آثار أسعار الخام المنخفضة في شركات النفط.. أنس الحجي

كتب: د.أنس الحجي

أوّل من يتأثّر بانخفاض أسعار النفط هي شركات النفط المنتجة له، لأن مصدر دخلها يعتمد اعتمادًا مباشرًا على أسعار النفط، يليها الشركات الدولية النفطية المتكاملة رأسيًا. ويُقصد بشركات النفط المتكاملة رأسيًا، الشركات التي تنقّب وتستخرج وتنقل وتكرّر وتوزّع وتبيع للمستهلك النهائي، مثل شركة إكسون موبيل وبي وبي وتوتال وشل. وهذه الشركات الدولية تختلف عن الشركات الوطنية في أن الشركات الوطنية مملوكة من حكوماتها، بينما الشركات الدولية شركات عامّة مملوكة لمساهمين من مختلف أنحاء العالم.

وإذا نظرنا إلى القسم الأوّل، وهو الشركات المنتجة، نجد أن أكثرها تأثّرًا هي الشركات الأميركية الصغيرة، التي يملكها ما يسمّى ب”المنتجون المستقلّون”، والشركات المتوسّطة، وملّاك الأراضي التي تقع تحتها احتياطيات النفط. ويعود ذلك إلى الملكية الخاصّة للموارد في الولايات المتّحدة، على خلاف بقيّة دول العالم. ونظرًا لهذه الآثار القويّة لانخفاض الأسعار على هذه الشركات، فإن أغلبها يقوم بعمليات تحوّط، وهي بيع الإنتاج المستقبلي لمدّة عام أو عامين، حسب أسعار النفط يوم توقيع عقد التحوّط مع مصرف أو أيّ مؤسّسة أخرى. هذا يعني أنّه مع انهيار الأسعار، تحصل الشركة على أسعار ما قبل الانهيار، في كلّ الحالات، من الطرف الآخر الذي وقّعت معه العقد.

لهذا، فإنّه من الصعب أحيانًا معرفة الآثار المباشرة لانهيار أسعار النفط في بعض الشركات، خاصّة التي تلجأ إلى تحوّط كامل، ولفترة زمنية أطول من غيرها.

وإذا نظرنا إلى أسعار النفط خلال 40 سنة الماضية، نجد خمسة فترات متمّيزة، انهارت فيها الأسعار، وهي فترة منتصف الثمانينات، وفي فترة الأزمة الماليّة الآسيوية في عامي 1998 و1999، وفي فترة أزمة الرهن العقاري الأميركية في عامي 2008 و2009، وفي فترة حرب أسعار النفط في عامي 2015 و2016، وفي الفترة الحاليّة في عام 2020، كما هو موضّح في الرسم البياني أدناه، والذي يوضّح متوسّط السعر الذي دفعته المصافي الأميركية لمختلف أنواع النفط، كون الولايات المتّحدة كانت وما زالت أكبر سوق للنفط في العالم.

1- انخفاض الأرباح:

توضّح البيانات التاريخية أن أرباح شركات النفط -بكلّ أنواعها- انخفضت في فترات الأسعار المنخفضة، إلًا أن بعضها بقي موجبًا، بينما حقّقت شركات أخرى خسائر بمعدّلات مختلفة. كما تشير البيانات إلى أن أغلب الأثر يكون في الربع التالي لانخفاض الأسعار، وليس في الربع الذي تنخفض فيه الأسعار. هذا يعني أن ما رأيناه من نتائج ماليّة في الربع الأوّل من هذا العام، لا يعبّر عن وضع هذه الشركات في ظلّ الأسعار المنخفضة، وأن متوسّط انخفاض الأرباح لشركات النفط العالمية في الربع الثاني سيكون أعلى من متوسّط الانخفاض في الربع الأوّل، والذي بلغ 35%. كما حقّقت عدّة شركات عالمية خسائر، مثل إكسون موبيل وشل، بينما حقّقت شركات النفط الصخري خسائر، مثل شركة كونتيننتال ريسورسيز وماراثون، بينما انخفضت أرباح أغلب الشركات الأخرى.

وكمثال تاريخي على انخفاض الأرباح في فترات الأسعار المنخفضة، حقّقت كلّ من الشركات التالية خسائر في كلّ من الربعين الرابع من عام 1998 والأوّل من 1999: هس، أناداركو، أباتشي، ماراثون، أوشن، أوريكس، بنز، سانتافي، سنايدر، و تاليسمان. وحقّقت شركات أخرى خسائر في ربع واحد فقط، مثل شيفرون، بيري، بورلينغتون، كونوكو، هاليبورتون، كير مجي، مورفي، تكساكو، ويونيكال. أمّا باقي الشركات فشهدت انخفاضًا كبيرًا في أرباحها، مثل شل، ميتشل، بان كاناديان، بي بي وإكسون.

