانطلاقة الأولى كانت في النجف. هذهِ المدينة التي تعملُ كـ “فاتيكان” للشيعة بشكلٍ عام، بسبب وجود الحوزة العلمية فيها. طبعاً هنالك من رفض هذا التأريخ المبكر لتأسيس هذا الحزب. اعتبروهُ مجرد ردَّة فعل على نجاح الثورة الخمينيّة ” إنّ التاريخ العراقي المعاصر لم يعرِف في الحركة السياسية، حزباً بهذا الاسم، إلّا بعد انتصار الثورة الإيرانية، رغم أن الروايات تذهب إلى تأسيسه بشكلٍ سرّي منذ عام 1957،أي في العهد الملكي وقبيل ثورة 14 تموز – يوليو”.
هذا الرفض مفهومٌ. تاريخ القرن الماضي، حجز نفسهُ للقيم التي بشّرت بها كلاً من واشنطن وموسكو، والذي دفع كثيراً من دول العالم، خاصّةً دول العالم الثالث الى تبني قيم واحدة من العظيمتين( واشنطن، موسكو). لم تستطع دولة في العالم الثالث، التخلصِ من تأثيرات قيم هاتين العظيمتين العابرة للقارات. عليه فإنّ نشوء حزب ديني في العراق، عابر للجغرافيا الوطنية، كان لا بدّ أن يكون متأثراً بنجاح الخمينيّة في إيران، تصديرُ ثورتها على الأقل. لا يمكنُ إذاً وبحسب هذا الفريق الرافض، أن يكون تأسيسُ الدعوة طفرة تاريخية، فحزبُ الدعوة الإسلامية بعد كل شيء، هو حزب إسلامي حركي، يعيش على القدوة، القائد، والنموذج الحيّ.
المهم أن الرواية التاريخية التي تُرجِعُ الحزب الى الخمسينيات،مقبولة ومتواترة في كثيرٍ من الأدبيات التي أرّخت، ونبشت في التاريخ، لتؤرّخ موعد ولادته. قالت تلك الرواية ” اجتمع الأعضاء المؤسسون للحزب في سنة 1957، وتأسست النواة الأولى لحزب الدعوة الإسلامية على صيغة هيئة مؤلفة من 8 أعضاء، وكان لـمحمد باقر الصدر دور رئيسي في لجنة قيادة الحزب الذي تشكل لخلق حالة توازن فكري مع الشيوعية والعلمانية والقومية العربية وغيرها من الأفكار المادية”. أيضاً التاريخ يُسجّلُ لنا، إنّ عدد المؤسسين النهائي، استقر عند رقم “العشرة”. بعضٌ من شهادات المؤسسين، بيّنت بأن بذرة التفكير بتأسيس الدعوة، كانت قد بُذِرت قبل سنة ” يقول محمد مهدي الحكيم: أن فكرة تأسيس حزب إسلامي طرحت خلال عام 1956، واستمرت التحركات والاجتماعات التحضيرية أكثر من سنة، تباعدت فيها الأفكار وتقاربت، وتراجعت شخصيات وثبتت أخرى، وحتى تم في النهاية الاتفاق على شكل العمل وطبيعة تحرّكه”.

الدُعاة نخبويون
نُلاحظُ ومن ضمن التفاصيل التي اخترناها في هذه الفقرة. إنّ الحزب تغيرت طبيعةُ القيادة فيه خلال 5 سنين، من سنة 1956-1961 تحديداً. كان لعلماء الدين في السنين الخُماسية الأولى، دورُ المقود في هذا الحزب. نعلمُ كذلك إن المسألة ليست بالهيّنة إن عرِفنا أن “80 بالمائة من المؤسسين هم علماءُ دين”. أي كان لا بدّ أن يكون لعلماء الدين حضورٌ أقوى ، أو على الأقل دور مرجعي مستمر وغيرُ منقطع. إذاً هل هنالك شرعية لسؤالِنا التالي: هل علاقة الدعوة مع علماء الدين .. علاقةُ تبادل مصالح مُقننة، الأساسُ فيها إضفاءُ الشرعية على الحِسابات الدنيوية لهذا الحزب ؟
أهم قضية شغلت دِماغ المؤسسين، وكانت عُشاً للقلق ” أول قضية طُرِحت على طاولة البحث (قبل التأسيس)، هي مشروعية قيام الحكومة الإسلامية في (عصر الغيبة)، فكتب آية الله السيد محمد باقر الصدر- وهو الفقيه الوحيد بين المؤسسين دراسة فقهية، برهن فيها على شرعية قيام الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، وكانت هذه الدراسة أول نشرة حزبية يتبناها حزب الدعوة”. رِجالاتُ النجف تمتعت بالقسط الأكبر من القلب التأسيسي للدعوة ” إن 60 % منهم من مواليد النجف الاشرف، ومن أسر نجفية معروفة، و 40% من المدن الأخرى (10% كربلاء، 10% الكاظمية، 10% سامراء، 10% الناصرية). إضافة الى إن 80% كانوا يقيمون في النجف الاشرف. كما كانت جميع الاجتماعات التمهيدية والتحضيرية تعقد في النجف الاشرف”. كذلك ” النكهة الاجتماعية والثقافية النجفية التي ميّزت حزب الدعوة، وبقيت مستمرة عدّة سنوات حتى انتقال القيادة من النجف الى بغداد”.
النخبويةُ كانت حاضرة في لبنات التأسيس الأولى. كانت النُخبةُ دينية ” إنّ 50 % من المؤسسين ينتمون ـ وفقا لمعايير الاجتماع الديني ـ الى الطبقة الدينية الأولى، و40% الى الطبقة الدينية المتوسطة، و10% الى الطبقة البسيطة، ما يعطي الدعوة موقعاً اجتماعياً رفيعاً جدّاً في الطبقة الاجتماعية الدينية”.
الشيء الآخر، إنّ حزب الدعوة الإسلامية، كان مرتعاً لعلية القوم، بل ولم يتم التخلي عن تلك النخبوية الدينية والاقتصادية، إلّا بعد مُضي عقدين على الزمن التأسيسي ” إنّ جميع المؤسسين ينتمون اجتماعياً الى الطبقة المُرفهة (العُليا والمتوسطة)، وهو ما يعني انتماء مؤسسيها الى طبقة النُخب الدينية والاجتماعية والنُخب المتعلمة تعليماً عالياً. وهذا أصبح لسنوات طويلة جزءاً من الطقوس التنظيمية للحزب، إذ ظل حزباً نخبوياً يتعاطى غالباً مع طبقة المتعلمين، وإن انفتح في نهاية السبعينيات على الطبقات الأقل تعليماً”.

الركائز الفكرية للدعوة..تاج متعدد الجنسيات الإسلامية !؟
أهم المرتكزات الفكرية للدعوة، أو على الأقل هي تعتبرُ الأولى فيه وتشتغلُ كفلسفة لوجوده ” العقائدية.. فقد تأسس حزب الدعوة وفقًا لغايات عقائدية، وعلى أساس نظرية فقهية”. المُراد من هذه الأولى وغيرها، أن تكون حجر الزاوية في قدرته على الوصول الى ضِفاف السُلطة ” وصولاً إلى قدرته على استلام السلطة في بلدٍ من البلدان وتأسيس الدولة الإسلامية”.
