أكبر 3 اقتصادات أوروبية تترنح على وقع لكمات كورونا.. فرنسا تتعرض لصفعة كبيرة

يس عراق: بغداد

ثلاث دول تعد العصب الرئيس للاقتصاد الأوروبي، وأيضا هي من ركائز الاقتصاد العالمي، ألمانيا أقوى الاقتصادات الأوروبية والرابعة عالميا، والمملكة المتحدة ثاني اقتصاد أوروبي – حتى تغادر الاتحاد الأوروبي تماما – من حيث الناتج المحلي الإجمالي والخامسة عالميا، وفرنسا ثالثتهن والسادسة دوليا، لكن الاقتصادات الثلاثة وعلى قوتها لم تسلم من فيروس كورونا، الذي مثل عاصفة غير مسبوقة ضربت ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وأدت إلى تراجع أدائها الاقتصادي.

بالطبع لم تتأثر الاقتصادات الثلاثة بالدرجة ذاتها، ولكنها جميعا أصيبت بأضرار القاسم المشترك فيها تراجع معدل النمو الاقتصادي، وباتت جائحة كورونا الكارثة الأسوأ التي تضرب تلك الاقتصادات منذ عقود، حيث تسود الآن شكوك بأن توقعات الانتعاش الاقتصادي العام المقبل ضرب من ضروب التمني، أكثر منها حقيقية واقعة يمكن تحقيقها عمليا.

فقدان الوظائف والإفلاس ما هما إلا ملامح رئيسة في الدول الثلاث في مرحلة ما بعد كورونا، وسيتراجع الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا بما يعادل 6.3 في المائة أي أسوأ مما حدث في الأزمة المالية العالمية 2008 عندما انخفض الناتج المحلي الإجمالي 5 في المائة.

ونقلت وسائل إعلام اقتصادية عن الدكتور آرثر جوردن من المعهد الاقتصادي الدولي: “خسائر الاقتصاد الألماني ستقدر بمئات المليارات من اليوروهات وستظهر بقوة في الميزانية العامة، كلما طالت فترة الإغلاق ذات الخسائر، ومن المرجح أن تراوح قيمتها بين 250 و750 مليار يورو، ومعدل الانكماش المتوقع في النشاط الاقتصادي سيتوقف أيضا على طول فترة الإغلاق، وسيراوح بين 8 في المائة في أفضل سيناريو و21 في المائة في أسوأ سيناريو إذا تجاوزت فترة الإغلاق ثلاثة أشهر”.

ويضيف جوردن “المؤكد أن الميزانية الألمانية ستشهد عجزا يراوح بين 200 و220 مليار يورو، أي ما يقارب 5 في المائة من إجمالي الميزانية، وسيرتفع نتيجة ذلك الدين العام من 60 في المائة إلى نحو 70 في المائة، كما أن نسب البطالة سترتفع، فالاقتصاد الألماني من الاقتصادات الموجهة للتصدير الخارجي، ونظرا إلى تراجع التجارة الخارجية خاصة مع الصين أكبر الشركاء التجاريين لألمانيا، فإن معدل البطالة سيرتفع وسيقترب من 6 في المائة، حيث يمكن أن يفقد نحو 2.5 مليون عامل وظائفهم، جزء كبير منهم في قطاع السيارات”.

ويرهن جوردن مدى اتجاه الوضع إلى مزيد من التدهور أو بقاء الوضع على ما هو عليه، على وجود موجة ثانية من تفشي الوباء، فإذا حدث هذا فلا شك أن التراجع الاقتصادي سيكون أكثر حدة، وبصفة عامة فإن المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من حزم الدعم الاقتصادي الحكومية، وسيتم التخلي التام عن سياسة التقشف التي اتبعتها ألمانيا قبل الجائحة.

إلا أن جوردن يرى أن ألمانيا ستظل أفضل الاقتصادات الأوروبية الكبرى أداء خلال الأزمة وفي المرحلة التالية، لأن أسس الاقتصاد الألماني ستمكنه من استيعاب الصدمة مع مرور الوقت، فالقطاع الصناعي الألماني سيكون قادرا على استعادة قوته أكثر من قطاع الخدمات الذي توقف تماما تقريبا، كما أن معدلات التضخم وعلى الرغم من ارتفاعها ستكون أقل من عديد من اقتصادات منطقة اليورو.

لكن الصورة تبدو أسوأ في الاقتصاد البريطاني، الذي لم يتمتع بأوضاع إيجابية حتى قبل تفشي جائحة كورونا، وتشير تقارير ودراسات اقتصادية إلى أن التعافي الكامل من تداعيات فيروس كورونا قد يتطلب ثلاثة أعوام، ليعود الاقتصاد إلى المستوى الذي وصل إليه في نهاية 2019.

ففرض إجراءات الإغلاق لما يقرب من الشهر في جميع أنحاء المملكة المتحدة، أدى إلى إصابة الجزء الأكبر من الاقتصاد الوطني بالتوقف، حيث بات ما يقرب من نصف إجمالي إنفاق المستهلكين هذا العام، وهو المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي في المملكة المتحدة في العقود الأخيرة معرضا الآن لخطر تأجيله أو فقدانه بالكامل ما يمثل كارثة اقتصادية.

وتشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي سيتراجع 6.8 في المائة هذا العام، لكنه من المرجح عودة النمو الإيجابي العام المقبل إذا حاولت الشركات تعويض الوقت الضائع نتيجة فترة الإغلاق، وإذا ما زاد المستهلكون من إنفاقهم مرة أخرى.

