عودة غوبلز ازمة الاعلام الدولي -موقع يس عراق

 

“لن نستطيع ان نتخلص من صوت غوبلز بسهولة ” هكذا عبر تيودور اودورنو وماكس هوركهيمر في كتاب جدلية التنوير Dialectic Enlightenment عن ازمة العنصرية والتطرف في الاعلام الدولي. في الحقيقة رغم ان اوربا المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية صارعت ذاتها المتجذرة في القومية لكي ترقع ثوبها الفكري والادبي من بقع الدم والدمار التي خلفتهاالحرب. ولكنها اليوم وبعد اكثر من سبعين عقد من زمن تعود لتواجه نفس الكابوس الشعبوي القبيح بصيغ جديدة. خطابات اعلامية تلبس اثواب الحداثة ولكنها لا تكاد تخفي حقيقتها الفاشية القاسية. صحف ومؤسسات اعلامية لطالما رفعت رايات الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الانسان تتساقط اليوم الواحد تلو الاخرى في فخ الجدال الشعبوي داخل اوربا والولايات المتحدة. وذات تلك الصحف العالمية التي دقت طبول الحرب ضد الدكتاتوريات في الشرق، تقف متناثرة وهشة في مواجهة تيار الشموليين في الولايات المتحدة واوربا.
لم نعد اصدقاء
في حوار على Radio 4 في محطة ال BBC البريطانية يوجه المذيع البريطاني سؤال للجمهور هل لديكم اصدقاء من اوربا الشرقية او الصين والهند والباكستان او الشرق الاوسط. هذا السؤال لو طرح قبل ستين عام لكان مدعاة للغضب الشعبي والاتهام بالنازية والعنصرية . ولكن اليوم هذا سؤال منطقي جدا في اوربا فهنالك تمييز يتم على نطاق واسع داخل المجتمعات الغربية تقف وسائل الاعلام الغربية منه مو قف اللاحياد.
قد تكون النعرات القومية والشعبوية في اوربا هي ردة الفعل حيال افكار ما بعد الحداثة والعولمة التي سادت مطلع القرن الحادي والعشرين، فان خطابات الاسلامفوبيا والعنصرية هي رد الفعل المنطقي على فجوة الفكرة والمنطق بين الشرق والغرب. واذا كانت وسائل الاعلام في الشرق تعاني من ازمات بنيوية تعيق قدرتها على استقطاب الراي العام العالمي الا ان ما يحسب لها هو الابتكار وتحدي الذات ومحاولة احداث الفرق رغم كل صعوبات العمل في بيئة سياسية واقتصادية معادية. الا ان وسائل الاعلام في الغرب فشلت ايضا في ردع فجوة التواصل والحوار بين الشرق والغرب على الرغم من انها تتلقى مطلق الدعم المادي من كارتلات اقتصادية وسياسية عملاقة، لديها علاقات ناضجة ومزدهرة مع مؤسسات مال والاعمال والسياسة في الشرق، ولديها مطلق الدعم للحركة والتاثير فضاء الحرية والديمقراطية الواسع. ورغم ذلك التباهي بالرصانة والقوة والشفافية فان منصات الاعلام الغربية تستخدم في كثير من الاحيان عبارات وجمل وايحائات لفظية مستوحات من الحركات الشعبوية والنازية الجديدة التي تشتاح اوربا والولايات المتحدة. وتوحي في كثير من الاحيان بأجواء من القلق والتوتر الذي يذكر بزمن النازية وخطابات غوبلز ابان الحرب العالمية الثانية في الافضلية العرقية والقومية وخلق العدو الذي نعرفه بسهوله لانه لا يشبه بشرتنا وعرقنا وديننا.

# التطرف التكنلوجي

لم تكن النازية قبيحة كما هي اليوم . انها صارت مجانية الدخول لكل من خطرت في باله فكرة مجنونة يدونها مسبوقة بهاشتاك ، فتصبح افكار المراهقين والعاطلين والمرضى النفسيين الى شعارات يحملها الناس في جيوبهم. في مقال مجلة foreign policy الامريكية ( how social media helps Dictators ) تشير الكاتبة (اريكا كنوييث ) الى ان فضاء وسائل التواصل الاجتماعي لديه جانب مضلم وهو انه سمح لجماعات المتطرفين حول العالم بان يعبروا عن وجودهم المقيت.
عشرات الجماعات النازية والعنصرية تبث افكار وصور وتغريدات تطال جميع الجنسيات والاعراق، على الكره والتهميش. الاخطر في منصات التواصل الاجتماعي هو الحرب مع وسائل الاعلام التقليدية على كسب المتابعين والقراء والتي انتهت الى ان تتبنى صحف كبرى في بريطانيا مثل الديلي ميل والتلغراف عناوين مستوحاة من مدونات التوتر والفيس بوك”. شكلياً يبدو ان الاعلام التقليدي كسب الجانب المادي من الحرب مع “السوشال ميديا” ولكن الحقيقة ان الاعلام التقليدي في كثير من الاحيان خسر الجانب الفكري عندما تبنى المحتوى السطحي لوسائل التواصل الاجتماعي وحولها الى عناوين اساسية في محاولة لجذب اكبر عدد من القراء.

نصف الحقيقة
جوزف غوبلز اشتهر بوضع احد اهم واخطر نظريات الدعاية والاعلام النازية وهي نظرية (التأطير) او ما يعرف بمصطلح ال (framing theory ). والتأطير يعني ابراز جوانب معينة من القصة او الحدث وطمس اجزاء اخرى او غفالها او تجاهلها، لتمرير فكرة معينة او ترسيخ انطباع معين لدى المتلقي. هذه النظرية استخدمت ابان الحرب العالمية الثانية لنشر وتعميق مبادئ النازية في المانيا. ورغم ان المؤسسات الاعلامية في الغرب تحارب افكار المعادات للسامية والنازية الا انها تعاني من ازمة خطيرة قوامها ادمان فكرة التأطير وخاصة في عندما يتعلق بالاحداث الدولية. هذه النظرية تم تستخدامها في نقل الازمات والصراعات في الشرق الاوسط. ولكنها لا تستخدم الا بصورة ضيقة في ازمات الداخلية او السجالات بين الاحزاب في الغرب.
نصف الحقيقة هو التسمية الادبية للكذب والتضليل في الاعلام الدولي والذي يمارسه بحرفية عالية، الى المستوى الذي يطور الاكاذيب والقصص المفبركة ويحولها الى مصادر موثوقة يعتمدها العالم في تحليل وفهم القضايا. ولذلك نرى الاعلام الدولي مهما اختلفت الوانه ولغاته الا انه يتبنى مقاربات متشابهه حيال قضايا الصراع في الشرق الاوسط. ان الصحف ومحطات التلفزيون والاذاعات تتابع قضايا العالم لحظة بلحظة وتغطي اكبر قدر ممكن من الاحداث ولكنها حريصة على ان يحصل كل متابع على نصف الحقيقة وتترك النصف الاخر لخيال وانتماء وافكار المتلقي.