إعلان الحرب على عدو أشد “فتكا”

يس عراق: متابعة

قبل أزمة فيروس كورونا، وضع مايكل أوسترهولم، أستاذ علم الأوبئة الشهير في جامعة مينيسوتا، تصورا لسيناريو وبائي. أوسترهولم، في كتاب “العدو الأكثر فتكا” مع مارك أولشكر، تنبأ بأن أول الضحايا سيكون نموذج الأعمال العالمي الآني.

إذا لم يتمكن مصنع في الصين فجأة من العمل، بسبب مرض 30 أو 40 في المائة من القوى العاملة فيه، فلن يكون لدينا مخزون كاف من السلع لإنقاذنا حتى إعادة فتح المصنع، حسبما كتب.

من شأن أي تفش بالتزامن مع أماكن أخرى في الوقت نفسه أن يحول دون حصول المصانع على قطع غيار وإمدادات، ما يؤدي إلى حدوث تأثير تعاني فيه التجارة العالمية، وتبدأ الاقتصادات في التعثر.

قبل وقت طويل، سبق لأوسترهولم نسج رؤية بائسة تصارع فيها الدول بعضها بعضا من أجل كمامات N95، وأجهزة التنفس الاصطناعي التي يتم توصيفها من قبل الأطباء، فيما تبلغ البطالة مستويات تجعل الكساد العظيم، يبدو وكأنه مجرد حفرة، بالمقارنة.

كتاب “العدو الأكثر فتكا” نشر لأول مرة في الولايات المتحدة عام 2017؛ ويتم إصدار نسخة محدثة منه الآن، في بريطانيا.

الجائحة الراهنة هي الوقت المناسب تماما لترديد أفكاره، حتى لو تصور أن الجاني هو الإنفلونزا – على نحو خاطئ – مثلما فعلت الحكومات في خطط التأهب (وليس فيروس كورونا).

مهارة أوسترهولم تكمن في ربط نقاط علم الأمراض المعدية، بالسياسات اللازمة لحمايتنا منها. يقول: “إذا تناولنا العلم من دون سياسة، فلن ننجز شيئا”.

هو نفسه يجمع بين عوالم البحث والسياسة. في 2001، أنشأ مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية في مينيابوليس، وقدم المشورة لأمناء الصحة الأمريكيين ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها، في قضايا تراوح بين فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز” والإرهاب البيولوجي الأخير، وكان ذلك جزءا من كتابه السابق “مخاوف حية”.

أنتوني فوتشي، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يعد صديقا لأوسترهولم، بالمناسبة، وكان من أوائل الأشخاص الذين اتصلت بهم، بعد أن سمعت عن مرض غامض في ووهان.

كتاب “العدو الأكثر فتكا” يبدأ بتعريف الغرض من علم الأوبئة: ليس منع الوفيات، فذلك أمر مستحيل، بل “إعادة تعريف لما هو غير مقبول باستمرار”، بحيث يتم استبدال الوفيات الجيدة بالوفيات السيئة، إن جاز تعبيره.

ذلك أن وفاة رجل عمره 90 عاما يعاني إعاقة عقلية وبدنية محدودة أثناء نومه، يعد وفاة لا بأس بها. أما وفاة طفل عمره ستة أعوام بسبب مرض الإسهال، فيعد وفاة سيئة”.

الأمر يتعلق أيضا بصعوبة العمل البحثي في وبائيات الجلود والأحذية. ” هناك روايات مثيرة عن مشاركته في الأيام الأولى من أزمة فيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، حيث بنى فوتشي سمعته وكذلك في شأن متلازمة الصدمة السامة، حيث تتبع سبب حدوث سلسلة من حالات وفاة مأساوية لفتيات، وتوصل في نهاية المطاف إلى مادة جديدة ضمن فوط صحية، غذت نمو بكتيريا قاتلة.

والآن، يجادل أوسترهولم بوجوب تحديد الأمراض التي يمكن أن تعطل النظام العالمي، حتى نتمكن من “اتخاذ قرارات عقلانية بشأن أين نضع مواردنا، وإلى أين نوجه سياستنا، وبصراحة، من الجدير بخوفنا.