العالميةُ بدورها، تعتبرُ ركيزةً أخرى لا تقلُ أهمية ” أكّدت أدبيات الدعوة على إن المرحلة الرابعة من مراحل حركة الدعوة هي حاكمية الإسلام، أي تأسيس الدولة الإسلامية في أحد الأقاليم، ومنها يقوم الحزب بالانطلاق إلى بناء الدولة الإسلامية الكبرى التي تضم الجغرافيا الإسلامية دون حدود”.
بناءً على أدبيات الدعوة هذهِ، نسأل: (هل يستطيع حزب الدعوة العراقي أن يكون إلّا وكيلاً لإيران.. على اعتبار أن النشأة الأولى للنظام الإسلامي كانت في إيران ؟ ) . أي أن حزب الدعوة الإسلامية،مجردُ حلقة، كبُرت أم صِغرت فإنها تنتظمُ ضمن السلسلةِ الإيرانية التي سبقت الجميع بالتأسيس. شرعيةُ هذا السؤال، تدعمهُ الحقيقة التالية ” إنّ انتماء مؤسسي الدعوة وأعضائها الأوائل إلى عدّة بلدان إسلامية، يؤكدُ طبيعة تحرك الدعوة ومساحتها، إذ أنهم كانوا يطرحون “الدعوة” باعتبارها حركة إسلامية عالمية، انسجاماً مع عالمية الإسلام، وشأنها شأن الحركات الإسلامية الكبرى، أو الحركات الإيديولوجية العربية والعالمية، وليست حركة عراقية محضة”.
شرعيةُ طرح السؤال السابق قد تُنسفُ ، إذا علِمنا أن القادم فيما سنقرأ، يُعقّدُ لا محالة، قدرة الأحزاب الإسلامية، خاصّةً حركية الطابع منها على تجاوز جغرافيا الوطن، بعد أن تستتب الأمورُ لها في أوطانها. تؤكدُ أدبيات الدعوة ” العراق يمثلُ محور هذه الحركة وركيزتها”، و” كأن حزب الدعوة بذلك يريد تكريس العراق قاعدةً ومحوراً للتحرك التنظيمي الشيعي الإسلامي في مقابل الحركة السلفية التي ترتكز إلى مرجعية العربية السعودية”، و”جماعة الإخوان المسلمين التي ترتكز إلى محورية مصر”، و “بذلك، فإن هذا البعد العالمي للدعوة مثّل إضافة نوعية للعراق الذي أصبح مركزاً للأطراف التنظيمية الشيعية في المنطقة”، حيثُ ” تأسس لحزب الدعوة ابتداءً من منتصف الستينيات، فروع قويّة في معظم البلدان التي يتواجد فيها الشيعة، وهي ظاهرة جديدة بالكامل لم يعرفها التاريخ الشيعي من قبل”.
هذه الفقرات التي لم نحاول انتزاعها بشكلٍ مُتعسف. تجعلني أرى أن تطور حزب الدعوة الإسلامية، يستلزمُ التصادم مع إيران، أو على الأقل تحديد نُقاط الاتصال،التقاطع الاختياري، أو التقاطع بشكلٍ جذري وتأسيسي في هذهِ أو تلك من الأمور. إنّ إيران لن تقبل أن يُنضِّج حزب الدعوة ذو القلب العراقي، علاقاته مع الإقليم والعالم بدون اشتراطاتها هي، كالراعية الأولى للشيعة في العالم، وبالتالي فهي تحرصُ على تشظية الحركات الشيعية الإسلامية في العراق، خاصّةً حزب الدعوة. ربّما إذاً (محاولة لتحفيز الفكر هنا ليس إلّا) من مصلحة إيران في الانتخابات القادمة – 12 مايو 2018، أن تسمح لممثل تنظيمٍ آخر من تنظيمات حزب الدعوة، أن يكون هو رئيس الوزراء القادم.
الدعوة يُعاني من فقر الدم الجماهيري
واحدٌ من أهم الأسباب التي أدّت الى تأسيس هذا الحزب، ذو الطبيعة الحركية، كان المناخ السائد في فترة تأسيسه، والتي شهدت، زحف الفكر العلماني على حواضنهِ الجماهيرية، رغم أنهُ، قدّم نفسه كمُنافحٍ عن القيم التقليدية التي يرأسُ الدين عرشها ” أحد الأسباب المهمة في انطلاق الحركة الإسلامية بجميع أبعادها، الفردية والثقافية والسِّياسية والأدبية، بسبب التراجع الذي عاشه التيار الإسلامي الإصلاحي والتغييري في العراق، منذ منتصف العقد الثالث وحتى أواسط العقد السادس من القرن الماضي، و “الذي كان يقابلهُ جوٌّ مشحون بالتيارات والأفكار الوضعية الوافدة”، و “وسط مهرجان من الحركات والأحزاب والتنظيمات العلمانية، والتي يبرز من بينها التيار الماركسي الذي يمثله الحزب الشيوعي والتيار القومي الذي يعد حزب البعث أهم أركانه، وما يعرف بالتيار الوطني، الذي يعد الحزب الوطني أحد أهم قواه”. و ” ما تبقى فقد كانت أحزاب سلطة”. و” كان انكماش الإسلام الحركي، يمثلُ فرصة مهمة للتيارات العلمانية، ولا سيما الجماهيرية، بالإمساك بالساحة السياسية والاجتماعية، حتى في المُدن التي تمثل قلاع دينية حضارية، كالنجف الاشرف”.
هنا نجد، إنّ أحد أهم ما يشغلُ بال الإسلام الحركي عموماً،والدعوة بشكلٍ خاص، هو الجماهيرية. الخوف من الجماهيرية الواسعة للتيارات العلمانية، حتى تلك التي لم تُمسك بالسُلطة في وقت تأسيسه، أو على الأقل كانت متحالفة مع السُلطة كالشيوعية والحزب الوطني. أيضاً إنّ الإسلام الحركي يتطلب ولادة جديدة للإنسان المنتمي إليه. قد تكون بالضدِّ تماماً من بيئته الاجتماعية والاقتصادية، وبهذا يتساقط العديدون في الطريق، وتقل رغبة السيّر في هذا الطريق، لصعوبة أو عدم وجود رؤية مُحددة وواقعية لمدى النضال المطلوب، ومدى الفائدة(ليس شرط أن تكون مادية وإنّما معنوية). طبعاً هذا يؤكدُ أيضاً، إنّ حزب الدعوة، أبقى علماء الدين لهُ مرجعاً بشروط، لأنّهُ يمثلُ نسغاً يمدهُ بالجماهيرية. الإسلام الحركي غير قادر على التمتع بميزة الجماهيرية، بسبب طبيعته التنظيمية أيضاً. كذلك الصراع مع الأحزاب العلمانية، هو في حقيقته صراعٌ من أجل الجماهير.
