أمن مطار بغداد الدولي على كف عفريت وزارة الداخلية

بقلم: احمد حسن

و انا استمع الى الاخبار التي تتحدث عن ان وزارة الداخلية تخطط لاستلام مهام امن و حماية مطار بغداد الدولي فبدأ قلمي يحرضني على ان اضع المسؤولين و منهم و اولهم السيد رئيس الوزراء و الوزراء و المسؤلين عن هكذا قرار امام مسؤولياتهم الاخلاقية و المهنية تجاه حياة المسافرين الذي يتلاعب به الجهل بالمعايير الدولية القياسية المطلوبة للتشغيل الآمن لاي مطار دولي.

العراق كان من اول ٥٢ دولة وقعت على اتفاقية شيكاغو للنقل الجوي الدولي في العام ١٩٤٤ و وقع على جميع ملاحق المعاهدة ال ١٩ ملحقاً فيما بعد و انتظم بعضوية كاملة في منظمة الطيران الدولية الايكاو وهي المنظمة المسؤولة بشكل مباشر عن تنفيذ المعاهدة و ملاحقها بالتنسيق مع سلطات الطيران في دول العالم و حرصت هذه المنظمة على عدم ترك اي دولة خلف الركب في السياقات التشغيلية و الرقابة عليها.

و مدخل القلق الذي يساور جميع المختصين بالطيران والنقل الجوي هو التجاوز على السياقات والمعايير الدولية بشكل مستمر من قبل من هم خارج الاختصاص ومن يقفزون فوق المتطلبات الدولية وبتصرفهم يقترحون سياقات جديدة خارج سياقات المنظمة الدولية للطيران.

عندما نتحدث عن عالم الطيران فاننا نتحدث عن تأثير التشغيل الآمن على حياة وممتكلمات دول اخرى خارج حدود الدولة لاننا ببساطة نتعامل مع المنتج النهائي التشغيلي للمطارات وهي الطائرات وهذه الطائرات تعبر اجواء دول اخرى وتهبط في مطارات دول اخرى ولذلك يرتبط مفهوم التشغيل الآمن بالطرف الثالث (منشآت ومواطنين) ولذلك فان السياقات والاجراءات في المطارات وشركات الطيران ايضا تحكمها سياقات ومعايير دولية قياسية لضمان التشغيل الآمن ولا تحكمها سياقات واختراعات محلية يمكن ان تدير كراجات نقل السيارات مثلا.

ان اهم ملاحق اتفاقية شيكاغو للنقل الجوي هو الملحق رقم ١٧ لأمن الطيران ويمثل وحده مجموعة من الاجراءات والسياقات وهو منفصل تماما عن الملحق ١٤ الذي يخص المطارات حصرا، بالنظر لتطور مفهوم امن الطيران والملاحة الجوية واهميته البالغة والحساسة لجميع دول العالم التي تواجه تهديدات ومخاطر امنية بالغة التعقيد والخطورة وللحفاظ على صناعة الطيران من العبث وعلى حياة المسافرين ايضا.

في بلدنا العراق، فان سلطتنا الوطنية لازالت عاجزة عن اجتياز تدقيق المنظمة الدولية للطيران المعروف اختصارا بال USOAP والذي يمثل تدقيق على الرقابة المحلية للتشغيل الآمن ولازال الطريق طويلا امام سلطتنا الوطنية لاجتياز هذا التدقيق، فما هي الحلول البديلة لضمان تشغيل مطار بغداد الدولي بشكل آمن ووفق السياقات والمعايير الدولية، وتحديدا تفاصيل الملحق ١٧، ومن هي الجهة المسؤولة عن تنفيذ متطلباته من حيث الاهلية والمهنية؟

لقد تعاقدت سلطة الطيران المدني العراقي منذ العام ٢٠١٠ وحتى الان مع مقاول أمني لتنفيذ الملحق ١٧ لأمن الطيران، وهي شركة امنية متخصصة تشرف على حماية و امن اكثر من ١٠٠ مطار في العالم منها ٦ مطارات بريطانية، ومطارات دولية مثل بروكسل وامستردام وغيرها، وحظي مطار بغداد بثقة دولية واقبلت شركات الطيران على استخدامه بوجود شركة دولية معروفة مسؤولة عن اجراءات امن الطيران فيه.

