اكباش الفداء وإله السلطة!.. فارس نظمي

كتب الدكتور فارس كمال نظمي

عن أكباش الفداء

والاحكام التي صدرت بحق بعض المدانين بقتل المتظاهرين

من الواضح أن مسلخاً لنحر أكباش الفداء قد جرى افتتاحه قبل ساعات لتقديم قرابين يُراد بها “محو” الخطايا عن إله السلطة، ومنحه “شرعية” متجددة في عالم المقامرة السياسية.

إذن، هي منظومة الفساد المستألهة تتحرك أخيراً للتضحية بقرابين من الدرجة الثانية للاحتفاظ بالمعبد كله.

كان الكبش الأكبر هو رئيس الوزراء الذي لم يخفِ أو ينكر شعوره المرير بهذه الكبشوية التي عومل بها، إذ استعار آية قرآنية صريحة في مفتتح بيان الاستقالة في 29/ 11، يؤكد فيه أنه قرر الرضوخ “بإرادته” ليكون هذا القربان (قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين). وأستطيع أن أتخيل اختلاط مشاعر المرارة بالخيبة بالخلاص لديه، إذ سيتحرر أخيراً من ذنوبٍ يظن أنه “لم يقترفها” لكنه قرر أن يفتديها عوضأ عن الإله/ المنظومة، وإخلاصاً له.

واليوم صدرت مذكرات اعتقال وقرارات قضائية (إعدام وسجن) بحق ضباط متهمين بقتل المتظاهرين في واسط والنجف وذي قار، ضمن سياقات قانونية مستعجلة، وتحت ضغط الشارع المنفعل على أبواب المحاكم، لدفن آثار الجريمة وإلصاقها بأضعف الأشخاص شأناً وأقلهم حيلة في التراتبية الأمنية والعشائرية، دون تمحيص جنائي معمق أو سياقات تحقيقية تحقق معايير العدالة والتقاضي والبراهين.

هؤلاء أكباش فداء ثانويين حتى لو كانوا مذنبين فعلاً من الناحية الجُرمية المباشرة، إذ يبدو أن قرارات مركزية من قلب المنظومة قد اتخذت للمسارعة بنحرهم – ونحر غيرهم في قادم الأيام- على عجل سعياً لإرضاء الشارع الغاضب من جانب، وفداءً “شرعياً” عن الأب الجالس على عرشه “المعصوم” من المساءلة والاقتصاص من جانب آخر.

كتبتُ قبل شهر ونصف أن أي قرارات ستصدر تنسب المسؤولية أو الإدانة إلى أفراد “مندسين” أو أفراد غير منضبطين في القوات الأمنية الرسمية، لا قيمة لها من الناحية الموضوعية الجوهرية. فالجريمة التي حدثت بنيوية التأسيس أي تعبّر عن وظيفة المنظومة، وأي إدانة لأفراد عسكريين أو سياسيين أو ميليشياويين – حتى إنْ كان مطابقاً للقوانين- هي في جوهرها تبرئة للمنظومة الفاسدة عبر تكنيك “أكباش الفداء” الذي أسهم طوال التأريخ البشري في تزييف الوعي القانوني وفي شرعنة التنكيل بالكرامة البشرية.

هنا تبرز حاجة ماسة أن ينبري أساتذة القانون الجنائي والدستوري، وخبراء القانون الدولي، ونقابة المحامين، والناشطين المدنيين الحقوقيين، وفقهاء الشرع المتنورين، وقبل كل هذا الشارعُ الاحتجاجي والقوى السياسية والاجتماعية الساعية للتغيير السلمي، للتصدي لهذه الإشكالية السياسية- الجنائية المزدوجة، لإعادة تأويل الجريمة القمعية الكبرى التي أُرتكِبَتْ، وتكييفها ضمن روح القانون لا نصوصه الجامدة، بما يشكّل معالجة عدالوية فريدة تتجاوز نحرَ أكباش الفداء الثانويين نحو مساءلةٍ تاريخية لإله السلطة الذي لا يمل ولا يستحي من بذل القرابين فداءً لآثامه.