أميركا في ورطة ديون تتجاوز 27 تريليون دولار .. خطر يلاحق أكبر اقتصاد في العالم

يس عراق: بغداد

خلال الحملة الرئاسية عام 2016، وعد المرشح الجمهوري دونالد ترمب بإلغاء ديون البلاد في غضون ثمانية أعوام.

وكانت قضية الدين الأمريكي واحدة من أكثر القضايا التي انتقد فيها ترمب إدارة باراك أوباما بشدة، حيث تولى الرئيس أوباما الرئاسة والدين الأمريكي 10.6 تريليون دولار، وغادر المكتب البيضاوي والدين الأمريكي 19.9 تريليون دولار، ليضيف خلال أعوامه الثمانية أعباء ديون على الاقتصاد الأمريكي توازي تقريبا ديون الولايات المتحدة خلال تاريخها الذي يمتد إلى 232 عاما.

وتعد نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي من بين أعلى المعدلات في الدول المتقدمة، وقد زادت جائحة فيروس كورونا الأمر سوءا، إذ أعلنت إدارة الرئيس ترمب عزمها اقتراض ثلاثة تريليونات دولار في الربع الثاني لمواجهة تداعيات تفشي الفيروس، لتعود قضية الدين الأمريكي مجددا إلى الساحة الداخلية والدولية، وتثير جدلا بين الخبراء حول تنامي الدين الأمريكي وتأثيره في الاقتصاد الوطني والعالمي.

والرقم الذي ترغب واشنطن في اقتراضه، أكثر من خمسة أضعاف الرقم الذي اقترضته في ذروة الأزمة الاقتصادية عام 2008 – 2009، ويتجاوز إجمالي المبلغ الذي اقترضته العام الماضي، المقدر بنحو 1.28 تريليون دولار. وسيسهم قرض التريليونات الثلاثة في قفزة إجمالي الديون الأمريكية من أكثر من 24 تريليون دولار في الأسبوع الأول من نيسان (أبريل) الماضي إلى أكثر من 27 تريليون دولار.

وقيمة القرض تقدر بنحو 14 في المائة من الاقتصاد الأمريكي، ومن الطبيعي للغاية أن تثير مخاوف الخبراء والسياسيين حتى من أنصار الرئيس ترمب بشأن تأثير زيادة الإنفاق على الدين الوطني. وتقترض الولايات المتحدة من خلال بيع السندات الحكومية، التي تتمتع غالبا بأسعار فائدة منخفضة نسبيا، نظرا إلى أن الديون الأمريكية تعد منخفضة المخاطر من قبل المستثمرين في جميع أنحاء العالم.

وفي الواقع، فإن عبء الديون في الولايات المتحدة أخذ في الارتفاع إلى مستويات يعدها الخبراء محفوفة بالمخاطر على المدى الطويل، حيث تنفق البلاد أكثر مما تنتج، إلى الحد الذي تجاوز فيه الدين الوطني 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغ عجز الميزانية 3.7 تريليون دولار.

وربما يكون السؤال الجدير بالبحث، هل تنامي الدين الأمريكي إلى هذا الحد خطر؟ وما مظاهر خطورته؟

الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، ولا يوجد لديها سجل بالتخلف عن سداد الديون، وقد ساعدها ارتفاع الطلب على الدولار منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية على تمويل ديونها، كما أن انخفاض أسعار الفائدة منذ الأزمة الاقتصادية عام 2008 أمر يشجع على الاستدانة ولا يثير القلق.

لكن الدكتور آرثر جون رئيس وحدة التحليل المالي السابق في بنك إنجلترا يعلق لـ”الاقتصادية” قائلا، “على المدى القصير يستفيد الاقتصاد الأمريكي من عجز الإنفاق، حيث إنه يدفع النمو الاقتصادي والاستقرار، فالقروض الحكومية تمثل عملية إنفاق على بنود مختلفة، بما يعنيه ذلك من زيادة التوظيف ومن ثم زيادة الإنفاق الاقتصادي من قبل قوى العمل الجديدة”.