تحولات وهياكل
الشخصيات التي تسلمت قيادة الحزب، رغم أن القيادة فيه بقيت جماعية في خطوطها العامّة وحتّى التفصيليةُ منها، إلّا أنها سمحت للناطق باسم الحزب (يبدو هذا المنصب مقصوداً، لإيقاع طلاق نهائي مع الأفكار العلمانية التي تستدعي منصباً كالأمين العام، وربّما تأتي للحِفاظ على أحد أهم أعمدة، نظرية الفقه الشيعي بشكلٍ عام- والتي ترى أن من يستحق وصف القائد حصرياً وبشكلٍ مُطلق، هو المهدي المنتظر)، أن يكون لفكرهِ وأدائهِ في الميدان، السُلطة على تحقيق ” أهداف عددًٍ من التحولات في فكر حزب الدعوة الفقهي والعقيدي والسياسي والتنظيمي”.نتيجة ذلك، التصق التحقيب التاريخي لحزب الدعوة الإسلامية بأسماء الأشخاص، وكأمثلة على ذلك ” مرحلة السيد محمد باقر الصدر – التأصيل الفقهي والعقيدي لنظرية الشورى” ، و ” مرحلة السيد مرتضى العسكري -الشد والجذب بين مبدأ قيادة علماء وقيادة المثقفين” . أمّا الأمثلة من الزمن الأقرب ” مرحلة الدكتور إبراهيم الجعفري (التشتت الفكري) “، و” مرحلة السيد نوري المالكي (ممارسة السلطة) “.
الهيكلة التنظيمية للحزب تبدو بدورها مُفصّلة، لتتناسب مع البعد السرّي والحركي له، والذي يستلزمُ الكتمان والبحث عن التوقيت المناسب من أجل لحظة الصفر.. نعني مسك السُلطة: ” يعتمد حزب الدعوة هيكلاً تنظيمياً يقوم على أساس الاتصال العمودي، وهناك لجان عمل أفقية تتشكل وفقا للحاجة”.
تتضحُ أهمية السرّيةُ في الهيكلية التنظيمية للحزب في تشكيل “الحلقة” والتي يُراعى فيها البُعد الخيطي. كلُ حلقة لا يعرفُ أفرادُها إلّا أعضاء الحلقةِ نفسها، كي يُحافظ الحزبُ على نفسه في حالة وقوع بعض أعضائهِ في قبضة السُلطة، كما أن لِجان العمل الأفقية تتيحُ لأعضائه الاحتكاك مع القوى الأخرى في المجتمع وقواعده. إذاً مزجُ هذين البُعدين، يتيح للحزب مركزيةً وحركيةً في نفس الوقت. لا ننسى كذلك، أن البعد العابر للجغرافيا الوطنية، يتيحُ للأعضاء المنتشرين في بلدانٍ مُختلفة الحِفاظ على سرّيتهم.
رغم كل أفكار الحزب الإسلامية، فإن البعض يرى أن الدعوة مشغولٌ بالشيعة وحدهم لا غير ” فهو حزب ديني إسلامي شيعي، قائم على قواعد فقه مذهب الإمام جعفر الصادق، مهما حاول الحزب تغليف حقائقه بشعارات الوحدة الإسلامية والتلاحم الوطني، ورغم استقطابه أعضاء سنة لبنانيين وأردنيين وعراقيين في فترة السبعينات”. الدليل الآخر ” كان واضحاً من تأسيس الحزب، أنهُ ضمن في كوادره العديد من الرموز الشيعية من أقطارٍ عربية وإسلامية لتكون نواة لتنظيم أكبر و أوسع واشمل يضم الشيعة من مختلف الجنسيات”.
أهمُ تحول، والذي برأيي قد سمح لقيادات الدعوة بعده، أن تلعب دوراً شبيهاً بالدور البابوي ” في 19 أغسطس 1960 انسحب آية الله محمد باقر الصدر من حزب الدعوة كما شهد انسحاب محمد صادق القاموسي.وجاء انسحاب السيد الصدر بعد مراجعة نقدية ثم تحريمه لحزب الدعوة كلياً وطلبه من قيادات الحزب الخروج منه لتصورهِ أن الحزب يتجه نحو الحزبية والشخصية والذاتية الدنيوية بعيداً عن الأهداف الرسالية ولا مبرر له شرعاً خصوصاً وقد كان الاستدلال الشرعي له بآية الشورى وأمثالها حيث ثبت بطلانه عنده”.
التحول الثاني والذي لا يقلُ أهمية، إذا أردنا أن نقيسه من حيث موقعه في القرن الواحد والعشرين، نتيجة لنزعته الإنسانية. كان مرحلة محمد هادي السبيتي (إسلام بلا مذاهب). تمثّلُ مرحلة السبيتي (لبناني الجنسية)، فترة تذوق حزب الدعوة الإسلامية، مركزية الإنسان التي طُمست في صراع العقائد والمذاهب ، حيثُ يستدعي ذلك، رؤية الكائن الإنساني بعيداً عن قيود الجغرافيا والمذهب، وحتى الدين إذا أردنا أن نستلهم من المتصوفة الإسلاميين العظام كــ عبد القادر الجيلاني، أو كما فعلت المذاهب الشيعية الأقل انتشاراً من التصور الاثني عشري للمذهب الجعفري الإسلامي، كالإسماعيلية في مناطق انتشارها الجغرافي ( كتاب تاريخ الإسماعيليين الحديث- المؤلف فرهاد دفتري).
تبقى المشكلة الأساسية لعدم تغلب طابع مرحلة على كلّ سمات المراحل الأخرى،وكما ذكرت في ملاحظاتي السابقة، عدم امتلاك الجماهيرية، أي أن كلّ مرحلة من مراحل حزب الدعوة لم تمتلك الجمهور الكافي الذي يسمح بانتشارها، إضافة الى أن المصلحة الإيرانية تبحث عن أن تكون امتدادات الحركات الشيعية مجرد أداة توسع، ولا تسمح بنشوء فلسفة عالمية لا تكون هي الصانعة لها، إذ إنّ ذلك يمكنُ أن يُحدث أو يسبب حركات ارتكاسية ترتدُ الى عقر دارها القومية، المتشكلة من فسيفساء واسعة من العرقيات والقوميات. إيران في النتيجة النهائية، واحدة من الأمم التاريخية التي لا يمكن أن تتنازل عن بعدها القومي، لصالح الجماعات التي تسكنُ في جغرافيا، تعتبرُها داخلة في حدود أمنها الحيوي كالعراق مثلاً.

