أزمة وقود عالمية تثير تكهنات مريبة.. اوروبا والصين قد تودع الكهرباء والاسعار تقفز 400%

يس عراق: متابعة

العالم يعيش أزمة جديدة. أسعار الطاقة تشهد ارتفاعات مذهلة في عدد كبير من الدول الكبرى، والغاز تحول إلى مادة للصراع ما بين الدول. الأسباب متعددة. الحلول متوافرة، ولكن غالبيتها طويل الأمد، ما يعني أنّ الأزمة لن تخمد نيرانها سريعاً. الضحايا كثر، بل لا توجد دولة في العالم، حتى تلك المنتجة للغاز نفسه، ستكون بمنأى عن التداعيات.

للأزمة أسباب شديدة التعقيد، وفق مجلة “ذي إيكونوميست” الأميركية، مع وجود فسيفساء من العوامل من الجغرافيا السياسية إلى التخزين الاحترازي في آسيا، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار. ومع ذلك، من منظور مختلف، فإن تعداد الأسباب بسيط: سوق الطاقة الذي يحتوي على مخازن أمان ضعيفة أصبح شديد الحساسية للاضطرابات. وقد يعني الاستثمار الضعيف في الوقود الاحفوري أن زيادة التقلبات باقية.

بدأ نقص الغاز الطبيعي يحصد ضحاياه المباشرين. في العديد من البلدان، بما في ذلك بريطانيا وإسبانيا، تسارع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة لحماية المستهلكين. كما تم إغلاق المصانع مؤقتاً، من مصاهر الألمنيوم في المكسيك إلى مصانع الأسمدة في بريطانيا. عملياً، الأزمة لن تترك أي بلد ينجو من تأثيراتها. ارتفاع أسعار الطاقة يعني تأثر الكثير من سلاسل الإنتاج في كبرى الدول، ما ينعكس مباشرة على الدول المستهلكة، ومنها الدول العربية.

فيما يؤكد المحللون أنّ موجات التضخم التي تسببها أزمة الغاز سترفع أسعار المواد الأساسية، ومنها المواد الغذائية، أما أكبر الضحايا فسيكونون من أصحاب الدخل المحدود والفقراء.

يقول أحد المستثمرين للمجلة الأميركية إنّ الأمر يشبه الأزمة المالية العالمية من حيث وطأتها. حتى في أميركا، أكبر منتج للغاز الطبيعي في العالم، تطالب مجموعات الضغط الحكومة بالحد من صادرات الغاز الطبيعي المسال لزيادة المخزون، ما يعني المزيد من الأزمة في السوق الدولية.

تأثيرات متعددة لأزمة الغاز على الناس

بحسب موقع “فورتشون” الأميركي، فقد حذرت الصين بالفعل من أن الأمن الغذائي قد يتأثر، حيث يؤثر الارتفاع الشديد في أسعار الفحم على إمدادات الأسمدة. في الاتحاد الأوروبي، تشرح “ذي إيكونوميست” أنّ أسعار الطاقة في ألمانيا وفرنسا ارتفعت بنحو 40% في الأسبوعين الماضيين. فيما موقع “فورتشون” الأميركي يشدد على أنه كان لتأثير أزمة الطاقة على المستهلك صدى بالفعل، مع ارتفاع فواتير الكهرباء، في مواجهة انخفاض احتياطيات الغاز قبل الشتاء.

لكن المملكة المتحدة هي المكان الذي يمكن أن يكون مثالاً، بحسب “فورتشون”، لما سيحصل في باقي دول العالم. إذ إنه ليس من المستغرب أن ترتفع أسعار الغاز، حيث ارتفعت الأسعار في السوق الفورية بنسبة 400% منذ بداية العام، في حين قفزت أسعار الكهرباء بنسبة 250%.

عندما بدأت تكاليف الغاز تهضم الأرباح، بدأت الشركات التي لا تستطيع تحمّل هذا الارتفاع في الإغلاق. في صناعة الأسمدة، أغلق مصنعان كبيران في المملكة المتحدة، كما خفضت شركة نرويجية الإنتاج في عدد من مواقعها الأوروبية. وقد أدى ذلك بدوره إلى نقص في ثاني أكسيد الكربون، وهو منتج ثانوي من إنتاج الأسمدة الذي يستخدم لصعق الحيوانات قبل الذبح، ونقص الجليد الجاف لتبريد الأطعمة في التخزين والعبور. وهذا بدوره قد وضع لوازم السوبر ماركت في المملكة المتحدة من الدجاج ولحم الخنزير، والمشروبات الغازية والآيس كريم، في خطر.

في مثال واحد فقط، توقفت شركة البقالة عبر الإنترنت Ocado Group عن توريد الأطعمة المجمدة لعملاء المملكة المتحدة بسبب نقص الثلج الجاف.

