الألفيّون .. بقلم عبد الحميد الصائح

مدونات: يس عراق

مواليد 2000 ومابعدها كان عمر أكبرهم ثلاث سنوات حين بدأت الحرب التي أسقطت صدام وأتاحت لبعض المعارضين في الخارج استلام السلطة ، هؤلاء أهمُّ عيّنة لقياس تأثير السطات الجديدة وخطابها وثقافتها، وقدرتها على أن تكون قدوة لشباب فتح عينه على نماذج شتّى في زمن التعددية السياسية والدينية (والديمقراطية ) التي لم يسمَعوا بها الاّ من المنابر والخطب ومعارك النواب بالأيدي وزجاجات الماء داخل ( قبّة ) البرلمان .

لايوجد جيل اكثر من هؤلاء الالفيين إيجابية في التعاطي مع أوامر الدولة الجديدة واحترام الوجوه التي لايعرفون عنها شيئا ، تربّوا أطفالاً برعاية الكلام والسلاح وتوزيع المناصب حسب ألطوائف ، وحفِلَ صباهم بالطاعة والأمل والرجاء باجدادهم وآبائهم القادمين لحكم هذه البلاد بالعدل والحكمة والكرامة الوطنية ،

كان يا ماكان ، وعَبَر الألفيون سنّ الرشد ، بعد أنْ تجلّتْ طاعتهم الى أن يقدموا أرواحَهم دفاعا عن الوطن ضد الارهاب ببذخ وكرمٍ وجودٍ بالنفس لم يحدث حتى في الأساطير، عبَر الالفيون سن الرشد بعيونٍ على أرامل بأعمارهم لارعاية لهنّ ، ومدارس من الطين في زمن ثورة التكنلوجيا ،وثراء فاحش يقابله فقر مدقِع، وعرفوا أن بلد النفط ظلت محافظاته خرائب لا بناء ولا إعمار ، واجهوا عزوفا لئيماً من مؤسسات بلا سبيل ، ومصانع بلا تشغيل ، حيث لاوظائف الا لأبناء الذوات القدوات ، في الوزارات والسفارات والجامعات ،
عَبرَ الألفيّون سن الرشد وهم يرون البلد الموشح بالحزنِ على الأئمة والأنبياء يضج بصالات القمار والخمر واللهو وسط غمز القدوات بل ومساهمتهم بصورة أو بأخرى في تسهيل هذا الأمر أو غض الطرف عنه في أضعف الإيمان ، شهاداتهم لا قيمة لها ، والتزامهم لا اعتبار له، ودماء أخوتهم وآبائهم لاتقدير لها، لا أحد يلتجئون له، فكل شيء لايتم الا بالرشوة والواسطة ،
سمعوا عن فقراء معدومين حفاة تحولوا الى مليارديرية ، عن الأراضي والأطيان والهبات وفتْحِ مصاريع البلاد لجميع البضائع دون استثناء ، عن ثراء وعقود وفساد ووظائف أبناء قدواتهم الذين سوّقوا لهم أهمية الزهد والقناعة وكسرة الخبز وحصانة التقوى ، فدخلوا عالم الضياع ، بين مايرونه في وسائل التواصل من مدن وشعوب وخيال معماري وتنموي وانظمة وجمال ورعاية ، وبين حياة الفقر والحرمان التي يعيشونها لأنهم ليسوا من السلطة لامن أحزابها ولا من أبناء عوائلها، ولم يتنعموا باموالها الخرافية التي تتراكم في جيوب الحاكمين ، سمعوا عن الاستقلال والوطنية والتبعية والعمالة والمؤامرات والتكنوقراط والاحزاب ماقالت ومافعلت ، سمعوا عن الخوف والتخويف ،والزّيفِ والتزييف، عرفوا الفرق بين الدين الصحيح والدين البضاعة ، سمعوا عن الالقاب المرعبة التي اخفت وراءها رجالا فاسدين باعتراف السلطات التي القت القبض عليهم بتهم معلنة ، عاشوا وسمعوا ورأوا كل ذلك وغيره من الفواجع باعينهم دون تثقيف أو تعبئة أو تنظيم ،

لقد فتح الألفيون أعينهم اليوم ، لم يعد يسمعوا أبا متراخياً خائفاً ، أو مسؤولا يَزن خمسةَ أضعاف أعمارهم ، أو حزبيا معارضا أو مواليا ، وليس لهم ماضٍ يقارنون معه فيهدأوا قليلا، لقد كفروا باي تنظيم أو وعد أو عهد بعد أن انهارت القدوات وانكشفت بطانتها أمامهم مباشرة دون وسيط ، فخرجوا الى المواجهة …
الالفيون خرجوا هذه المرّة وهي ليست كالمرّات التي سبقتها ، خرجوا وقد ارخصوا دماءهم عقيدةً ويأساً ، فلا رقيب يخيف ولا قسوة تنفع ولا أمر يطاع ، الالفيون يختلفون عنا نحن الملوثين بتاريخ بلادنا المضطرب ومقارناتنا الجبانة ، وأملنا الذي تعفّن باصلاح البلاد وصلاح أولي الامر منذ نشوء هذه الدولة المنحوسة ،

خرج الالفيون وكل اجتماعات ووساطات وترضيات العالم لم تعد توقف غضبتهم الغضّة ، خرج الألفيون للمطالبة بالعدالة مباشرة دون وسيط او محرّض او منظّم ، وقد أخطأ خطأً كبيراً من عَمّد وقدّس خروجَهم هذا بالدم والشهادة ، فقد اعتاد الألفيون أن يقدّموا دماءهم دفاعاً عن الوطن ضد الارهاب ، ولابأس ان يقدموها اليوم قرباناً لثورتهم من أجل العدالة .