وعلى ذكر إكسون، انخفضت أرباحها بمقدار 39% في الربع الرابع من 1988، و40% في الربع الأوّل من 1998، بعدها حصل الاندماج مع شركة موبيل، وأصبح اسمها “إكسون موبيل”. ومع انهيار أسعار النفط بسبب أزمة العقار الأميركية في عامي 2008 و2009، انخفض صافي دخل شركة إكسون موبيل بنسبة 73%، في فترة انخفاض أسعار النفط -من 14.83 مليار دولار في نهاية الربع الثالث من 2008 إلى 3.95 مليار بنهاية الربع الثاني من عام 2009. كما انخفض بنسبة 79% في أثناء حرب الأسعار في عامي 2015 و2016، حيث انخفض من 8.07 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2014، إلى 1.7 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2016.

 

وما يميّز فترة انخفاض الأسعار في الشهور الأخيرة عن سابقاتها، أن إكسون موبيل حقّقت خسارة بمقدار 610 ملايين دولار في الربع الأوّل من عام 2020! وهي أوّل خسارة منذ 32 سنة! ماذا حصل من 32 سنة أو أكثر؟ كانت فترة انهيار الأسعار في منتصف الثمانينات، حيث انخفضت أرباحها بشكل ملحوظ. فقد تقلّبت أرباحها زيادة ونقصانًا مع تغيّر الأسعار، بمتوسّط قدره 11% بين عامي 1983 و1988، ثمّ حصلت حادثة فالديز في ألاسكا في عام 1989، والتي نتج عنها كارثة بيئيّة كلّفت الشركة مبالغ هائلة، وهبطت بأرباحها بشكل كبير.

2- انخفاض الاستثمارات:

توضّح البيانات أن كلّ شركات النفط، بكلّ أنواعها، قامت بتخفيض الاستثمارات، خاصّة في الجزء العلوي من الصناعة، الاستكشاف والتنقيب والإنتاج، أو ما يسمّى ب”المنبع”، وهذا يشمل الشركات التي تقوم بعمليات التحوّط. ففي فترة انخفاض أسعار النفط خلال الأزمة الماليّة في آسيا، في عامي 1998 و1999، خفضت شركات النفط إنفاقها الاستثماري قرابة 30%، والتي تضمّنت تخفيضات من شيفرون بمقدار 23%، شل 33%، فيلبس 31%، كونوكو 21%، وبي بي أماكو 33%. وفي عامي 2015 و2016 خفضت شركات النفط إنفاقها الاستثماري قرابة 40%، حيث بلغ التخفيض زهاء التريليون دولار، وتضمّن ذلك تخفيضات تمتدّ إلى عامي 2017 و2018، حيث أعلنت شيفرون -على سبيل المثال- تخفيض إنفاقها الاستثماري بنسبة 36%، بينما أعلنت شركة شل تخفيضه بنسبة 45%. أمّا بالنسبة للفترات الأخيرة، فقد تجاوز مستوى التخفيض 35%، وتوقّع بعضهم وصوله إلى 50%. فقد خفضت شركة إكسون إنفاقها الاستثماري قرابة 30%، بينما خفضت كلّ من شركة بي بي وشل إنفاقهما بنسبة 25%. كما أعلنت عدّة شركات نفط وطنيّة تخفيض إنفاقها الاستثماري، بما في ذلك أرامكو السعودية وسوناطراك الجزائرية وبتروبراس البرازيلية. وخفضت شركات النفط الروسية والصينية إنفاقها الاستثماري، حيث خفضت شركة روسنفت إنفاقها بنسبة 21%، وبتروشاينا بنسبة 32%.

3- تسريح العمّال:

انخفاض الاستثمار يعني أشياء كثيرة، منها تخفيض عدد الحفّارات وعمليات إكمال الآبار، وتأخير المشاريع الحاليّة، وإلغاء بعض المشاريع، ويأتي مع ذلك تسريح كبير للعمّال والموظّفين، خاصّة من قبل شركات خدمات النفط التي تقدّم خدمات الحفر والتكسير الهيدروليكي وإكمال الآبار لشركات النفط. ولعلّ أكثر ما يعبّر عمّا حصل في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، عندما انهارت الأسعار، أن الوضع كان سيّئًا في بعض الولايات النفطية، لدرجة أن بعض مهندسي النفط اضطرّوا للعمل في غسل الصحون في المطاعم، كي يطعموا أطفالهم، خاصّةً في أوكلاهوما ولويزيانا. ومع انهيار أسعار النفط خلال الأزمة الماليّة الآسيوية في 1998 و1999، خسر أكثر من 58 ألف موظّف وعامل وظائفهم في قطاع النفط، وهذه هي الوظائف المباشرة في القطاع، ولا تشمل الوظائف في القطاعات المساندة، أو الأخرى التي تعتمد عليه.

فعلى سبيل المثال، قامت شركات الخدمات النفطية بتسريح عدد كبير من الموظّفين، حيث سرّحت شركة هاليبرتون للخدمات النفطية 10850 موظّفًا، بينما قامت شركة بيكر هيوز للخدمات النفطية بتسريح 7825 موظّفًا، وشركة شلومبرجيه سرّحت 5600 موظّف، وشركة سميث إنترناشيونال 2800 موظّف.