من هم “فقراء الوقود”؟

وبحسب بيانات “رويترز”، في عامي 2019 و2020، أنفقت الأسر ذات العشر الأدنى (أقل من 10%) في بريطانيا، ما يقرب من ثلاثة أضعاف دخلها على الغاز والكهرباء كنسبة من إجمالي إنفاقها، مقارنة بمن هم في العشر الأعلى.

في الواقع، توصلت دراسة جديدة، وفق “يورونيوز”، إلى أنّ ما يقرب من ثلاثة ملايين عامل في الاتحاد الأوروبي لا يمكنهم تحمل تكاليف تدفئة منازلهم وسط ارتفاع أسعار الطاقة.

قال الاتحاد الأوروبي لنقابات العمال إنّ 15% من العمال الفقراء في الاتحاد الأوروبي يفتقرون إلى الأموال الكافية لتشغيل التدفئة. ووجد التقرير أن المشكلة تؤثر على ما يعادل 2.713.578 شخصاً.

ارتفعت أسعار البيع بالجملة للغاز والكهرباء في جميع أنحاء أوروبا، مما زاد من احتمالية حدوث زيادات في فواتير الخدمات المرتفعة بالفعل والمزيد من الألم للأشخاص الذين تعرّضوا لضربة مالية خلال جائحة كوفيد 19. فيما قبرص لديها أعلى نسبة من العاملين الفقراء (45.6%) الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف التدفئة، متقدمة على بلغاريا وليتوانيا، والبرتغال، واليونان، وإيطاليا.

وقالت المنظمة أيضاً إنّ الوضع ساء في 10 دول أعضاء خلال العقد الماضي، وإنّ الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة يعرض المزيد من العمال لخطر الوقوع في فقر الطاقة.

 

وحذرت جمعيات خيرية من أنّ ارتفاع سقف أسعار الطاقة في المملكة المتحدة قد يعني اضطرار مئات الآلاف من الناس إلى الاختيار بين إطعام أسرهم ودفع فواتير الطاقة الخاصة بهم.

ومن المرجح أن يؤدي رفع سقف الأسعار إلى دفع ما يقدر بنحو 488000 شخص إلى “فقر الوقود”، حسبما قالت حملة إنهاء فقر الوقود، لما مجموعه 4.1 ملايين أسرة. يُعرَّف “نقص الوقود” بأنه عندما يكون الناس غير قادرين على تحمل تكاليف تدفئة منازلهم بشكل كافٍ. وقدرت أنّ زيادة أخرى في سقف الأسعار في الربيع يمكن أن ترفع عدد الأسر التي تعاني من فقر الوقود إلى 5.2 ملايين شخص.

وأعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز عن خفض مؤقت للضرائب وتخفيض في الأرباح غير العادية التي حققتها شركات الطاقة لمساعدة المستهلكين في البلاد. من جهتها، أنفقت الحكومة الإيطالية 1.2 مليار يورو لخفض الزيادة في أسعار الطاقة للأسر. وأعلنت فرنسا بالفعل عن دعم بقيمة 100 يورو لنحو 6 ملايين أسرة منخفضة الدخل.

ما هي تأثيرات أزمة الغاز على دول العالم؟

وفق موقع “بلومبيرغ” الأميركي، تنذر الأزمة في أوروبا بالمتاعب لبقية العالم، حيث أدى نقص الطاقة في القارة إلى تحذير الحكومات من انقطاع التيار الكهربائي وإجبار المصانع على الإغلاق.

وأجبر الارتفاع المفاجئ بعض منتجي الأسمدة في أوروبا على خفض الإنتاج، ومن المتوقع أن يتبعه المزيد، مما يهدد بزيادة التكاليف على المزارعين، وربما زيادة تضخم أسعار الغذاء العالمي.

في المملكة المتحدة، أجبرت أسعار الطاقة المرتفعة العديد من الموردين على التوقف عن العمل.

في الصين، قد يستجيب الصناعيون بما في ذلك صناع السيراميك والزجاج والإسمنت عبر رفع الأسعار؛ ستواجه الأسر المعيشية في البرازيل فواتير كهرباء باهظة الثمن. يمكن للاقتصادات التي لا تستطيع تحمل تكلفة الوقود، مثل باكستان أو بنغلادش، ببساطة أن تعاني أزمات واسعة النطاق.

إذا اضطرت المصانع الصينية إلى مواجهة نقص واسع النطاق في الطاقة، فإن الأسعار العالمية للصلب والألمنيوم سترتفع.

عملياً، ارتفعت أسعار المواد الغذائية العالمية بنسبة 30% على أساس سنوي في أغسطس/آب، بحسب مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. هذا مؤشر لأزمة لا زالت في بدايتها.