الانشقاقات داخل الدعوة.. انشطر ثم التحم
ما توصف بـ “الانشقاقات” داخل حزب الدعوة، تتوفرُ عنها الكثير من المعلومات. لكن لا أحد بيّن إن كان كل انشقاقٍ مزعوم، قد أحدث تغييراً جذرياً ما في تركيبة حزب الدعوة الإسلامية في العراق.أهمُ الانشقاقات وبحسب الترتيب الزمني، ما نشرهُ موقع براثا بتاريخ الخامس من حزيران 2008، فيما يخص خروج الجعفري من حزب الدعوة، تحت عنوانٍ بدا ثأرياً وهجومياً، لا يُفهم منه إلّا إن المجلس الأعلى الإسلامي، كان وقتها يشعرُ بالفرحةِ لِما حصل، ويكنُ الضغينة للجعفري “حزب الدعوة الإسلامية يطرد ابراهيم الجعفري وينهي ارتباطه بالحزب”.
رغم الدراما التأثُرية، ومسحة العتب والضجر التي وردت في بيان حزب الدعوة الإسلامية عن خروج الجعفري.الواضح إنّها كانت نوعاً من الاحتفاء بخلو الساحة من منافسين للأمين العام للحزب.ذلك المنصب الذي استحدثهُ المالكي لصالحه عام 2007 . المؤشرات تشي أن الجعفري، وبسبب قدراته اللغوية، وقدرته على الإلقاء الساحر، والذي لا يفقدُ طراوته، حتى في القضايا الدقيقة، كان صورة لا يستطيع المالكي تحقيقها. باختصار المالكي كما توضحُ سيّرتهُ رجلُ ميدان، والجعفري، منظرٌ رشيق اللغة. يحتاجهُ الإعلام الذي يعتاشُ على اللِسان لا الميدان.أيضاً كانت “مرحلة المالكي” وما زالت.
الانشقاق الثاني أو ما عُرِف بـ “الانشقاق السادس” بحسب ما نُشِر عنه في آذار 2014 ، سنذكرُ هنا مقتطفاتٍ منه ” أعلنت مجموعة من أعضاء حزب الدعوة الإسلامية، انشقاقها وتشكيل حزب جديد لـ “تصحيح المسار”، فيما أكد مصدر رفيع المستوى في “الدعوة”، أن آية الله محمد باقر الناصري، رئيس “كتلة التضامن الإسلامي” يقف وراء هذا الانشقاق “لأغراض انتخابية”. الحركة الجديدة، قدّمت نفسها، أنها هي من تبقت فيها الجينات الحقيقية للحزب الأصل. أو حزب الأساس الذي يقوده المالكي (حزب الدعوة الإسلامية) ، ولذا سمحت لنفسها أن تأخذ اسم الأصل بعد صقله بإضافةٍ مستفزة ومُحفّزة “حزب الدعوة الإسلامية الأساس- تصحيح المسار”. الدعوة- تصحيح المسار، قدّمت أسباب نشوئها للعارفين.تبقى لغة حزب الدعوة والمنشقين عنها، لغة تلغراف، لا يفهمُها إلّا المشاركون فيه، وربّما فقط المُعتّقون حصراً “الدعاة الصادقين الثابتين على العهد الذين غادروا مقرات الدعوة احتساباً وألماً وهضماً وهم يرون قيم الدعاة الشهداء تسحق وتداس تحت حمى شهوات الدنيا وزخرفها من قبل الذين كانوا مجاهدي الأمس وقادة اليوم. ندعوكم لإعادة إحياء حزب الدعوة الإسلامية الأساس من خلال الارتباط بالدعوة الجديدة المباركة”.
البارز في هذا التفصيل. إن قيادياً في الحزب- جناح المالكي، وعلى غير عادة الحزب. غرّد أن الحزب غيرُ مستعد للالتفات الى جماعة (تصحيح المسار) “سحابةُ صيف الهدف منها تعبئة الغاضبين من قيادات الحزب وغير المنتفعين منه في المناصب أو المكاسب الأخرى وتحشيدهم لصالح قائمته الانتخابية (كتلة التضامن الإسلامي) “.
علي المؤمن، أحد أهم المؤرخين للحزب، والمنُظّرين عن إمكانات الدعوة مستقبلياً، ومن المصرّين على فرادتهِ، لا يعطي وزناً لهذهِ الانشقاقات.مثلاً انشقاق حزب الدعوة- تنظيم العراق، وحزب الدعوة – تنظيم الداخل، يبدو كأنهُ مجردُ إضافة، أو سياسةٌ. وصفُها المناسب عند كاتبِ السطور (انشطر ثم التحم)، لضخّ الدِماء الجديدة في الحزب، أو على الأقل تنشيط الدورة الفكرية في جسد الحزب. المؤكدُ أكثر أنها توسّع قاعدة الحزب. الظريف أيضاً إنّ الانشقاقات وكما لاحظ المؤمن “زادت حصة الدعوة في مؤسسات الحكم”.
انشقاقات الحزب، أدامت حضور نكهة الماضي.. على الأقل عبر اختياراتها للأسماء. مثلاً تيار الإصلاح الوطني للجعفري، يبدو نسخة عن حركة الإصلاح. الانشقاقات تبدو انعكاساً للتيارات التي شكّلت مفاصل فلسفة الحزب ومبادئه. هي في الحقيقة انشطاراتٌ أكثرُ منها انشقاقات، ولذا فإن المنشقين والمختلفين في الإعلام الذي ينقلُ أخبارهم، يعودون في اليوم التالي الى “الالتحام”.

الدعوة في عهد الجعفري المولود سنة 1980

ولد لقبُ الجعفري في طائرة فِرار إبراهيم عبد الكريم بن حمزة الأشيقر الى إيران سنة 1980. هارباً من أيادي النظام السابق. هكذا مات على اللِسان إبراهيم الأشيقر، وخرج إبراهيم الجعفري من رحِم الطائرة. المعلومات الأرشيفيةُ عنه كثيرة. الانطباعاتُ عنه أكثر.تلك الانطباعات لم تحاول أن تأخذ منطقة وسط. ظلت خاضعة لنفوذ الجعفري في عراق ما بعد 2003.نعمتهُ ونقمتهُ كانت لِسانهُ الساحر، والذي عمل كالساحر “أوز” قبل أن يكتشف العراقيون، إن هنالك طريقاً طولهُ مليون ميل بين لِسانه وما ممكنٌ تحقيقهُ من سحر البيان.
رأى بعض المنشغلين بتقييمه، أنهُ “حقبة سوداء برائحة الموت والكراهية”،و “يتقن تقمص الشخصيات بطريقة عبقرية تخدع حتى أصحاب الفراسة والذهن اليقظ”.و “الجملة عنده صالحة للاستخدام في أكثر من موقف وفي أي زمان وفي أي مكان”. الأحداث البارزة في حقبة الجعفري بعد 2003، تشبهُ شهور الحمل.أبرزُ ما حبلت به تلك الشهور، كان تفجير المرقدين العسكريين في سامراء. صعود نجم ميليشيا جيش المهدي. الحرب الأهلية. بداية عمليات تطهير عرقي واسع. العاصمة كانت حلبة مصارعة رومانية.يموت فيها جسد الإنسان واسمهُ، ليصبح جثةً مجهولة.