وقامت شركات النفط بتسريح العمّال أيضًا، حيث سرّحت بي بي أمكو 460 موظّفًا، وكونوكو 975، بينما سرّحت شركة فيليسيس 1400، وتكساكو 1000، وبايونير 250.

وأعلنت العديد من الشركات مؤخّرًا عن تسريح عدد كبير من موظّفيها، ويُتوقّع الإعلان عن تسريح المزيد. ففي تقرير لشركة رايستاد الاستشارية، توقّعت الشركة تسريح ما يقرب من مليون موظّف من شركات الخدمات النفطية حول العالم. وكانت شركة هاليبرتون قد أعلنت عن تسريح مالا يقلّ عن 3500 موظّف، منهم 1000 موظّف من مكتبها في هيوستن، و400 أخرين من مكتبها في سان أنطونيو. وأعلنت كلّ من أباتشي وأوكسي وبايونيير وماراثون عن تسريح عدد كبير من العمّال والموظّفين. ويُتوقّع أن يصل عدد العمّال والموظّفين المسرّحين من وظائفهم، في ولاية تكساس وحدها، حوالي 95 ألف موظّف.

 

4- الاستحواذ والاندماج:

مع انخفاض الأسعار، وتعثّر الشركات، وانخفاض قيمتها، تكثر عمليات الاستحواذ والاندماج.  وكانت أكثر عمليات استحواذ واندماج قد حصلت في عامي 1998 و1999، إلًا أن انخفاض الأسعار في فترتي 2008/2009 و2015/2016 لم يؤدّ إلى موجات مماثلة للاستحواذ والاندماج، ربّما لأن الشركات مقيّمة بأقلّ من قيمتها بكثير، وقد يكون هذا هو الحال حاليًا. وعادة ما تحصل عمليات الاستحواذ والدمج بعد تجاوز الأسواق أسوأ المراحل، وانتعاش الأسواق. لهذا، فقد نرى بعض العمليات في الشهور القادمة، ولكنّها لن تكون بكثافة ما حصل في 1998 و1999.

ومن اشهر عمليات الاندماج وقتها، أكسون وموبيل، وبي بي وأمكو، وريبسول وواي بي إف، وتوتال وبتروفينا، وبيبي أمكو وأركو. ويتوقّع بعضهم أن تنقضّ الشركات العالمية على شركات الصخري للاستحواذ عليها، ولكن يرى آخرون أنه لا فائدة من استحواذ هذه الشركات على أصول النفط الصخري، لأسباب عدّة، أهمّها الخوف من وصول الديمقراطيين للحكم، وقلب الطاولة على الجميع، بحجّة التغيير المناخي.

وقد جرت بعض عمليات الاستحواذ في العامين الأخيرين، ولكن لم يكن لها علاقة بأسعار النفط، والغريب في الأمر أن نتائجها كلّها كانت سيّئة بالنسبة للشركات المستحوذة، مثل شركة “رينج” و”تشيسابيك” و”أوكسي”.

5- انخفاض أسعار الأسهم:

لعلّ أفضل مؤشّر على ما يحصل في أسواق النفط، بجانب أسعار النفط، هو أسعار أسهم شركات النفط، خاصّة التي تركّز على التنقيب والإنتاج. فقد انخفضت أسعار أسهم كلّ الشركات، مع كلّ انهيار لأسعار النفط، بما في ذلك الفترات الأخيرة.  ويوضّح الجدول أدناه نسبة انخفاض سعر أسهم الشركات من أعلى مستوى له إلى أدنى مستوى له في عام 2020، علمًا بأن أغلبها ارتفع في الأيّام الأخيرة فوق الحدّ الأدنى.

6- الإفلاس:

في كلّ مرّة تنخفض فيها أسعار النفط، تحصل حالات إفلاس لشركات النفط والغاز، ولعلّ أكبر موجة للإفلاس كانت في منتصف الثمانينات، وفي عامي 1998 و1999. أمّا في الحالات اللاحقة، فإن حالات الإفلاس كانت أقلّ، وأغلب حالات الإفلاس في عامي 2015 و2016 كانت في قطاع الغاز، وليس النفط.

وتشير بيانات شركة “هينز أند بوون” القانونية المتخصّصة بحالات الإفلاس في قطاع النفط والغاز، إلى أن 7 شركات أفلست في الولايات المتّحدة في الربع الأوّل من هذا العام، منها شركة “وايتينج”. وتعدّ شركة وايتينج من أشهر شركات الصخري، حيث ارتفاع سعر سهمها إلى ما فوق 350 دولار، وكان إنتاجها وقتها ثلث إنتاجها الحالي، ثمّ انهار فيما بعد. وعلى الرغم من أن هناك عدّة شركات متوسّطة الحجم مرشّحة للإفلاس حاليًّا، إلّا أن أكثرها مثلما حصل في عام 2015، في مجال الغاز، مثل شركة “تشيسابيك” المشهورة، وشركة “ألترا”. وهناك شركات أخرى ستتعثّر بسبب تراكم الديون التي لا يمكن بأيّ شكل من الأشكال التعامل معها بناء على أسعار النفط الحاليّة أو المستقبلية.