الاقتصاد العراقي في زمن كورنا فايروس.. حسن لطيف

كتب: د. حسن لطيف

يترنح الاقتصاد العراقي منذ عام 2014 على وقع الركود الاقتصادي، من دون ان تتمكن الحكومة من معالجة اوضاعه، وانتهاج سياسات مالية ونقدية تسمح له بالخروج من أزمته، بل ان اجراءاتها عمقت من اسباب الركود ورهنته بشكل يكاد يكون تاما لحركة الانفاق العام، ولم تستجب لما يمكن ان يكون درسا من الازمة المزدوجة صيف عام 2014 (داعش وانخفاض اسعار النفط)، فلم تتخذ أي اجراء احترازي لوقوع ازمة مماثلة، وأكدت طريق ادارة الاقتصاد الوطني الذي طبع سلوك الحكومة منذ عام 2005.

كورونا يضرب الاقتصاد العالمي

برزت في هذا العام ازمة فايروس كورونا الذي ضرب الصين أولا، وانتشر على نحو مفجع في 105 دولة، متقدمة ونامية ليصيب 109578 شخصا، ويودي بحياة 3809 أشخاص( )، وعبر قارات العالم، في عولمة سريعة لهذا المرض ربما لا توازيها سوى عولمة الفزع العالمي منه.

وسريعا ظهرت نتائج المرض في الاقتصاد العالمي، اذ تراجعت مؤشرات اسواق المال عبر العالم، وكانت الخسائر الاكبر في بورصات الخليج، وكانت شركات النفط الخاسر الاكبر في السعودية، اذ خسرت ارامكو عشر قيمة سهمها في تداول الاسبوع الحالي. وهبطت اسعار الاسهم في بورصة طوكيو بنسبة 5% وسدني بأكثر من 7%، وتكبدت بورصة وول ستريت بنيويورك أفدح خسارة لها منذ ازمة عام 2008، إذ خسر مؤشرا داو جونز الصناعي وستاندارد اند بورز ما يقرب من 8% من قيمتهما، وخسر مؤشر ناسداك 7% من قيمته، وفقدت مليارات الدولارات من قيمة الشركات المدرجة فيها.

أما بالنسبة للنفط، الذي كان بمثابة القاطرة التي جرت هذه الخسائر، فقد تراجعت اسعاره بنسبة 25%، في اعقاب قرار السعودية خفض الاسعار بشكل كبير بعدما فشلت اوبك في التوصل الى اتفاق لخفض الانتاج مع روسيا، ثاني أكبر منتج للنفط خارج اوبك. الامر الذي ينذر بحدوث حرب اسعار جديدة بين السعودية وروسيا.

العراق وكورونا

سريعا دخلت كورونا الى العراق عبر إيران، ففي 24 شباط/ فبراير تم تشخيص اول اصابة بفايروس كورونا المستجد في النجف الاشرف لطالب ايراني في الحوزة العلمية. الا ان الاثار والتداعيات الاقتصادية جاءت هي الاخرى من خارج الحدود، لاقتصاد تتأتى 95% من موارده الحكومية من الخارج، وبدأت الصدمة تتشكل بفعل الانخفاض الحاد في اسعار النفط الخام الذي يشكل عماد صادراته.

ومثلما يفعل الكورونا بالإنسان عندما يستهدف رئة المصاب، فقد استهدف كورونا قطاع النفط، فقد خسر خام البصرة الثقيل 53% من سعره الذي بلغ في 9 اذار (مارس) 26.92 دولارا للبرميل بعدما وصل اعلى مستوى له في 20 شباط (فبراير) من هذا العام الى سعر 57.60 دولار للبرميل. اما خام البصرة الخفيف فقد خسر 46% من سعره الذي بلغ في 9 اذار (مارس) 32.68 دولارا للبرميل بعدما وصل اعلى مستوى له في 20 شباط (فبراير) من هذا العام الى سعر 61.05 دولار للبرميل. وهذا يشي ببوارق ازمة مالية عامة، وتعميق الكساد في الاقتصاد العراقي .