وينتقد بحق حسابات المخاطر والفوائد المتحيزة التي ترى تناسب توظيف ثروات لا نهاية لها مع تدابير مكافحة الإرهاب، مقابل تبرعات بسيطة لمكافحة الأمراض.

خلال وباء “زيكا” عام 2015، أخبره أحد أعضاء الكونجرس أنه: “إذا استطعنا إظهار أن كل بعوضة كانت في الواقع طائرة صغيرة من دون طيار تتحكم فيها داعش، فيمكننا الحصول على كل تمويل أردناه لمكافحة زيكا”.

أوسترهولم يعطي الأولوية لأربع فئات من العدو الميكروبي. الفئة الأولى هي ما يسمى مسببات الأمراض – كائنات حية دقيقة مسببة للأمراض – المحتملة للجوائح.

هذه الفئة تشمل الإنفلونزا، إضافة إلى مختلف الأضرار المرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات، وهو عامل قاتل يهدد أسس الطب الحديث، مثل الجراحة والولادة.

ثم تأتي مسببات الأمراض التي تتسبب في أوبئة إقليمية كبيرة مثل متلازمات ميرس وسارس وإيبولا وزيكا وغيرها من الأمراض التي ينقلها البعوض.

الفئة الثالثة مسببات أمراض مثل الجمرة الخبيثة أو الجدري، تنشر عن قصد في أعمال إرهاب بيولوجي، أو عن طريق الخطأ من خلال دراسات “كسب وظيفي”، تنطوي على مختبرات مشروعة لإجراء تعديلات على فيروسات للتحقيق من خطورتها.

أخيرا، هناك مسببات الأمراض التي تسبب الأمراض المتوطنة، مثل الملاريا والسل في الغالب في جنوبي العالم. يكتب أوسترهولم أن اللقاحات أحد الحلول الواضحة التي لا يتحمل أحد المسؤولية النهائية عن تمويلها.

عندما انتهى وباء سارز في عام 2003، تعرضت الشركات الصيدلانية إلى الضغط لإنفاق الملايين في مطاردة لإنتاج لقاح، وانتهى بها الأمر دون رغبة الحكومات في تقديم طلبات. لقاح سارز ربما جعلنا في وضع أفضل لمواجهة الجائحة الحالية.

مثل هذا التفكير يشكل أجندة الأزمات، مثل خطة من تسع نقاط لإعادة تصور المؤسسات والسياسات العالمية اللازمة، للحفاظ على سلامة العالم.

من ذلك إقامة مشروع مانهاتن بقيادة الولايات المتحدة لتطوير لقاح إنفلونزا يغير قواعد اللعبة، وإنشاء منظمة دولية لمعالجة مقاومة مضادات الميكروبات؛ والدمج الواسع لصحة الإنسان والحيوان تحت شعار “صحة واحدة”، بالنظر إلى زيادة الاتصال بين البشر والحيوانات، من خلال التحضر والإنتاج المكثف للأغذية، ما يزيد من خطر انتقال الفيروسات بين الفصائل.

أوسترهولم كتب بيانا حادا ومقنعا وعاجلا لكيفية حاجة العالم إلى التفكير بشكل مختلف بشأن التهديدات الطبيعية، حيث قدم مخططا لتحديد الأولويات، وشرح سبب الحاجة إلى إعادة تشكيل البنية التحتية للصحة العالمية. هل تفتقر منظمة الصحة العالمية إلى المسؤولية. بدلا من ذلك، يجب أن يكون لديها ما يعادل ميزانية الناتو.

من قبيل المصادفة، في إشارة إلى الضعف الواضح في منظمة الصحة العالمية خلال الجائحة، دعت لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني الأسبوع الماضي، إلى إنشاء “مجموعة الـ20 للصحة العامة”.عندما ينتهي كابوس الجائحة، نحتاج بشدة إلى التحدث عن كيفية فعل ذلك على نحو أفضل. كتاب “العدو الأكثر فتكا” يساعد على تحديد شروط تلك المحادثة الأساسية، لما بعد فيروس كورونا.