ابن ثنوة: رمز التظاهرات وجدلية الحياة الشخصية.. السراي قبل وبعد الاستشهاد

ملأت صور شهداء العنف الشديد الذي مارسته قوات الأمن ضد المتظاهرين الذين شاركوا في الاحتجاجات منذ اندلاعها في الأول من تشرين الأول الماضي جدران ساحة التحرير.

ومنذ بداية المظاهرات سقط أكثر من 320 شهيداً إلى الآن، لكن من بين كل هؤلاء الضحايا أصبح الناشط صفاء السراي يمثل رمزا للتظاهرات السلمية في العراق.

“أمي _ ثنوة _ جانت تبيع بواري وفرفوري وغراض من البيت بنهاية التسعينات،  حتى تدفع القصد مال اخوي ، لان ابوي ما جان يدري بي داخل فنون جميلة مسائي.. الاسم الكامل : ثنوة حسن فرحان”.

“محّد يحب العراق بكدي”

كانت هذه العبارات الاشهر استذكاراً للراحل الشهيد صفاء السراي، السراي البالغ من العمر 26 عاما الذي أصيب بقنبلة مسيلة للدموع اطلقتها قوات مكافحة الشغب أثناء مشاركته في المظاهرات التي اجتاحت شوارع بغداد يوم 29 تشرين الأول الماضي، وتوفي متأثرا بإصابته في المستشفى بعد مرور ساعتين.

وقبل يوم واحد من استشهاده، نشر السراي صورا في حسابه على فيسبوك، من ضمنها صورة يظهر فيها وهو يتكئ على شجرة في حديقة الأمة المجاورة لساحة التحرير خلف نصب الحرية الذي يصور تاريخ العراق ويسرد أحداثا يمزج فيها بين القديم والحداثة، ومنذ استشهاده أضحت هذه الصورة مصدر إلهام للناشطين والفنانين في جميع أنحاء بغداد.

لم يكن للسراي زوجة أو أطفال، كما أن والدته -التي كانت ترافقه أحيانا للخروج في الاحتجاجات السابقة- توفيت بعد صراع مع مرض السرطان، وترك خلفه أربع أخوات وخمسة أشقاء.

الدفاع عن “قضية”

عقيل وهو أحد أشقاء صفاء قال: إنه يشعر بالسعادة لأن شقيقه الأصغر “توفي دفاعا عن قضية، ولم يلقَ حتفه جراء حادث أو لأسباب طبيعية”، وأصبح بذلك رمزا للثورة “التي تتغذى على دماء الشهداء، ونتشرف بأن ابننا كان من ضمن الدماء التي أريقت دفاعا عن هذه الثورة”.

بعد أيام يستذكر المتظاهرون السراي باربعينيته الأولى، وقبل أن يصل موعدها اثيرت جدلية في مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق بحياة السراي الشخصية قبل استشهاده.

بدأ الخلاف لحظة قيام أحد الاشخاص بنشر صورة للسراي وبيديه عبوة من الكحول، فضلا عن قصدية من عشرات الحسابات بوضع تعليقات على منشورات للسراي نشرها في سنوات سابقة او فترات قديمة تتعلق بإشكالات عقائدية ، الا ان ما يضفى طابع الوطنية على صفاء ان اغلب كتاباته في فيس بوك كانت تتعلق بالعراق وحرصه الشديد على بلاده “.

حفل الشماتة

ردود المعلقين من مقربي صفاء او اصدقاءه او حتى ممن لا يعرفونه كانت كافية لوقف ما اطلقوت عليه “حفل الشماتة” بالموت التي مارسها شخوص ظهر فيما بعد ان اغلبهم يتبعون لاحزاب دينية قادتها لهم مناصب في الحكومة او حتى البرلمان والمؤسسات الأخرى “.

ويبدو أن الحملة ضد السراي كانت ممنهجة بتوقيت واحد لاستهداف السراي الذي اطلق عليه بعد استشهادة “ايقونة الثورة” او “ايقونة الاحتجاجات”، حيث انتهت بعد ثلاثة أو اربعة أيام على شنها من قبل حسابات بعضها وهمي في تويتر واخر معروف في فيس بوك “.

دون رسوب

وُلد صفاء السراي (1993) لعائلة بغدادية، سكنت مناطق “جميلة والشعب”، تخرّج من الجامعة التكنولوجيا، وخلال سنوات الدراسة، عمل في سوق “جميلة” حمّالاً، وفق ما يرويه أصدقاؤه المقربون.

وأكمل السراي دراسته دون أي سنة رسوب، وتخرج مبرمجاً من قسم علوم الحاسبات في الجامعة التكنولوجية، وبعد التخرّج، عمل في كتابة العرائض (عرضحالجي) أمام إحدى مديريات المرور.

وظيفة

قبل أسبوع من استشهاده، حصل للمرة الأولى على وظيفة في اختصاصه، حين تم توظيفه تدريسياً في جامعة أهلية.

شارك السراي في جميع الحركات الاحتجاجية التي صادفته تقريباً، يقول أصدقاؤه إنه لم يترك حركة احتجاجية دون أن يكون ضمن أفرادها.

شارك في تظاهرات العام 2011 في ساحة التحرير، في حقبة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، تعرض للضرب بالهراوات على يد القوات الأمنية، وعام 2015، في حقبة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي شارك في تظاهرات الحادي والثلاثين من تموز في بغداد، والتي انطلقت لمؤازرة تظاهرات محافظة البصرة بعد مقتل المتظاهر منتظر الحلفي، وتعرض أيضاً للضرب، كما شارك في تظاهرة أصحاب البسطيّات بعد حملة إزالة نفذتها السلطات.

https://twitter.com/MoodiAl_saidi2/status/1198108969346248706

“زبون الاعتقالات”

تعرض للاعتقال خلال تظاهرات العام 2013 التي طالبت بتقليص امتيازات المسؤولين الحكوميين والنواب، ثم اعتُقل مرة أخرى عام 2018، على خلفية اشتراكه في تظاهرات المناطق الفقيرة شرق بغداد (المعامل والحسينية وجسر ديالى)، وبعد اطلاق سراحه، قال مقربون من السراي، إنه كشف لهم عن تلقيه تهديدات على صفحته في فيسبوك لثنيه عن الاستمرار في المشاركة بالاحتجاجات، حيث تلقى رسائل من “حسابات وهمية” تُظهر صورة التُقطَت له أثناء تواجده في المُعتقل، وتحذره من الاستمرار.

تُوفي والد صفاء في وقت مبكر من حياته، وعام 2017، توفيت والدته بعد إصابتها بالسرطان في عدة أجزاء من جسدها، وفق ما يكشفه زملاؤه الذين يؤكدون أنه شخص تحلى برباطة جأش شديدة، جعلته يتجاوز المِحن التي تواجهه، ويواصل مهامه ونشاطه.