وزارة الداخلية العراقية ومديرية مستحدثة فيه تسمى مديرية حماية المطارات، تعتزم استلام امن وحماية مطار بغداد الدولي ولكن كبيرة وعلامات استفهام كبيرة ترتسم على هذا التطور وكمختصين في الطيران والنقل الجوي تتبادر للذهن الاسئلة التالية :
1. هل لدى وزارة الداخلية ومنتسبي هذه المديرية الحديثة التأسيس اي فكرة عن متطلبات الملحق ١٧ لأمن الطيران؟
2. هل لدى وزارة الداخلية موظف او مسؤول واحد مؤهل بشهادة دولية من منظمة الطيران الدولية “الايكاو” كمفتش طيران؟
3. هل لدى العاملين في وزارة الداخلية موظفين او منتسبين مؤهلين للقيام بهذا العمل و هو امن الطيران (وليس امن منشآت)؟
4. هل لدى وزارة الداخلية القدرة على تقديم بوليصة تأمين دولية بما لايقل عن ٨ مليون دولار عن كل حادث؟
5. هل لدى وزارة الداخلية ان تقدم بوليصة تأمين دولية ضد الحوادث لتعويض شركات الطيران والمسافرين والطرف الثالث عن اي حادث ينتج عن ضعف الاجراءات او اي خرق امني؟
نحن نعرف جيدا ان اجابة هذه الاسئلة هي “لا”، أذن كيف ولماذا تتم المجازفة بهذا الشكل و المضمون بحياة المسافرين وأمن مطار بغداد؟، ومن المستفيد من تجاهل المعايير الدولية المطلوبة في أمن الطيران؟

ولنتحدث عن واقع الحال القريب فان مطار بغداد الدولي بقي آمنا لعشر سنوات في مدينة بغداد التي مزقتها التفجيرات والاعمال الاجرامية الارهابية، ولم تتمكن قوات وزارة الداخلية ولا كلابها البوليسية حتى من حماية منتسبيها في مدينة بغداد الملتهبة، والاكثر تعرضاً للتهديدات الارهابية على مستوى العالم ووصل عدد التفجيرات و الاعمال الارهابية الى ٢٨١ عملا ارهابيا في سنة واحدة، بينما عجزت جميع المحاولات الارهابية من اختراق مطار بغداد وسياجه الامني واقصى مكان قريب لمطار بغداد كان في بوابة المطار و لعدة مرات، وهو دليل على استهداف المطار وفشل هذا الاستهداف، والسبب هو وجود شركة امنية متخصصة بأمن الطيران وهي المقاول الامني، وسلامة مطار بغداد طيلة هذه الفترة يعتبر انجازاً للشركة الامنية لان البيئة الامنية لمدينة بغداد تعتبر خطرة بكل المقاييس.

نحن مع ان تقوم وزارة الداخلية بهذه المهام، ولكن هناك طريق طويل يتمثل بالتأهيل والتدريب، فحماية المطار ليست كحماية اي منشأ اخر، كونه يمس سلامة الرحلات وخرق امني واحد قد تكون اثاره كارثية على المطار وسلامة الرحلات والمسافرين فيه و منه واليه، فما هو الحل الان؟

علينا ان نراجع تجارب الدول الاخرى، والمثال القريب هو حادث سقوط الطائرة الروسية في سيناء في العام ٢٠١٥ بعيد اقلاعها من مطار شرم الشيخ الدولي (الذي تشرف عليه وزارة الداخلية المصرية) نتيجة خرق امني من خلال احد منتسبي وزارة الداخلية الذي دفع بعبوة بحجم علبة الكوكا كولا في عفش المسافرين وانفجارها في الجو وضحيتها حياة كل من كان على متن الطائرة، والنتيجة كانت ضرراً هائلاً للدولة المصرية تكبدت خلالها خسائر تفوق الـ ١٢ مليار دولار، و ضمور شرم الشيخ كمركز سياحي في المنطقة، وتدمير الاستثمارات فيه بل وغلق العديد من منشآت المنتجع لعزوف الناس عن ارتياده، ولازالت مصر كدولة تعاني من اثار هذا العمل التخريبي، بعد ٥ سنوات من وقوعه ومع ذلك قامت الحكومة المصرية بالتعاقد مع شركة امنية بريطانية متخصصة بأمن الطيران لاعادة تأهيل أمن الطيران في مطاري شرم الشيخ و القاهرة ابتداءاً، و لازال العقد نافذاً والعمل جاري فهل يكون هذا المثال عبرة لنا؟

ولذلك، فان فكرة استلام وزارة الداخلية بوضعها الحالي سيكون خطأ كبير تتحمل نتائجه الحكومة والوزارة وسلطة الطيران المدني، و بدلا من القفز على الحقائق وتجاهل المعايير الدولية المطلوبة يمكن للعراق ان:
اولا: يؤسس شركة مختلطة (مقدم خدمة) ترتبط بوزارة النقل او وزارة الداخلية مع شريك دولي مؤهل ولمدة لاتقل عن ٥ سنوات بعدها تكون الشركة عراقية ١٠٠٪؜ بعد ضمان نقل الخبرات و المهارات.
ثانيا: يخضع جميع المنتسبين العراقيين لبرنامج تأهيل وتدريب بمستوى دولي طيلة فترة التعاقد ويستمر برنامج التأهيل لضمان نقل الخبرات مع تقادم اعمار المنتسبين.

ان هذه الخطوات ستكون الحل الامثل ومن دون اي مجازفة وبديل حقيقي وواقعي يمنح العراق مستقبلا مؤسسة مهنية متخصصة بأمن الطيران.

والله من وراء القصد