كان من الجيل الأول للدُعاة. انضم بتسعةِ عشر ربيعاً الى الدعوة.علاقتهُ مع إيران استمرت لعشر سنين. انتهت بخروجهِ الى لندن سنة 1990. سُمّيت مرحلتهُ بـ ” المرحلة السابعة -مرحلة التشتت”. فرّت قيادات الدعوة وأعضائه في تلك المرحلة الى أصقاع البلدان المختلفة. عانى الجعفري كحالهِ من الذين تولوا زعامة الدعوة من صدمة خروج الصدر من الحزب ثم إعدامهُ على يد النظام. طافوا في الهواء. إيران كانت مركز الجذب الذي يمنعُ ذلك التحليق المضر.
نستطيع أن نقول أنهُ صعد كالصاروخ في سُلّم الدعوة، إذ إن الفترة مابين انتخابهِ ” في عام 1980 عضواً في قيادة “حزب الدعوة الإسلامي”، وصولاً الى مرحلة الزعامة سنة 1989، لم تفصلها سوى تسعُ سنين. شارك في “تأسيس المجلس الأعلى الإسلامي”، و ” تصدّى لمسؤولية رئاسة المكتب التنفيذي واللجنة التنفيذية، وانتـُخِب ناطقاً رسمياً لـ”حزب الدعوة الإسلامي” – المنصب الأعلى في الحزب آنذاك.
مرحلتهُ التي دامت ثلاثة عشر سنة، امتلأت بالكثير من الأحداث. البارزُ فيها أنهُ كزعيمٍ للدعوة، رفض إسقاط النظام السابق بالاحتلال الأجنبي. رفض “حزب الدعوة” في مرحلة زعامته ” حضور مؤتمرات “المعارضة” وتحفظوا عليها انطلاقاً من رفضهم الحرب من قبل أمريكا على العراق، وطالبوا بدعم المجتمع الدولي والعربي “للمعارضة الوطنية” لمساعدتها في الإطاحة بنظام صدام حسين”. الجعفري رأى أيضاً ” إنّ المؤسسة العسكرية العراقية الرسمية بريئة من أفعال صدام وطالما حاولت هذه المؤسسة الوطنية الانقلاب عليه”، واعتبر “إنّ أعضاء حزب البعث، كانوا مكرهين تحت ضغط مرعب ورهيب”.
التناقض الواقعي، كان شقاً عريضاً في ثياب تصريحاته. باختصارٍ شديد. حاول كغيرهِ من ساسة العراق ما بعد 2003. الخلاص من ضريبة الانتقال الثقيلة.أراد أن يكسب التاريخ على حِساب الواقع. مثلاً فيما يخص مؤسسة الجيش العراقي وحزب البعث المنحل(بحسب الدستور الحالي للبلاد)، كان الواقعُ الذي تحقق هو ” حلُّ الجيش وطرد نحو 400 ألف عسكري عراقي من الخدمة، ومطاردة أعضاء “حزب البعث” أينما كانوا، سواء في بيوتهم أم في مواقعهم الرسمية، وأخذوا بالشبهة”. نستطيعُ أن نقول عنه أنهُ من أصحاب الطبقة السياسية المخملية. واحدٌ من سكنةِ ” فينيسيا” الصغيرة. المنطقة الخضراء المُحصّنة، والجِدار العازل ما بين طبقة العراق السياسية، والوقائع البعيدة عن جمال “البندقية الخضراء”.

“اسكتش” الدعوة بريشة الجعفري السابعة
الجعفري”زعيمُ المرحلة السابعة”، يبدو “بورتريه” لم يكتمل عن محمد هادي السبيتي. الداعي الى “إسلامٍ بلا مذاهب”. مثل السبيتي أيضاً الذي آمن به عارف البصري.ربطتهُ علاقةٌ وثيقة مع علي الأديب. (نسأل: هل هما ماركس وانجلز الشيعيّين؟) – مع تحفظٍ شديد . نعرفُ عن الجعفري في تلك المرحلة أكثر مما نعرفُ عن الأديب.الأديب لولا خلفياته الاجتماعية الإيرانية.كان المُرشح الأبرز ليكون خليفة الجعفري- بحسب ما نقلتهُ الصحافة الأمريكية عن السفيرين(رايان كروكر،خليل زلماي زادة).
عانت مرحلةُ الجعفري من استفحال التأثير الإيراني في جسد الحزب.كان الشيخ محمد مهدي الآصفي من ذوي “الأصول الفارسية المعروفة” ،زعيمُ المرحلة السادسة التي استمرت من 1979 – 1989.كان كذلك شريكاً ثالثاً للجعفري والأديب.لم يكن الآصفي قادراً على بلع المرجعيات الدينية العربية. مثلاً ” لم يكن علي علاقة حسنة مع المرجعيات العربية مثل محمد باقر الصدر”. ظل طيلة حياته “يدعو للمرجعيات الفارسية لا سيما ولي الفقيه سواء الخميني أو خامنئي، محذراً من المراجع العرب”. كان الآصفي شبيهاً باليد اليُمنى لـمحمود الهاشمي الشاهرودي(شغل منصب رئيس القضاء الإيراني، منصب عضو حِفظ النظام)، والذي حاول المالكي ترويجه كمرجعية حصرية للدعوة.جمّد الآصفي نفسه في “1997”، ثمّ “أعلن خروجه من الدعوة سنة 1999. عانى الجعفري كزعيمٍ للدعوة من فراغ وجود مرجعية مؤسساتية للحزب. السبب ليس منه ” إنّ القيادات من المعممين كانوا سرعان ما يتركون الحزب، لأن طموحهم في القيادة كانت فرصة تحقيقه خارج الحزب أكبر، وفي نطاق المرجعية ومؤسساتها”. ضربة الإعدامات التي وجهها النظام السابق للدعوة، والتي طالت الكثير من قيادييه ومنبع شرعيته (الصدر الأول) سنة 1980، إضافةِ الى الماضي الأبعد، حيثُ موقف المرجع محسن الحكيم الذي طالب الصدر الأول بترك الحزب. خلق صُداعاً “مرجعياً” للدعوة.أضطر فيه الجعفري الى القبول بالتأثير الإيراني. طبعاً مسِك الحزب العصا من المنتصف ” عقدة المؤسسات المرجعية، وولاية الفقيه كان الحزب قد أوجد لها في البداية حلاً، بأن ترك لأعضائه حرية قبول مبدأ ولاية الفقيه أو رفضه، ولكن نزوح عدد كبير من أعضائه إلى إيران عام 1980، جعله في موقف مختلف إذ وقع بين مطرقة الإيرانيين، وتراث الصدر، وتدريجيا تحول إلى قبول (حذر) بذلك المبدأ، وهو ما كان واضحا من خلال تأثير النفوذ الإيراني داخل أروقة الحزب”.
