إطلاق أول خدمة “اقتصاد الرقمي” بعد أيام في العراق: مصير الغرامات سيكون مضمونًا.. ماذا يعني دفع الأموال عبر الهاتف؟

يس عراق: بغداد

سلط تقرير أميركي الضوء عن تحول اقتصادي ورقمي سيتحقق في العراق بعد أيام قليلة، متمثلًا باطلاق إحدى المصارف العراقية الشهيرة تطبيقًا التكرونيًا للخدمات المالية، فيما سيكون التحول الى الاقتصاد الرقمي فرصة لتقنين او القضاء على الفساد المالي، وتجاوز ضعف البنى التحتية المصرفية.

ويستعد الاقتصاد العراقي لتحقيق قفزة تكنولوجية يمكن أن تتيح له تجاوز المشكلات الهيكلية وثغرات الفساد التي تخنق القطاع الخاص، حيث سيطلق المصرف العراقي للتجارة في الأول من ايار/مايو المقبل تطبيقه للخدمات المالية عبر الهاتف المحمول.

 

وبينما قد تعتبر هذه الخطوة بسيطة، إلا أن دفع الاموال عبر الهاتف المحمول ساعدت الكثير من الدول في العالم على تجاوز البنية التحتية المصرفية المادية الضعيفة وجففت نظم الفساد الشائعة وشجعت على الابتكار، بحسب الدكتور بلال وهاب الباحث في في معهد واشنطن، وميشيل روبين الباحث المقيم في معهد أمريكان إنتربرايز الأمريكي في التحليل الذي نشرته مجلة ناشيونال إنترست الأمريكية.

 

و يقول وهاب وروبين أن الفساد شكل عقبة في طريق الاقتصاد العراقي لسنوات طويلة، وتضع منظمة الشفافية الدولية العراق ضمن الدول الأكثر فسادا على مستوى العالم، مع تحسن طفيف مقارنة بمستوى الفساد منذ 10 سنوات.

وأضافا أن من أبرز القواسم المشتركة بين مكونات الطيف السياسي العراقي، استعداد السياسيين لاستغلال مناصبهم لإثراء أنفسهم وعائلاتهم أو لصالح شركاتهم، فيما اشارا الى انه في السنوات الأولى بعد عام 2003 كانت الحكومة العراقية تدفع الرواتب للموظفين نقدًا، وهو ما يفتح الباب أمام إدراج اسماء وهمية في كشوف المرتبات، ويتيح للرؤساء اقتطاع أموال لأنفسهم من رواتب مرؤسيهم، ولمواجهة هذه الممارسات سعت الحكومة إلى الانتقال لنظام دفع الأجور عبر الحسابات البنكية، وقد أصبح هذا الأمر إلزاميا بالنسبة للعاملين في رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية، لكنه مازال اختياريا بالنسبة للعاملين في البرلمان.

 

ولكن إيداع المرتبات في حسابات بنكية لا يكفي لسبب بسيط وهو أن العراقيين لا يثقون في البنوك، واستخدام الخدمات المصرفية في العراق مازال منخفضا، فحتى عام 2017 كانت نسبة العراقيين الذين يمتلكون حسابات مصرفية نحو 20% من إجمالي العراقيين، والآن ورغم وجود حوالي سبعين بنكا تعمل في العراق، تستحوذ ثلاثة بنوك كبرى فقط وهي الرافدين والرشيد والمصرف العراقي للتجارة على حوالي 85% من إجمالي أصول القطاع المصرفي.

 

 

ولا يوجد سوى بنك دولي كبير واحد يعمل في العراق حاليا وهو ستاندرد تشارترد ويمتلك عددا قليلا من الفروع ويركز على المشروعات الحكومية الكبرى، وفازت شركة إنترناشيونال سمارت كارد العراقية على عقد لصرف أجور العاملين في الحكومة إلكترونيا عبر بطاقات مؤمنة بالعوامل البيولوجية “كيو آي كارد”. وفي عام 2019 قالت الشركة إن لديها حوالي 7 ملايين شخص يحملون بطاقاتها.

 

ويقول الباحثان إن ضعف النظام المصرفي في العراق يعتبر سببا رئيسيا وراء وضع البنك الدولي العراق في المركز 186 من بين 190 على مؤشر سهولة الحصول على القروض ضمن تقرير البنك الدولي عن ممارسة الأعمال لسنة 2020. وأدى هذا إلى خروج كبير لرؤوس الأموال من العراق.

