أسعار الغذاء تثير مخاوف من ضغوط على الدول النامية

 

يثير الانتعاش الحاد في أسعار المواد الغذائية مخاوف بشأن التضخم والاضطرابات المحتملة في بعض الدول النامية.

أدى التخزين والاختناقات اللوجستية والطقس الجاف إلى ارتفاع الأسعار في أسواق القمح وفول الصويا والأرز والذرة. قفز مؤشر بلومبيرج الزراعي الفرعي أكثر من الثلث منذ أدنى مستوى له في حزيران (يونيو) ووصل إلى أعلى مستوى له خلال عامين ونصف العام، بينما سجل مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة “فاو” أعلى مستوى له خلال ستة أعوام في تشرين الثاني (نوفمبر). يتم تداول فول الصويا، وهو مكون رئيس في علف الماشية ومصدر مهم للزيوت النباتية، بنحو 13 دولارا للبوشل (مكيال لبيع الحبوب يعادل نحو 27.2 كيلو جرام)، مع توقع التجار “ارتفاع أسعار الحبوب إلى نحو 20 دولارا” لأول مرة منذ ستة أعوام.

في 2007 و2008، أدت موجات الجفاف الشديدة إلى ارتفاع الأسعار، ما تسبب في أعمال شغب بسبب الغذاء في بعض الدول الإفريقية. كما أدى حظر تصدير القمح من قبل روسيا في 2010 إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الشرق الأوسط. ويشعر بعضهم الآن بالقلق من “صدمة كوفيد” التي تضرب بعض الدول الأكثر ضعفا.

“التأثير الحقيقي هو (القدرة على) الوصول إلى الغذاء. فقد الناس دخلهم”، بحسب عبد الرضا عباسيان، كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة. أضاف: “هناك الكثير من الأشخاص غير السعداء وهذه وصفة للاضطرابات الاجتماعية”.

القضية ليست نقص الغذاء في هذه المرحلة – الحبوب والبذور الزيتية محاصيلها وفيرة على مدى الأعوام القليلة الماضية، ما أدى إلى ارتفاع المخزونات. لكن المحللين قلقون من أن ارتفاع الأسعار يأتي في وقت يشهد ضغوطا اقتصادية تنذر بالسوء، خاصة بالنسبة للدول الفقيرة، ولا سيما في الوقت الذي يؤدي فيه الانتعاش الاقتصادي في آسيا إلى زيادة الطلب على الحبوب وفول الصويا. قال كارلوس ميرا، محلل في رابوبانك: “تضخم أسعار الغذاء هو آخر ما تحتاج إليه الحكومات الآن”.

تتوقع فيتش سوليوشنز ارتفاع أسعار السلع الزراعية مع اقتراب السفر والإنفاق من المعدل الطبيعي، وإعادة فتح قطاع الضيافة والمطاعم وزيادة ثقة المستهلك.

الحكومات المختلفة التي تدعم احتياطياتها الغذائية دفعت الأسواق إلى أعلى.

كانت الصين مشتريا كبيرا بشكل خاص لكل شيء من الذرة إلى الأرز. استخدمت سلطات الدولة احتياطياتها لخفض ارتفاع الأسعار أثناء الوباء وتجديد مخزوناتها الاستراتيجية. وأدى تعافي مزارع الخنازير بعد الدمار الذي سببته حمى الخنازير الإفريقية إلى انتعاش أسعار الحبوب المستخدمة في علف الماشية.

في سوق الذرة، مثلا، زاد مكتب بكين التابع لوزارة الزراعة الأمريكية أخيرا تقديراته لواردات الصين في موسم المحاصيل 2020-2021 أكثر من ثلاثة أضعاف، من سبعة ملايين طن إلى 22 مليون طن. وقال إنه نظرا لانخفاض مستوى احتياطيات الدولة “ستكون واردات الذرة الكبيرة ضرورية لتلبية الطلب، مع التحكم أيضا في زيادة الأسعار والحفاظ على المخزونات طوال 2021”.

مشتريات القمح من قبل دول شمال إفريقيا واكبت الوتيرة نفسها، كما تعمل شركات المواد الغذائية على التأكد من أن الأمر لن ينتهي بها إلى مواجهة نقص. قال ميرا إن القمح نفسه كان وفيرا، لكن المخزونات كانت تتراكم في الدول المستوردة. أضاف: “إنه انتقال من” في الوقت المناسب” إلى “فقط من باب الاحتياط”.

كما أن مخاوف الإمداد تغذي سوق الحبوب الصاعدة. أثر الطقس الجاف في المحاصيل في جميع أنحاء العالم، ولا سيما في أمريكا الجنوبية، حيث يتسبب نمط الطقس الذي يعرف بالنينيا في ظروف حارة وجافة في جنوب البرازيل والأرجنتين. يعاني المزارعون هناك شح الأمطار ويضطر كثير منهم إلى حفر حقول المحاصيل المتآكلة طلبا للماء.

صعدت الذرة إلى أعلى مستوى لها في ستة أعوام، وعلى الرغم من أن القمح تجاوز ذروته هذا العام، إلا أنه لا يزال يتداول بأكثر من ستة دولارات للبوشل، وهي مستويات شوهدت آخر مرة في 2014، بسبب الجفاف في روسيا، أكبر مصدر للقمح في العالم، وبسبب مخاوف من فرض قيود على تصدير الحبوب من قبل موسكو.

أسعار الأرز التي قفزت بعد أن هدد منتجو جنوب شرق آسيا بالحد من المبيعات الخارجية في بداية الوباء، ظلت مرتفعة بسبب الاختناقات اللوجستية والشراء من قبل الصين. قال فرانك جوفيرن، كبير مسؤولي التشغيل في رايس إكستشينج، وهي منصة رقمية لتجارة الأرز، إن ازدحام الموانئ ونقص الحاويات تسبب في مضاعفة فترات الشحن في بعض الحالات، ما أدى إلى توتر في السوق.

تضاعفت أسعار الشحن، كما ينتظر الناس ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر لوصول طلباتهم، الأمر الذي يزيد الضغط على السوق.

كذلك اشترت صناديق التحوط ومضاربون آخرون سلعا غذائية في النصف الثاني من 2020، ما زاد من الارتفاع. في نهاية تشرين الأول (أكتوبر)، احتفظ المضاربون بمراكز “دائنة” قياسية في العقود الآجلة للسلع الزراعية وخياراتها بعد 22 أسبوعا متتاليا غير مسبوقة. ومع أن بعضهم جنى الأرباح، لا تزال المراكز الصعودية عند أعلى مستوياتها منذ عدة أعوام.

على الرغم من أن الأسعار في الأسواق الدولية أقل من المستويات التي شوهدت في 2009 وخلال الفترة 2010-2012، من المتوقع أن يظل الغذاء نقطة ضغط، خاصة بالنسبة للدول الأقل تقدما.

حذر عباسيان، من منظمة الأغذية والزراعة، قائلا: “إذا أدرك (الناس) أن اللقاح لن يحل المشكلات على المدى القريب وليس لديهم طعام، فإن الأمور قد تخرج عن نطاق السيطرة”، مضيفا: “على الرغم من أنني ما زلت أشك في أننا سنصل إلى تلك الارتفاعات (السابقة)”.