بقيت الإيديولوجية في مرحلة الجعفري، مجرد مُكثّف لقوام الحزب المائع، نتيجة الإعدامات، وفوز إيران بسباق تأسيس دولة إسلامية.ولاية الفقيه كانت نبضاً سريعاً وعابراً. بدأ أفولهُ مع انسحاب قيادات الدعوة المؤثّرة من إيران الى بلدانٍ أخرى(الكويت،لندن،لبنان). نسغ ولاية الفقيه ظل موجوداً في المجلس الأعلى الإسلامي، والذي خرج حزب الدعوة الإسلامية من مظلّته، ثمّ تعليب الآصفي بالتدريج. سُلطة الدعوة في مرحلة الجعفري فيما بعد 2003، تشظت بين جميع المكوّنات الشيعية. أي إنّ مسؤولية الانتقال، توزعت على الجميع بالتساوي. الحزب لم يُفاخر بمسؤوليته عن التصفيات والحروب الأهلية. في تعليقه على المظاهرات التي شهدها العراق تأثراً بما شهده العالم العربي من ثورات عام 2011، صرّح – وهو حينها عضو في التحالف صاحب الأغلبية في البرلمان العراقي” إنّ الشعب العراقي إذا أراد تغيير الحكومة أو البرلمان فنحن معه، وأن المظاهرات التي شهدها العراق مؤخراً، كانت صفحة حقيقية للديمقراطية”.هذا التصريح كان بالضدِّ تماماً عمّا قامت به حكومة المالكي مع المتظاهرين العراقيين.
سنةُ الجعفري الذهبية كانت عام 2004. فاز كـ “أكثر شخصية محبوبة في استطلاعات الرأي”.خبا نجمُ الجعفري بعد طلوع المالكي.الكسوف الكامل للجعفري في حزب الدعوة، جاء في إعلانه تشكيل “تيار الإصلاح الوطني في الـ 31 من مايو 2008. بعد عام من تقلد المالكي منصب الأمين العام للحزب.الجعفري أراد كما يبدو أن يكون حزب الدعوة الإسلامية منبع سُلطات جميع الفرقاء. أمّا المالكي أراد أن يكون هو منبع السُلطات.
المالكي.. أسنانُ السُلطة “اللبنية” تصبحُ دائميةً
سمّى البعض مرحلة المالكي بـ “المرحلة العاشرة”. أرّخوا لها ما بين 2008-2014.القسمُ الآخر سمّوا مرحلته بـ “مرحلة ممارسة السُلطة”. جعلوا تاريخها من 2006-2014.آخرون وجدوا أنهُ شارك الجعفري والأديب منذُ 2003. تلك الآراء تترجمُ بطريقةٍ غير مباشرة، الأثر الكبير للمالكي. هذا الدعوي، كان يبدو خامل الإنجازات في سنتهِ الأولى، رغم أن أحد أهم أسباب اختياره من قبل واشنطن، أنهُ كان يتعامل مع الأحداث بجدّيةٍ شديدة. المنصب الأمني الذي استلمهُ، زمن مجلس الحكم،أعطى هو له الوِقار في زمن الفوضى. بحسب صحفٍ أمريكية، كان يعملُ منذُ الصباح الباكر وحتّى الساعة الثانية عشر ليلاً كمُعدّل.
المالكي صمت سنة 2006، ثمّ نطق ثمانية سنين من الأفعال. ضرب جيش المهدي في البصرة.حاول قصّ أجنحة القاعدة في الرمادي. استحدث منصب الأمين العام لحزب الدعوة، لتحصين نفسه. دفع الجعفري للفِرار من سطوته. ضرب الجميع فنال رِضا الكل. المسألةُ البارزة الثانية.استقطابهُ الكثير من رجال حزب البعث.طبعاً كان المذهبُ الشيعي هو ” الفلتر”. أمّا المذهب الآخر فترك معاونيه كي يصيدوا من كفاءاته ما علِق منه أغلبُهم في شبكة الفساد، أو تاريخ التعاون الوثيق مع النظام السابق، كي يحافظا على السير بانتظامٍ في حضرة سُلطته. هنا يصحُ أن نُذكّر بطُرفةٍ، جاءت على لِسان النائب صباح الساعدي. أفصح لمُضيّفه على إحدى القنوات الفضائية المحلية، إنّ أحد قادة الدعوة أجابهُ عن استغرابه من تبني حزبه في عهد المالكي، اجتثاث البعثيين بضراوةٍ في الإعلام، وتبنيهم في المؤسسات الحكومية، خاصّة أصحاب الرتب الحزبية الثقيلة – و بما مفادهُ ” ليس لدينا رِجالٌ غيرهم، نعتمدُ عليهم”.عندما فاحت رائحةُ هذا التكتيك.قامت الثقافةُ الشعبية بمعاقبة حزب الدعوة الإسلامية. أطلقت علية اسم “حزب الدعوة العربي الاشتراكي”.
مرحلة المالكي، أتقنت سياسة العصا والجزرة المشهورة. كان يُعطي بيدٍ ويهددُ بملفات فسادٍ عن الآخرين في يدهِ الأخرى.قام أيضاً بمحاولاتٍ دائبة لتفتيت المنافسين. مع المجلس الأعلى الإسلامي والتيار الصدري مثلاً، قام بالتالي ” أخذ المالكي يحيك المؤامرات، وتمكن من تفكيك قيادات التيارين عبر فصل قوات بدر، الجناح الضارب للمجلس الأعلى، وكسبه للمنشقين عن التيار الصدري عبر عصائب أهل الحق”.أيضاً حاول أن يخنق مساحات التحرك الجماهيري لمنافسيه. مثلاً دأب عمار الحكيم على القيام بجلسةٍ أسبوعية، يجمعُ فيها لفيفاً من الإعلاميين والكتّاب، ونُخب مجتمعية مُختلفة.ردّ المالكي عليه بخطبةٍ مُتلفزة. حاول المالكي أيضاً أن يستولي على الخزّانات البشرية العشائرية عبر أنبوب “مجلس الإسناد العشائري”. حِنكتهُ دفعتهُ الى تخدير المنافسين بالمال السياسي والمكاسب والمناصب. هم حوّلوه الى شمس العطاء بالنسبةِ لهم. القضاء بدوره، كان أسيرهُ (علاقتهُ مع مدحت المحمود- أكبرُ الرؤوس القضائية تأثيراً).
خلّق أيضاً ما اُصطلح على تسميته في وسائل الإعلام بـ ” شيعة المالكي، سُنّة المالكي”. باختصارٍ، خلق دولة عميقة من توزيعهِ للسُلطة.كان ينثرُ سُلطته مكاسباً للآخرين، لكنهُ بقي ماسك الصولجان.عند انتفاخ الآخر.يتحولُ ذلك الصولجان الى أفعى تُهددُ المنتفخ بالابتلاع ” إن المالكي وعلى مدى سبع سنوات من حكمه في رئاسة الوزراء فإنه حاول حصر القرارات في يده بما يتناسب وطموحاته في الاستحواذ الانفرادي للسلطة، وحتى القانون حاول تسخيره لنفسه وحزبه”. فرض النظام الرئاسي كانت رائعتهُ التي لم تكتمل ” ليعود بالعراق القهقري إلى عهد حكومة- الريس – في إشارة إلى النظام السابق”.