اوضاع الموازنة الاتحادية: سيناريو افتراضي

من اجل التعرف على أوضاع الموازنة الاتحادية في ظل تبدلات اسعار النفط، وبسبب عدم وجود موازنة اتحادية لهذا العام بعد استقالة الحكومة، فإننا سنضع مجموعة من الافتراضات التي سنبني عليها سيناريو الموازنة الاتحادية لعام 2020 وهي:

  • استخدام معدل التصدير اليومي نفسه في موازنة 2019 وهو 3.880 مليون برميل يوميا، وهذا يعني ان اجمالي الصادرات سيكون نفسه في العام الحالي.
  • تحقيق ايرادات غير نفطية مساوية لما تم تقديره في عام 2019 والتي تبلغ 11061196000000 دينار.
  • سعر الصرف هو نفسه 1182 دينار.
  • اجمالي النفقات في عام 2020 مساوي لمثيله في العام الماضي والذي يبلغ 133.107.616.411.200 دينارا.
  • عدم حدوث زيادة في الملاك الوظيفي للدولة.

اولا: السعر الحالي (30 دولار للبرميل): ان اوضاع الموازنة العامة الاتحادية على وفق افتراض السعر الحالي سيعني ان العجز سيبلغ 54% من اجمالي الانفاق أو حوالي 71.7 تريليون دينار، لان اجمالي الايرادات المتحققة ستبلغ 61.4 تريليون دينار منها 50.3 تريليون دينار ايرادات نفطية.

ثانيا: السعر المنخفض (25 دولار للبرميل): ان انخفاض أسعار النفط الخام الى مستوى خمسة وعشرين دولار للبرميل سيعني تفاقما أكبر لأوضاع المالية العامة، اذ يرتفع العجز الى 60%، أو حوالي 80.0 تريليون دينار، في وقت ستتحقق ايرادات نفطية تعادل 42.0 تريليون دينار.

ثالثا: السعر المرتفع جدا (العجز= صفر): على الرغم من عدم واقعية هذا السيناريو مقارنة بالسيناريوهين السابقين، الا انه ينطلق من تساؤل عن السعر الذي سيجعل العجز يختفي تماما، وباستخدام الافتراضات السابقة نفسها، فان السعر هو 72.7 دولار للبرميل.

رابعا: سيناريو العام الماضي (السعر 56 دولار للبرميل): ان كل دولار يضاف على سعر البرميل الواحد، سيعني زيادة في العائدات النفطية بمبلغ 1.4 مليار دولار، لذا فان ارتفاق السعر الى 40 دولار، يمكن أن يخفض العجز الى 21.1%، أو حوالي 28.0 تريليون دينار.

الحكومة والاقتصاد

إن ركود الاقتصاد المحلي، وانخفاض العوائد النفطية، سيؤدي الى التأثير سلبا في عوائد الحكومة من الضريبة، ويمكن أن نتوقع تفاقم العجز في جميع السيناريوهات ذات السعر المنخفض. عن توقعات السعر التي افترضتها الحكومة.

مما لا شك فيه أن اولى السياسات التي ستفكر فيها الحكومة هي المزيد من التقشف، وتقليص الانفاق “غير الضروري”، والذي سيكون بحسب خبرتها السابقة هو الانفاق الاجتماعي، لاسيما ما يتصل بالتربية والتعليم والحماية الاجتماعية، والذي سيفرض المزيد من الضغوط على الماس، ويفاقم أوضاع الفقر والحرمان، والحاجة الى المزيد من الانفاق على الصحة في ظل احتمالات تفشي وباء كورونا، والحاجة الى تعزيز الامن الغذائي، ويحدث المزيد من النتائج السلبية بالنسبة للاقتصاد الواقع تحت ضغط الركود، في الوقت الذي ستفقد فيه اثار المضاعف المحدودة هي الاخرى، مع ارتفاع معدلات الاكتناز، وزيادة التفضيل النقدي في ظل الازمة المقبلة.