وأوضحت، كارين روزينديل الخبيرة الاستثمارية في غرفة التجارة البريطانية قائلة “معدلات النمو المتوقعة هذا العام ستتراجع من 1 في المائة إلى أقل من 0.8 في المائة، وهذا أضعف معدل للنمو منذ 1992، حتى بحلول 2022 سيكون الاقتصاد قد نما أقل من متوسط معدل نموه التاريخي البالغ 2.6 في المائة، وسترتفع معدلات البطالة في الاقتصاد البريطاني إلى نحو 6 في المائة مقابل 4 في المائة قبل الأزمة، وستعتمد المرحلة المقبلة على الإجراءات الحكومية التي تهدف إلى دعم الأعمال التجارية وتوفير الوظائف”.

وتضيف كارين “يجب أن نأخذ في الحسبان أن جائحة كورونا تزامنت مع علاقات متعثرة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن آفاق العلاقات التجارية المستقبلية بين الطرفين، وحتى الشركاء الآخرين الذين نعول عليهم مثل الولايات المتحدة فإنه من المستبعد الآن أن يدور نقاش حقيقي معها حول توقيع اتفاقية تجارة حرة بين البلدين”.

وفي الواقع، فإن عدم اليقين الاقتصادي يضفي مزيدا من التعقيدات على المشهد الاقتصادي البريطاني، إذ يحد من الرغبات الاستثمارية، وتكشف التقديرات أن الاستثمار التجاري سينكمش على الأرجح 0.7 في المائة، كما أن إنفاق الأسر سيكون في الأغلب في أبطأ مستوياته منذ 2011.

لكن المستهلكين ورجال الأعمال يعولون في حقيقية الأمر على الإجراءات التي أعلن عنها بنك إنجلترا وأبرزها خفض أسعار الفائدة، وما يمكن أن تمثله تلك الخطوة من أداة تحفيز رئيسة لزيادة الاستهلاك والتوسع الرأسمالي في آن واحد، كما أن مستويات الإنفاق الحكومي القوية والمتوقع أن تتضح تفاصيلها أكثر خلال مراجعة الإنفاق الحكومي في الأشهر المقبلة، ستلعب الدور الرئيس في الحيلولة دون تعرض الاقتصاد البريطاني إلى مزيد من التراجع، وربما تعمل على تحييد الآثار السلبية لعدم اليقين السائد بشأن العلاقات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي.

من جهته، يعد الاقتصاد الفرنسي أسوأ الاقتصادات الثلاثة أداء نتيجة فيروس كورونا، ويتجلى ذلك في أن معدلات إنفاق الحكومة الفرنسية هي الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، في مسعى لكبح انزلاق الاقتصاد إلى مرحلة اللاعودة، وللمساعدة أيضا في مواجهة التحديات الناجمة عن الجائحة.

وأعلنت هيئة الإحصاء الرسمية أن الاقتصاد الفرنسي يعمل بثلث طاقته فقط مقارنة بمستوياته الطبيعية نتيجة تفشي الفيروس، وأن كل أسبوعين تتواصل فيه سياسة الإغلاق ينكمش الاقتصاد بنحو 1.5 في المائة، ويعد قطاعا الخدمات والبيع بالتجزئة الأكثر تضررا، وقد أصيبا بأضرار اقتصادية فادحة نتيجة سياسة الإغلاق.

ودفع ذلك الوضع الحكومة الفرنسية إلى اتخاذ سلسلة مركبة من الإجراءات تضمنت إلى جانب حزمة أولية من المساعدات المالية بنحو 100 مليار دولار أي ما يوازي 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مجموعة أخرى من التدابير منها تأجيل تحصيل الضرائب ورسوم الشركات، إضافة إلى ضمان الحكومة ما يصل إلى 300 مليار يورو أي 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من قروض الشركات من البنوك التجارية للحفاظ على تدفق الائتمان للاقتصاد.

إلا أن تلك التدابير لم تمنع جاك روس الباحث الاقتصادي من توقع أن يكون الانكماش الاقتصادي في فرنسا أسوأ من ألمانيا وبريطانيا بل أسوأ بكثير مقارنة بما حدث خلال الأزمة المالية 2008.

ويضيف لوسائل الإعلام، أن “الاقتصاد الفرنسي كان يعاني قبل الجائحة نتيجة برنامج الإصلاح الاقتصادي للرئيس ماكرون وما ترتب عليه من ضغوط اجتماعية أدت إلى مظاهرات السترات الصفراء التي اجتاحت فرنسا خاصة العاصمة باريس، وأصابت الاقتصاد بعديد من الأضرار، والمرجح أن تؤدي سياسة الإغلاق والأعطال التي أصابت عديدا من القطاعات الاقتصادية إلى انكماش يقدر بنحو 8 في المائة كحد أدني”.

ويشير روس إلى أن الانكماش الاقتصادي سيتواكب مع عجز متزايد في الميزانية العامة قد يبلغ 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، خاصة مع التعويضات المالية التي ستدفع لنحو ثمانية ملايين عامل تم منحهم إجازات رسمية مدعومة من الدولة.

ويتوقع روس ألا يستعيد الاقتصاد الفرنسي عافيته سريعا حتى بعد انتهاء الجائحة، ففرنسا هي الدولة الأكثر زيارة في العالم، حيث يزورها سنويا نحو 90 مليون سائح، ويسهم القطاع السياحي بنحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ولا يتوقع أن تستأنف الرحلات السياحية في القريب العاجل حتى بعد انتهاء سياسة الإغلاق.