الاقتصاد في زمن كورونا..جيرنوت فاجنر

كتب: جيرنوت فاجنر

كل ما يمكن قوله عن فيروس كورونا الجديد قيل، ولن أضيف عليه شيئا لأني لا أستطيع، إذ لا أملك أجوبة حقيقية. ولكني مثلك، لدينا جميعا الكثير من القرارات التي ينبغي اتخاذها. فأنا بحاجة للمساعدة من أجل الموازنة بين الأرباح على المدى الطويل والتكاليف على المدى القصيرة. وأحتاج المساعدة من أجل المفاضلة بين ما هو عزيز على قلبي وما أعتقد أنه سيفيد الآخرين. وأحتاج للمساعدة من أجل وضع تخمينات مبنية على معرفة بشأن أحداث ذات عواقب كبيرة. وأحتاج للمساعدة من أجل التخمين بشأن الكيفية التي سيتصرف بها الآخرون إزاء كثير من الأشياء المجهولة. وأحتاج للمساعدة كي أعرف كيف ستتصرف المؤسسات. وأحتاج المساعدة لتحديد ما يلزمني للوقاية من فيروس كورونا الجديد عندما أفكر في السفر مستقبلا.
علم الاقتصاد يميل عموماً إلى أن يكون دليلا مفيداً ومُعِيناً. فهو علم صنع القرارات تحت القيود وحالات عدم اليقين. وهذا يبشّر بالخير كمبدأ موجّه. غير أن ثمة الكثير من القرارات مستقبلا، وهي خاصية أخرى من خصائص الاقتصاد.
أعيش في مدينة نيويورك، وهي مدينة كبيرة ومتنوعة. ألا تملك فيها سيارة فهذا مؤشر على الحرية. وألا تملك فيها آلة غسيل فهذا مؤشر على الفعالية. والعيش قريباً جداً من الآخرين ميزة أساسية. إنها مكان مرن نتيجة لذلك، لكن المرونة قد تتعرض للضغط والاختبار عندما لا تعرف إن كانت تلك العطسة في طابور المقهى وراءك تحمل فيروس كورونا. فمتى أتخلى عن الضروريات اليومية؟ أو بعبارة أخرى، متى أقلل تعرضي للعدوى؟
المعادلة واضحة: العدوى = التعرض × الهشاشة.
ثم هناك بالطبع القرارات ذات التداعيات الكبيرة. فأنا أشعر بالقلق كثيراً بشأن مخاطر المناخ. الكثير من الأحداث المناخية المتطرفة التي زادها ارتفاع حرارة الأرض سوءاً أخذت تحدث منذ فترة، رغم أن المناخ، في نهاية المطاف، يتعلق إلى حد كبير باتخاذ قرارات من أجل الأجيال المقبلة. فهل يُعد ذاك الاجتماع حول السياسة المناخية في وقت لاحق من هذا الشهر «سفراً أساسياً»؟
وهناك أيضاً الجزء المتعلق بقابليتي للإصابة بالمرض. أطفالي لهم جينات زوجتي طبيبة النساء التي عندما تتعرض لبعض السوائل المشبوهة، تغسلها بالماء وتواصل حياتها. أما أنا فلم يسبق أن صادفت سعالا إلا وأُصبت به. وعندما أُصاب، أسعل لأسابيع. والاحتمال الأرجح أن سعالي المقبل سيكون كذلك بالضبط، بدلا من أن يكون نتيجة كورونا.
غير أن سعالي قد يقلق الآخرين، وخاصة عندما أكون جالساً في مقعد بالمنتصف في مؤخرة قطار أنفاق معدني ضيق لست ساعات.
لكن ماذا عن خطط السفر بعيدة المدى؟
الخطة المستقبلية الكبيرة في حالتي هي أن أطفالي يتطلعون لقضاء الصيف مع والدي في النمسا. دورات الصيف الأكاديمية تعني البحث متحرراً من أعباء مطالب التعليم المباشر، ودروس التايكواندوا التي يتلقاها الأطفال، إضافة للكثير من الأسفار من أجل حضور المؤتمرات.
لكن، متى وكيف يمكن اتخاذ ذاك القرار بشأن السفر؟ بالنسبة لأطفالي، خطر زيادة التعرض للعدوى خلال السفر، وهو خطر قصير المدى، أقل مقارنة بستة أسابيع من التعرض المنخفض نسبياً. والأطفال سيكونون بكل تأكيد محميين أكثر من كورونا أثناء استجمامهم في التلال النمساوية منهم أثناء تنقلهم بين مسابح نيويورك العامة، إن كانت هذه الأخيرة ستظل مفتوحة في الصيف. لك أن تسمّيني اشتراكياً أوروبياً إن شئت، لكني أفضّل تحمّل وباء في مجتمع لديه إجازة مرضية مدفوعة الراتب، ورعاية صحية شاملة، وسياسة حكومية توجهها العلوم والمهنيون الطبيون إلى حد كبير.
ومن جهة أخرى ينبغي أن تكون الرحلات الجوية رخيصة وفارغة نسبياً، إن كانت ستظل متاحة وقتئذ. لكن ماذا لو تم اتخاذ قرارات الحجر الصحي في منتصف الرحلة الجوية؟ لقد أمضيت ليلة من دون نوم في عام 2014 عندما قرر الجيش التايلندي القيام بانقلاب حين كنت وزوجتي وطفلي الرضيع وقتئذ في منتصف الرحلة الجوية في طريقنا إلى بانكوك من أجل زيارة جديها. نجح الأمر وسارت الأمور على ما يرام. فحتى الجيش التايلندي كان يعرف مصلحة البلاد، وكان أذكى من أن يزعزع القطاع السياحي. وبالمقابل، لا يبدو أن فيروس كورونا لديه مثل هذا الوازع. لكن الأكثر إثارة للقلق هو رد الحكومات الأقل عقلانية والأقل تأثراً بالعلم. وهذا هو العامل المجهول وغير المتوقع.