علاقاتهُ مع الأكراد، كانت شيّقة.أصطادهم طيلة دورتين بالوعود والمكاسب، كبديلٍ عن الانفصال الذي يطمحون له.هم اصطادوه في سعيه لنيل “الولاية الثالثة”.كان ومازال المالكي. القائدُ الكاريزمي عند الجمهور العراقي.عند المكوّن الشيعي العلماني، كان يُكنّى بـ “صدام الشيعة”. الضرورات الحزبية والمذهبية لحزب الدعوة، عالجت الموضوع سريعاً. أصبح يمتلكُ لقب “مختار العصر”. ذلك القائد الذي حاول أن يأخذ بثأر الحسين من الدولة الأموية الإسلامية. كاريزما المالكي عند قيادات الدعوة، هي من دفعت القيادي التركماني في الدعوة، والذي أجدهُ شبيهاً بشاعرٍ ترويجي لزعماء الحزب ” سنستنسخُ المالكي”. عاد شاعرُ الزعماء ليقول عن رئيس الحكومة الحالية ” أنهُ هديةُ حزب الدعوة للشعب العراقي” !!

فراغ المرجعية الدينية يُسقط المالكي

المالكي الذي وصفهُ البعض أنهُ “قائد أزمة”.احترف صناعة الأزمات لإدامة السُلطات.كبُر المالكي بسياساتهِ البراغماتية. وصل الأمر الى أن يحاول ترويج نفسه بكلمات النظام السابق “بالروح.. بالدم، نفديك يا مالكي”.ليس الأنصارُ فقط أو الانتهازيين من استجابوا للإيحاء. المسألة مُعقّدة، تخصُّ طبيعة الشعب العراقي وما تركتهُ الحُقب الزمنية فيه من تأثيرات لا مجال للحديث عنها الآن.
حاول المالكي تطويع مرجعية النجف الرباعية – من السيستاني الى محمد إسحاق الفياض.أراد في الحقيقة تجفيف منابع الشرعية لخصومه السياسيين من الشيعة. فكّر بضربِهم بـ محمود الهاشمي الشاهرودي.لم يُفلح. بقي طقسُ الدعوة غائماً وبلا شمسٍ مرجعية.
بدأت غيوم الأزمات بالتجمع بكثافةٍ مِن 2013 فصعوداً. (اقتحامات سجون،تفجيرات بكثرة، القبض على خصومه السياسيين بلا اعتبارٍ لحصاناتِهم البرلمانية، ضرب الشارع بقلّة الأعمال والنقد و… ألخ). ما سبق ووضعناهُ بين قوسين،كانت التُهم التي تُطاردهُ.هي عملت كممحاة لحسناتهِ في الأمن وبعض الرخاء الاقتصادي(هنالك نقد في السوق- بحسب تعبير الشارع العراقي). كان يرنو الى أن يكون الرئيس بلا شريك. حتّى في ظهور “داعش”، حاول المالكي من ورائه أن يُمرر قانون “السلامة الوطنية”، تلطيف قانون الطوارىء الذي يُعطيه السُلطة المطلقة ولحزبه، بحجة الخطر الوجودي الذي تعرض لهُ الوطن.
بدأ المالكي بمحاولة الرجوع الى الشارع الشيعي حصراً. مازال وصفُ فسطاط يزيد وفسطاط الحسين.طرياً في الذاكرة العراقية.إيران التي كان مبتعداً عنها بمسافةٍ شبهِ آمنة (نفترضُ ذلك). عاد مع انحسار فرصهِ بالولاية الثالثة – رغم فوز ائتلاف دولة القانون، باثنين وتسعين مقعداً، للهرولة الى حضنِها.أعطاهم وعداً معناه أنهُ سيكون رجل إيران في العراق.الرئيس الأمريكي السابق- باراك أوباما، لم يترك لهُ خياراً آخر. أوصل لهُ رسالةً قاسية في اللقاء الذي جمع الاثنين. شاهد الشعبُ العراقي ذلك بعينيه.
هنالك شبهٌ افتراضي في آخِر سنتين للمالكي مع مرحلة الشيخ الآصفي. لم يدعو الى ولاية الفقيه، لكنهُ حاول أن يكون الرجل الأول الذي تعتمدُ عليه طهران في تسوية ملفاتها مع “الشيطان الأكبر والاستكبار العالمي”. أصبح المالكي كـ ولي الفقيه لحزبه. هي ليست تهمة. هي ترسمُ فقط ، إنّ المالكي، لعِب بكلّ الأوراق. ما كان غريباً أن يبزّه رئيس الحكومة الحالية – حيدر العبادي بوصف “القائد الضرورة”. يُخبرنا هذا الوصف إنّ المالكي جذّر نفسه في مخيلة الحزب، وجعل رأسه برأس المراجع الدينية. المالكي يبدو كذلك مولعاً بفنون السُلطة لا الحكم، فالسُلطة تعني التحكم بالتوازانات. إبقاء الخصوم في حاجةٍ الى مانح السُلطة والنفوذ. حركية المالكي وطموحاته، حرقت نصيبه من الجماهيرية. ربّما ما تقدم، يُفسّر لماذا كان حزب الدعوة، يحرصُ على عدم استلام وزارات كثيرة.السُلطة أبقى وأنفعُ من المنصب.
علينا أن نعترف، أن دعوة المالكي الى “حكومة أغلبية”، تبدو (إذا تناسينا الرجل)، منطقية جدّاً، وسط الاستقطاب الحزبي الشديد، الأجندات الخارجية، الإرهاب، والفساد أيضاً. كذلك إنّ البعد الرئاسي في حكم العراق، أصبح طريقاً مُفضّلاً للخلاص من التوازنات الهشة التي تعصفُ بالبلاد. إذا هل يُغامرُ كاتبُ السطور هنا، إن اقترح على المالكي، إذا أراد للدعوة أن يكون حزباً ذو ديمومة في الشارع، أن يدعم العبادي. بلغةٍ فجّة مباشرة، أن لا يسمح لإغراءُ ردِّ الصفعة، لرئيس الحكومة الحالية (ما جرى في 2014) بالنيلِ من حظوظ الحزب الكبيرة ، واختيار مُرشّح آخر من حزب الدعوة- جِناح المالكي.حزب الدعوة بعد 2014، وكما يبدو على الواقع، تخلص من إغراء التصادم العنيف ” لم تنزل قطرة دم من أنف أحد من الدعاة طيلة 57 عاماً من التصدعات والانشقاقات في الحزب، بل لم يتخلل أي انشقاق لون من الصراع العنيف، بل لطالماً عاد المختلفون والمتنافسون، أصدقاء ومتحالفين غالباً”. من غير المُرجح أن تُصاب قياداته بنوبةٍ أقوى من نوبة ما حدث في تاريخ 2014.

