الأيام العراقية الصعبة.. ابراهيم الزبيدي

كتب ابراهيم الزبيدي:

 

من الآن وحتى عودة الكاظمي من زيارته التاريخية هذه، وإلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الانتخابات الأميركية القادمة يتحتم على العراقيين أن يتهيأوا لأيام صعبة للغاية قد تزيح عنهم الكوابيس الإيرانية وإلى الأبد.

 

تركيز على عقد اتفاقات غير اعتيادية

من مجمل ما نشر في الصحافة الأميركية عن لقاءات رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو وغيرهما من مسؤولين حكوميين آخرين ونواب وشيوخ من الحزبين، يتبين أن اتفاقات غير اعتيادية قد تم التوصل إليها ستقلب، لو نفذت فعلا، حياةَ العراقيين من جحيم إلى نعيم.

 

ولكنّ تنفيذها غير مضمون بوجود إيران وسلاح ميليشياتها المتمردة المتهيئة لحرب مصيرية بينها وبين أية قوة ستحاول أن تسلبها القوة والسلطة والمال وتضع الآلاف من مسلحيها خلف القضبان، حتى لو كانت تلك القوة هي الدولة العراقية نفسها، بجيوشها وقوى أمنها، خصوصا لو كانت وراءها أميركا الجمهوريين بوجه خاص.

 

وهذا ما يجعلنا نسأل، هل في نية الكاظمي، وفي قدرته، أن يخوض حربا من هذا الوزن ومن هذا النوع مع إيران ووكلائها في العراق؟

 

ثم، هل سيضع الرئيس ترامب قدرات أميركا العسكرية لمشاركة حليفه الجديد تكاليف هذه الحرب، حتى لو خاض حرب شوارع مع إيران ووكلائها العراقيين، لضمان كسبها، ولتنظيف الأرض من أشواكها أمام الاستثمارات الجديدة، ولحماية قواته العسكرية المقيمة في العراق؟

 

والجواب على السؤالين هو (لا) و(نعم) في الوقت نفسه. إذ أن كل شيء متوقف على سلوك إيران وطبيعة تحركها ضد هذه الهجمة السياسية والاقتصادية الأميركية الجديدة.

 

فأولا، إن عودة الكاظمي من أميركا بكلام فضفاض عن إعادة انتشار القوات العسكرية الأميركية، وليس بقرار واضح ونهائي يقضي بإخراج أميركا العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، والتسليم بتمليك العراق لإيران دون منافس ستلقي على عاتق الكاظمي خيار المواجهة الحازمة الحاسمة مع كامل النفوذ الإيراني، فإما أن ينتصر، أو يتم اغتياله، أو يستقيل.

 

والذي يدقق في تصريحات الرئيس الأميركي يجد أنه حاول أن يجنب ضيفه الكاظمي مخاطر غضب الإيرانيين عليه فأعطاه من طرف اللسان حلاوة، ووعده، بكلام عام غير محدَّد المواعيد، بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق (قريبا)، مُرفِقا ذلك ببيان أن الوجود العسكري الأميركي في العراق هو لمحاربة داعش، وبأن “القوات الأميركية ستغادر العراق في حال أصبح قادرا على الدفاع عن نفسه”. والمقصود مفهوم.

 

عودة الكاظمي من أميركا بكلام فضفاض عن إعادة انتشار القوات الأميركية، وليس بقرار واضح ونهائي، ستلقي على عاتقه خيار المواجهة الحازمة الحاسمة مع كامل النفوذ الإيراني

 

فما دامت بقايا داعش موجودة هنا وهناك، وما دامت الحكومة العراقية غير قادرة على الدفاع عن حدود الوطن فإن الضرورة تقضي ببقاء القوات الأميركية، ولكن ضمن قوات التحالف الدولي. ثم توعد “أيَّ هجوم ضد القوات الأميركية أو المواقع الأميركية ومصالحها” برد حاسم وقوي.

 

وثانيا، إن الرئيس الأميركي ترامب سيكون أخطر على إيران وحلفائها في حالتيْ خسارته الانتخابات القادمة أو فوزه فيها.

 

فلو خسر الرئاسة في انتخابات نوفمبر القادم فسوف يكون، عندئذٍ، مطلق اليدين، وقادرا، ومضطرا، لأن يفعل في مدة الشهرين ونصف الشهر المتبقية له في البيت الأبيض ما لم يستطع فعله في فترة رئاسته التي كانت تفرض عليه عدم المغامرة في حرب واسعة خوفا على حظوظه في الفوز برئاسة ثانية.

 

والمتوقع، قبل مغادرته البيت الأبيض، أن يوجه ضربات استباقية قاتلة لمواقع استراتيجية في إيران والعراق وسوريا تكسر ظهر النظام الإيراني، وتُغرق وريثه الديمقراطي جو بايدن في رمال الوضع الشائك الجديد في العراق والمنطقة، ويُحمله متاعب كبيرة تربكه، وهو في بداية عهده، خصوصا إذا ما ارتكبت إيران أو ميليشياتها أعمالا انتقامية مهينة ضد مصالح أميركية حساسة.

 

أما لو فاز ترامب بالرئاسة لدورةٍ انتخابية ثانية فسيكون متحررا، أيضا، وإلى حد بعيد، من حسابات الانتخابات القادمة، وسيكون أشد ضراوة وتصميما على معاقبة الحكم في إيران لنقل المنطقة وأميركا والعالم إلى مرحلة ما بعد النظام الإيراني المشاكس الذي يعرقل مشاريعه الكبرى المتعثرة في المنطقة، ومنها وأهمُها صفقة القرن والشرق الأوسط الجديد والتطبيع المرتقب بين دول عربية وإسرائيل.

 

والذي يعزز فرضية اعتزام ترامب اللجوء لضربات موجعة لإيران أن الاتفاقات التي وقعها الكاظمي في واشنطن، والخاصة بسلب ملف الكهرباء والطاقة من هيمنة الاحتلال الإيراني، والاستثمارات الضخمة العديدة الجديدة لشركات أميركية كبرى إنما تعني أنه يضع تحت رحمة صواريخ الحشد الشعبي الإيرانية المزيد من المواقع والمصالح الحيوية الأميركية. وهذا ما يفسر تهديده بـ”الرد الحاسم والقوي” على أي استهداف للقوات والمواقع والمصالح الأميركية في العراق.

 

ومن الآن وحتى عودة الكاظمي من زيارته التاريخية هذه، وإلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود في الانتخابات الأميركية القادمة يتحتم على العراقيين أن يتهيأوا لأيام صعبة للغاية قد تزيح عنهم الكوابيس الإيرانية وإلى الأبد، أو قد تُخرج أميركا بخفيْ حُنين، وهو الأمر الذي، إن حدث، سيكون دخولهم في نفق العيش تحت رحمة الكواتم والصواريخ والنهب والاختلاس الجهالة والخرافة والمخدرات لعشرات قادمة من السنين، لا سمح الله.