وأضاف، “لكن على المدى الطويل، فإن الأمر قد يكون خطيرا للغاية، حيث إن جزءا متزايد من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي سيذهب إلى خدمة فوائد الدين، ويمكن أن يبعد ذلك الاستثمار عن المجالات الحيوية، مثل البنية التحتية والتعليم والبحث العلمي، وإذا زادت معدلات الفائدة ازداد الوضع سوءا فيما يتعلق بالديون الجديدة، ويؤدي هذا إلى بطء النمو الاقتصادي، كما أن تنامي الدين كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي يرفع من مخاطر الإقراض، ويؤدي إلى انخفاض الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، وهذا يوجد ضغطا هبوطيا على قيمة الدولار”.

وأكد الدكتور آرثر، أن الكونجرس يعلم أن أزمة الديون الأمريكية ليست بعيدة، وأنه خلال أربعة عقود عليه مواجهة وضع عسير في هذا الشأن، وأن الولايات المتحدة ربما تكون عالقة في “فخ الديون”، حتى إن كانت تستطيع تحمل تبعاتها نتيجة قدرتها على طبع مزيد من الأموال.

ومع أن الدكتور آرثر يعد أن قضية الدين في أي دولة هي قضية محلية في الأساس، فإنه يرى أنه بالنسبة إلى الولايات المتحدة يبدو الأمر مختلفا نسبيا.

وقال، “الوضعية التي يتمتع بها الاقتصاد الأمريكي كأكبر اقتصاد في العالم، أضف إلى ذلك العملة الأمريكية التي تعد عمليا عملة الاقتصاد الدولي، يجعل قضية الدين الأمريكية تتجاوز كونها قضية وطنية، لتجذب انتباه الجميع إليها”.

ومن المستبعد انفجار أزمة الدين الأمريكي في القريب العاجل، لكنه عندما يحين موعد انفجارها، فإنها ستحدث هزة عنيفة في الاقتصاد الدولي وستطول الجميع، ولا يجب حصرها في الجانب الاقتصادي، فأزمة الدين تعني تقويض القيادة العالمية للولايات المتحدة من خلال ترك ميزانيات أقل للعمليات العسكرية والنشاط الدبلوماسي والمساعدات الإنسانية.

لكن ما العوامل التي دفعت الرئيس ترمب إلى الفشل في كبح جماح الدين الأمريكي؟

خلال حملته الانتخابية، كانت لدى الرئيس ترمب استراتيجيتان لتقليل الدين الأمريكي، الأولى تعتمد على وعوده بتحقيق نمو اقتصادي يبلغ 6 في المائة سنويا، ومن ثم زيادة الإيرادات الضريبية بما يمكنه من التوقف عن الاستدانة وسداد الدين، لكن بمجرد توليه الرئاسة خفض تقديرات النمو إلى 2 – 3 في المائة.

وفي الحقيقية، فإن تلك المعدلات أكثر واقعية، وتقع ضمن نطاق النمو الصحي للاقتصاد الأمريكي، وأكثر من ذلك سترتفع معدلات التضخم، وعليه فإن الوفرة الطائشة – إذا جاز التعبير – تجذب المستثمرين وتوجد طفرة تنتهي غالبا بالركود.

العنصر الآخر في استراتيجية الرئيس ترمب، ارتكزت على القضاء على الهدر في الإنفاق الفيدرالي، لكن ذلك لم يتحقق، لأن غالبا ما يرتبط هذا الهدر بصفقات سياسية داخل النظام الأمريكي.

وتعتقد الدكتورة مارينا ريتشارد أستاذة الاقتصاد الدولي في جامعة أكسفورد، أن جائحة كورونا ستزيد من أزمة الدين الأمريكي وتسرعها.

وقالت، إن “إجراءات الإنقاذ الاقتصادي التي أقرها الكونجرس نتيجة تفشي فيروس كورونا ضرورية لمواجهة الوضع الاقتصادي الاستثنائي، خاصة لمواجهة الزيادة القياسية في معدلات البطالة، فتلك الإجراءات تتطلب حزمة مساعدات ضخمة، ستضيف مبدئيا نحو 1.8 تريليون دولار إلى العجز الفيدرالي على مدى الأعوام العشرة المقبلة، كما أن الركود الاقتصادي نتيجة سياسات الإغلاق يزيد من مستويات الديون عن طريق تقليل الإيرادات الضريبية”.