 

ويقول علي علاوي وزير المالية العراقي على سبيل المثال إن حوالي 250 مليار دولار خرجت من العراق منذ 2003 وهو ما يعادل ثلاثة أمثال الميزانية السنوية للعراق. في الوقت نفسه فإن ضعف النظام المصرفي دفع المواطنين العراقيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على التحويلات المالية غير الرسمية مما يؤثر سلبا على قدرة الحكومة على متابعة حركة الأموال وتحصيل الضرائب والرسوم. على سبيل المثال فإن الخزانة العامة تفقد حوالي 90% من الإيرادات المحتملة للجمارك والمقدرة بنحو 7 مليارات دولار سنويا بسبب فساد المسؤولين والمليشيات المسلحة.

 

في الوقت نفسه فإن الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان لا تبذلان جهدا كافيا لتعزيز ثقة المواطنين في النظام المصرفي. وهناك مشروع قانون في البرلمان العراقي للتأمين على الودائع لا يهتم به أحد.

وفي عام 2014 عندما واجهت حكومة إقليم كردستان أزمة سيولة، استولت على أموال الودائع في البنوك مما بدد ثقة المواطنين في القطاع المصرفي ككل.

ولكن جائحة فيروس كورونا المستجد دفعت أعدادا كبيرة من العراقيين إلى القبول بفكرة الاقتصاد الرقمي. وفي أربيل وبغداد تزايدت شعبية تطبيقات توصيل الطعام عبر الأجهزة الذكية مثل تيب توب والسريع. وفي مدينة السليمانية بإقليم كردستان، زاد إقبال السكان على استخدام موقع بييك بوك دوت كوم لشراء احتياجاتهم بدلا من الذهاب إلى المتاجر.

 

وبينما يستعد العراقيون لعصر الاقتصاد الرقمي، حيث أن أكثر من 40% من العراقيين مولدون بعد الغزو عام 2003، فإن خطوة دخول المصرف العراقي للتجارة إلى عالم المعاملات المصرفية عبر الهاتف المحمول، سيتردد صداها في مجالات أوسع بالنسبة للثقة العامة. على سبيل المثال عندما يتم تغريم راكب السيارة في العراق 50 ألف دينار (34 دولار) لعدم ارتداء الكمامة الواقية من فيروس كورونا المستجد، فإنه لا يعرف إن كانت الأموال التي سيدفعها تصل إلى الخزانة العامة أو تذهب إلى جيب رجل الشرطة. في حين أنه عند سداد الغرامة عبر تطبيقات الهاتف المحمول فهو سيتأكد من وصولها إلى الخزانة العامة. الأمر نفسه ينطبق على مختلف أشكال الغرامات والرسوم التي يدفعها المواطن العراقي.

 

في الوقت نفسه فإن تقديم المصرف العراقي للتجارة للخدمات المصرفية الإلكترونية يمكن أن يتيح للعراق التغلب على العقبات المتزايدة بالنسبة للبنية التحتية للبنوك التقليدية والفساد الناجم عن تداخل المصالح.

 

وفي حين تمتلك أغلب أقاليم العراق مثل كربلاء والأنبار وبغداد القدرة على جذب المستثمرين واتاحة الفرصة أمامهم لتحقيق أرباح كبيرة، فإن الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول ستسهل ممارسة الأنشطة التجارية، وتساعد في تجنب الرسوم المصرفية الكبيرة و تدعم قدرا أكبر من الشفافية.

 

لذلك يدعو الباحثان بلال وهاب وميشيل روبين الإدارة الأمريكية إلى تقديم كافة وسائل الدعم للحكومة العراقية من أجل تطوير النظام المصرفي العراقي ودفعه نحو التحول إلى الاقتصاد الرقمي مع ضمان الأمن المعلوماتي له. في الوقت نفسه فإنه من مصلحة الولايات المتحدة التنسيق والتعاون مع العراق لضمان ألا تتحول تطبيقات المعاملات المالية عبر الهاتف المحمول والتي تسمح بتحويل العملات بين الدينار والدولار، إلى قناة خلفية لإيران للالتفاف على العقوبات الأمريكية.