أن يكون العراق سيد نفسه.. ولا دور للغرباء في قراراته.. فارس كمال نظمي

كتب الدكتور فارس كمال نظمي:

((…أن يكون العراق سيد نفسه.. ولا دور للغرباء في قراراته..))

السيستاني… وأولوية الدين أم الوطن..؟!

.

دون أن أخوض في تحليل فقهي هو ليس اختصاصي، سأحاول هنا أن أقرأ ثيمة أساسية وردت في خطبة السيد السيستاني اليوم، من منظورٍ يرى في الدين بنية ثقافية/ اجتماعية/ سياسية، قابلة للفهم العلمي المحايد.

ففي هذه الخطبة قدم المرجع الأعلى للشيعة في العالم أوضح موقف له لحد الآن بشأن العلاقة “الملتبسة” بين الدين والوطن لدى الكثير من أتباعه.

.

فلطالما تساءل عامة الناس وحتى المشتغلون في الفقه الديني: ((أيهما له الأسبقية في الإتباع أو الانتماء: المذهب الديني أم الشعور الوطني؟))، مع افتراض أهمية كلا الأمرين لدى الفرد المتدين ووجوب اتباعهما.

بتقديري، إن خطبة اليوم ترتقي إلى مستوى “فتوى” بهذا الشأن الأساسي في هذه اللحظة العراقية الفارقة. فلطالما دار النقاش والجدال حول ولائية المؤمن المسلم: أهي لدولة دينية عابرة للأوطان والحدود، فيها الحكم لله يقودها الخليفة أو الإمام، أي تجري خصخصة الأوطان لصالح ايديولوجيا دينية واحدة؟ أم هي لدولة وطنية تُحترم فيها كل الأديان، والسلطة فيها للشعب يقودها الدستور وحكم القانون، أي يجري تأميم الوطن وإكسابه صفة السيادة على نفسه بما فيها السيادة على الأديان؟

.

جاء في نص خطبة اليوم: ((…أن يكون العراق سيد نفسه يحكمه أبناؤه ولا دور للغرباء في قراراته، يستند الحكم فيه إلى إرادة الشعب ويكون حكماً رشيداً يعمل لخدمة جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم القومية والدينية…)):

وهذا يعني أن السيد السيستاني يريد أن يدين أي خلط عقائدي سببه الدين السياسي، بأن يفصل بوضوح تام، بين عالمية الإيمان (بوصفه دالة دينية اجتماعية لا دينية سياسية) وبين محلية الولاء الوطني (بوصفه دالة سياسية لسيادة الشعب على نفسه). فلا تناقض بين الإثنين، إذ يحق للمتدين (الشيعي أو غيره) أن يرى في دينه قيمة أخلاقية واجتماعية ونفسية عابرة للأوطان، دون أن يفقد إحساسه المحلي بأولوية الهوية الوطنية الجامعة – سياسياً- لهويات فرعية أخرى من بينها الدينية أو المذهبية أو القومية، في إطار حكم رشيد نابع من سيادة الشعب لا من سيادة الغرباء.

وهو باستخدامه مفردة “الغرباء” إنما يقصد “تخصيص” السيادة للشعب (الوطن)، إلى حد وصفه لكل دورٍ غير نابع من إرادة الشعب في اتخاذ قراراته ليس دوراً خارجياً أو أجنبياً فحسب، بل غريباً عنه أيضاً أي ليس من جنسه أو هويته، حتى لو كان هذا الغريب يتبع الدين أو المذهب نفسه. وفي هذا إشارة ضمنية لا تخطئها العين لنزع شرعية الجماعات الدينية المسلحة خارج إطار الدولة، وعدّها خارقة للسيادة ما دامت تعمل على فرض قرارات الغرباء لا قرارات صادرة عن إرادة الشعب.

.

إن “أولوية الأوطان على الأديان”، دون التفريط بأهمية أي منهما، لعلها تعدّ من بين الفتاوى الأكثر أهمية وجذرية (سواء صدرت من السيستاني أو غيره) في إطار الفكر الشيعي إذا ما أراد إعادة موضعة نفسه بشكلٍ واقعي ومنتج وسط تيارات الفكر الاجتماعي الباحثة عن أنسنة علاقة الفرد بالسماء.