ارحلوا عن العراق.. ياس البياتي

كتب ياس خضير البياتي:

منذ أكثر من ربع قرن، والتدهور يشمل كل شيء في العراق ابتداء بالعملية السياسية وماكنتها التي تقوم بتدوير النفايات السياسية للأحزاب، وتفقيس الفساد والطائفية، وخداع الجمهور بقصص الأوهام الدينية الغيبية، وقتل كرامات العراقي في المستنقعات والمجاري والمياه الاسنة للشرب، وأوحال مياه الامطار، ومقاهي العاطلين عن العمل، وشوارع العراق المرصوصة بتراب المزابل! مثلما أطفأت في روحه جذوة الامل والمستقبل، وهدمت مدنه وقراه، واذلت أهله عمدا، ومسخت انسانيتهم وكراماتهم، وعطشت مدنا كبيرة، وأطفات الانوار على العراق كله، وجعلت شباب الوطن متسولين بلا امل، وأسرى لمخدرات الموت البطيء، واشعلت فيهم هلوسة التمرد والغضب والانحراف، حتى كادت جراحات الوطن هي الصورة الأبرز لمشهد الحاضر. بل أصبح الوطن ماركة عالمية مسجلة في الفقر والتخلف والفساد، ليصبح في آخر الأوطان. وليسدل الستار على وطن مستورد في أسواقه ومنتوجاته، حتى يشعر المرء بالخجل: كيف ان هذا العراق العظيم غير قادر اليوم على انتاج البصل والطماطة والفجل والخضروات، بعد ان كان ينتج الصواريخ والسيارات والأدوية والأجهزة الالكترونية؟

وإذا صحّ ان الاناء يرشح او ينضح بما فيه فإن رائحة ما رشح خلال سنوات حكمهم تزكم الانوف، لأن ما تعرض له العراقي نفسيا من قوات الاحتلال والنخب السياسية العراقية المتخلفة، ورعاع الموت والقتل، أصبح على اجندات المواطن العراقي جحيما يوميا تفوق صبره وطاقته كبشر، وما كان همسا خجولا أصبح أكثر صخبا من خوار الثيران، لأنه مهما يبلغ الفقر بالعراقي، ومهما يثقل عليه البؤس، ومهما يسيء اليه الضيق، فإن في فطرته شيئاً من صبر ايوب. وأفضل نعمة تمتع بها العراقي خلال هذه السنوات، انه تمتع بوهم الدستوراللقيط، وألغامه الطائفية، وافعال المحاصصة، وديمقراطيته المعبأة ببارود الرصاص الحي، فلم نجد قانونا عمليا واحدا ينصف العراقي بل كانت شوارع العراق مليئة بجثث البشر، بدلا من زهور الياسمين.

كان القانون الابرز هو قانون السلاح وكاتم الصوت، وقانون الفساد والنهب، لذلك تم قتل العباد بدم بارد دون ذنب، وتشريدهم من مدنهم وقراهم، وخطف الشباب من كل المدن لأنهم أصحاب راي، ورمز للعنفوان والتمرد.

كانت الخطة تدمير العراق حضارة ووجودا، واقتلاع جذور العراقي من تاريخه وقيمه، وتدمير هويته، ونحر الشباب بطقوس الغيبيات والمخدرات واللهو الحرام المؤسس على خرافات العقيدة المستوردة، والهدف ابعادهم وتغيبيهم من المشهد، وتعطيل قدراتهم الشبابية، وحماسهم الوطني، وانهاء جذوة الامل في نفوسهم، لكن هذا الجيل الذي راهنوا على قتله معنويا ونفسيا استيقظ مثل المارد، وهو يحمل كل خزين الحضارات العراقية، وشهق الحياة الجديدة، وعنفوان الفراتين، لينقلب (السحر على الساحر) كما يقال ،بل ان الحفرة التي حفروها للشباب وقعوا فيها ،ولم يتصوروا يوما ان البغي يرجع عليهم بالنكال والهزيمة والعار( وعلى الباغي تدور الدوائر ).

وأكبر اعجوبة اليوم ان الحكومة الذي قتلت الشباب بدم بارد مازالت مغيبة بأفيون الحقد، وشهوة التلذذ بمشاهد نزف دم زهور العراق، فلا بيان توضيح، ولا كلمة طيبة تلئم الجروح، رغم جريان الدم العراقي في شوارع العراق، ومجازر السلطة والمليشيات للمظاهرات السلمية، فلا وازع أخلاقي وانساني للرعاع وهم يجلسون في المنطقة الخضراء لما يجري للضفة الأخرى المقابلة لهم من بغداد، او لمدن العراق الجنوبية الثائرة. فالأمر لا يعنيهم، ولايحرك مشاعرهم الميتة بهوس السلطة والمال، كأن ما يحدث في العراق كرنفالا للاحتفال بالنصر على هزيمة الشيطان الاكبر، وغرورا ببلادة حكم القوة وقتل العباد

فأي عار هذا الذي نراه في حاكم اليوم، واحزاب الرذيلة، وهم يمكرون ويقتلون ويغدرون، واي عار وهم يتقاتلون اليوم من اجل تدوير نفاياتهم السياسية القذرة للبقاء بالسلطة في ظل جريان الدماء الزكية، وقتل فتيان الرافدين، واي وجه قبيح هذا الذي يجري في تعلقهم البليد بالسلطة بالرغم من صراخ الشعب: ارحلوا أيها القتلة!

وطن جميل وعاشق مثل العراق، لا يمكن ان يعيش فيه قاتل، وعميل، وساقط، وسربلي، ومخاتل، ومرياع متخوم بالفساد، ومزور، وعاهر مأبون ، يدمر وطنا من جذوره، ويقتل ابناءه، وينحر شبابه مع سبق الإصرار، لان كل قطرة دم شاب جميل، ونبي تائر، وامام شهيد، لا يمكن الا ان يكون طائرا للحب في حدائق الوطن وبساتينه ونخيله.

نقول من الآخر ،عراقنا لا يريد الا رجال تليق بعراقيته، تابع له لا متبوع عميل، لأن العراق هو السيد الوحيد، المطاع لا الطائع، الصانع لا المصنوع، والحاكم لا المحكوم، لذلك نقول لكم باسم الشعب الذي قتلتموه: ارحلوا من العراق الى بلدكم الأول !