وتوقعت وصول الدين الأمريكي إلى 117 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025 ، في حال كان الانتعاش الاقتصادي بطيئا.

وأضافت، “قضية الدين الأمريكي ستزداد أهمية خلال الأعوام المقبلة، فالشيخوخة المتزايد لسكان الولايات المتحدة ترفع من النفقات الصحية، وتزيد من التزامات الضمان الاجتماعي على الحكومة، وسترتفع تلك الالتزامات التي تمثل حاليا 47 في المائة من إجمالي الإنفاق الفيدرالي مستقبلا”.

بالطبع، يضاف إلى ذلك تزايد مدفوعات فوائد الدين التي تمثل الآن 8 في المائة من الميزانية الأمريكية.

لكن، هل تمتلك الإدارة الأمريكية خططا حقيقية للسيطرة على الدين؟

طرح عديد من السياسيين والخبراء خططا لا حصر لها على مر العقود لموازنة الميزانية الفيدرالية وخفض الديون، إلا أنه من الواضح أنها لم تجد أي صدى حقيقي على أرض الواقع.

ويعتقد جونثان تشاك الباحث الاقتصادي، أن خفض الإنفاق وزيادة الإيرادات، سيظل العلاج الجذري والناجع لحل قضية الديون عموما، لكنه يرى أن الوضع الراهن في الولايات المتحدة يستبعد معه إمكانية تفعيل تلك الحلول، طالما لم تلقِ أزمة الديون بثقلها بشكل ملموس على الاقتصاد الأمريكي.

وقال، “لكبح جماح الديون الأمريكية لا بد من خفض الإنفاق جذريا، إلا أن هذا الحل يصطدم بعديد من العقبات، حيث يتضمن خفض الإنفاق العسكري، وهذا يحمل في طياته احتمالية تراجع مكانة الولايات المتحدة الدولية، وإذا تم خفض مدفوعات الرعاية الصحية والطبية والضمان الاجتماعي على أساس مستدام من خلال خفض بعض المزايا ورفع سن التقاعد، فإن ذلك سيؤدي إلى تقلص شعبية متخذ القرار، كما أنه بات من المشكوك إمكانية تبني ذلك بعد جائحة كورونا، التي كشفت عديدا من الثغرات الخطيرة في شبكات الضمان الاجتماعي الأمريكية وفي النظام الصحي، وغالبا سيتطلب إصلاح وسد تلك الثغرات مزيدا من الإنفاق المالي على الأمد الطويل”.

زيادة الإيرادات الضريبية تبدو أيضا خيارا مستبعدا في ظل وجود الرئيس ترمب على قمة السلطة، إذ يتعارض ذلك تماما مع توجهاته الفكرية ورؤيته لكيفية إنعاش الاقتصاد الأمريكي، ولا يبدو أن دعوة بعض السياسيين إلى فرض ضرائب أعلى بكثير على أصحاب الدخول المرتفعة لها من نصير.

ومع تفشي وباء كورونا، بدت تطرح في الأفق خيارات قد تخفض إجمالي الديون الأمريكية، لكنها قد تترافق مع هزة اقتصادية عالمية تفقد الثقة بقيادة الولايات المتحدة للنظام الاقتصادي العالمي، وتجعل المستثمرين الدوليين يعيدون التفكير في مدى الثقة التي يمكن أن يمنحوها للولايات المتحدة.

فبعض المشرعين الأمريكيين من الحزب الجمهوري من الذين يلومون الصين على تفشي فيروس كورونا، يطالبون بأن تدفع بكين فاتورة التعويض عن الأضرار، بما في ذلك إلغاء بعض الديون التي تدين بها الولايات المتحدة للصين.

وعلى الرغم من أن بعض تلميحات الرئيس ترمب تسير في هذا الاتجاه، إلا أن حس رجل الأعمال لديه يجعله على يقين بأن هذا الخيار قد يحمل عواقب خطيرة تتجاوز الاقتصاد الأمريكي لتطول النظام المالي العالمي.