حيدر العبادي يلبسُ تاج النصر

ما يُميّز رئيس الحكومة الحالية عن غيرهِ من الدُعاة، أنهُ مارس السياسة والحزبية بشكلٍ مسلكي. أي خطوة فخطوة.انتمى للدعوة سنة 1967.أصبح بعد عشر سنين مسئولاً عن تنظيمات الحزب في بريطانيا.عضو قيادة تنفيذية سنة 1979. مسؤولية مكتب الحزب في منطقة الشرق الأوسط بعد سنة.في مرحلة المالكي شغل مناصباً عدّة. أبرزُها رئاسة المكتب السياسي للحزب، والمنصب الأهم بعد منصب الأمين العام، المتحدث الرسمي باسم الحزب.
واشنطن عبّرت بدورها عن فرحِها بتوليّه رئاسة الحكومة. مررت الخوف وبعض النصائح في مقالةٍ كتبها “علي الخضيري”. الخضيري الذي قدّم نفسهُ كمستشارٍ لثلاثة جنرالات في العراق.أشّر للعبادي، إنّ سوء أداء المالكي، تقفُ خلفهُ، حلقة المُقرّبين منه.المستشارون المحترفون، كانوا لا يعرفون كيفية الوصول الى أُذن المالكي .. إن كانوا خارج نِطاق نفوذ المُقرّبين منه.
حيدر العبادي، جاء في وقتٍ صعب. داخلياً، كانت خزينةُ الدولة خاوية، “داعش”، النازحون، صراعات حادة داخل حزب الدعوة، تقشف، نهش أنياب الخصخصة في جسد مؤسسات الدولة (هو من سمح بذلك) . خارجياً، تشابك ملف “داعش” مع سوريا،إيران، رغباتُ واشنطن والمجتمعُ الدولي خلفها (الأوروبي تحديداً)، وغيرُها الكثير.الحسنة الوحيدة التي رافقته حتى هذهِ اللحظة، رغم أنها كانت غائمة في البداية، أنهُ نال دعماً إقليمياً- من إيران بدا على مضض، وتبادل شتائم سياسية بينهُ وبين الرئيس التركي أردوغان.وسط هذهِ الأحراش، تواجد العبادي الذي كانت التوقعاتُ حوله، تشبهُ الصورة النمطية عن رحالةٍ أوروبي في أدغال أفريقيا. يرتدي بنطالاً نصفياً.
(إذاً كيف نستطيع أن نصف مرحلة العبادي؟). سأختارُ لها (مرحلة الدولة وثبات السُلطة). هي مغامرة محسوبة بدقةٍ. هكذا أزعمُ أنا ولا أودّ أن أصيب أحداً بالعدوى.الرجل افترق عن سياسات المالكي “تكتيكياً” كما ترى الكثيرُ من الآراء.لم يُعد هنالك صُراخ. هروب من الأزمات، بسبب الصراع السياسي الحزبي مع الفرقاء. لم يخرج عن عباءة حزبه. مثلاً كان قادراً على تعويض كوادر الدعوة بالجمهور الصدري ومباركة الصدر له. يبدو الصدر مُعجباً بالعبادي، يراهُ النسخة الأفضل من الدعويين على الأقل.اكتفى ببزِّ خصومه.لا يتركُ في كلامهِ حُجّةً عليه. يتحدثُ الإنكليزية بشكلٍ جيّد. علاقتهُ مع إيران، لم تجعلهُ يُدخل البلاد في محور نفوذها.وجد لهُ مساحة حركة عند واشنطن. الرئيس ترامب مثلاً لم يقصفهُ بـ تويترية “حيدرية” – المقصود أنها شديدة الوقع بحسب اللهجة العراقية الدارجة.
الضفةُ الأخرى.عند الشارع العراقي تبدو غير جيّدة. بطالة، تقشف،أزمة سكن و… ألخ. نضجت رؤوسها في مرحلته. يبدو لحدِّ هذهِ اللحظة غير قادرٍ على قطف رؤوسِها. الفساد والفاسدون،أصبحوا من المتفرجين على خُطب العبادي.وعود القضاء على الفساد مرّيخية.استقطاعات في رواتب العاملين في مؤسسات الدولة.ضرائب يمارسُ جُباتُها الترويع.ليست هنالك لوائح قانونية معروفة ومفهومة.إعلامٌ ميّتٌ. حرِص العبادي على دفعِ ثمنِ رقودهِ في المستشفى، للرؤوس الكبيرة التي تتحكمُ فيه، بدل أن يمارس علاجه.باختصارٍ طالب الإيمان بمقولته ” حلولي تحتاجُ وقتاً طويلاً كي تظهر فوائدُها”. هلالُ الفوائد يبدو بعيداً، غارقاً في عُتمة الشعر الأسود للتوازنات الدولية والإقليمية.
“نصر” الميدان يسقطُ في الحلبة الانتخابية !
الزعيمُ الصدري، كان من أشد الممتعضين عن تحالف النصر الراجع للرئيس العبادي. بدا طائفياً له.بقيت تفاحةُ عبور الطوائف عصيّة عن متناول العبادي. آخرون وجدوا إنّ العبادي قام بذلك، كمحاولة لجسّ النبض الإيراني.الأدق رؤية الحرس الثوري الإيراني. أن يكون العراق خندق الغرق لمن يود الاقتراب من طهران.هنا تبدو من جديد تعقيدات علاقات الدُعاة مع النظام الإيراني. إيران لن تقبل أن تذهب الفصائلُ المُسلّحة التي تقومُ بتمويلها الى حضن العبادي بلا ثمن. كأنّ لِسان حالِها يقول: أدفع لي أولاً يا صديقي.
إيران وبسبب حِصار واشنطن لها من جميع الجهات الحيوية لأمنها. تخافُ أن يكون العراق في قادم السنين. البوابةُ الشرقية للدخول الى طهران. مفهومُ البوابة الشرقية الذي أدمنتهُ أدبيات النظام السابق.تبدو هنا أخف وألطف.إيران التي تتوقعُ من الرئيس ترامب الأسوأ. ترفضُ أن يمارس العراق دور بوابة شرقية من أي نوع.هي كما سيلاحظُ القارىء الذي استمر معنا في القراءة، تخشى ذلك. العبادي الذي نجح بالحصول على رِضا مرجعية الشارع الدينية التي يتحكمُ الصدر بزِمامها. حصل قبلها على الضوء الأخضر من المرجعية العتيقة في النجف.
المفاوضُ العراقي الذي كان قد المالكي قد وصفهُ بـ “الضعيف” فيما يخص الملفات العالقة مع إيران. أصبح قويّاً. العبادي صديقٌ لدود الآن. يبدو شبيهاً بواحدٍ من المجموعة الأمريكية التي تقود مع الرئيس الإيراني الحالي، دفة السياسة في طهران. الاختلافُ الوحيد هنا إنّ المدرسة بريطانية.
ملفاتٌ أخرى مثل فلسطين وغيرها، أصبح على العبادي أن يرسم ملامحها. “البورتريه” الدولي لحزب الدعوة الإسلامية، هو ما يهمُ واشنطن والعالم.إن رسمهُ العبادي بدقةٍ، فقد يخرجُ العراق من دور عصا موسى لكل اللاعبين الإقليميين والدوليين.

مركز الدراسات العلمانية في العالم العربي http:\\www.ssrcaw.org