الاقتصاد والبيئة والتنمية المستدامة الخضراء.. جيهان بابان

كتبت رئيسة ومؤسسة جمعية البيئة والصحة العراقية في المملكة المتحدة جيهان بابان:

أستجابةً للوضع المالي الخطير الذي يعاني منه العراق بسبب انخفاض اسعار النفط وانعدام دور القطاعات غير النفطية في الدخل الوطني العراقي والترهل غير المعقول في مؤسسات الدولة، يضاف لها اعداد كبيرة من المتقاعدين ومن المشمولين بالرعاية الاجتماعية وأخيرًا وليس اخراً التأثيرات الأقتصادية والأجتماعية لجائحة كورونا التي قلصت مداخيل الآلاف من الكسبة والعاملين بالأجر اليومي. ولمواجهة هذه التحديات قدمت الحكومة العراقية ورقة بيضاء في تشرين الاول 2020 والتي تضمنت مقترحات اقتصادية ومالية اشبه بخارطة طريق للثلاث سنوات القادمة بعضها واضحة المعالم كتلك المتعلقة بتعظيم الواردات والخطط التنموية الأقتصادية خاصةً في تحفيز القطاع الخاص العراقي كي يأخذ دوره كشريك حقيقي والذي سيساهم في تقليص البطالة التي قدرتها وزارة التخطيط ما يقارب المليونين بين الشباب والخريجين وأيضا في تطوير قطاع النفط والغاز والصحة وأخرى غير محددة تتعلق بالبيئة العراقية عدا ما جاء في الورقة البيضاء من اشارات هنا وهناك. وما هومعيق للتنمية الأقتصادية وتاثيرات سلبية على صحة المواطن العراقي هوالتدهور البيئي الذي يشهده العراق في جميع المحافظات وخصوصا في المناطق الجنوبية والبصرة على الأخص,الذي يواجه تحديات صعبة بالغة الخطورة والتي منها مايلي :
1 زيادة تواجد الغازات السامة ( تلوث الهواء) والدقائق الصغيرة والجسيمات العالقة من الغبار والدخان والملوثات والتي اذا استمرت بدون معالجات ستؤدي الى ازدياد في معدلات الامراض النفسية والقلبية ويشكل ضغطا إضافيًا على النظام الصحي العراقي الذي يعاني من ازمة حقيقية وبشكل خاص بعد تفشي الجائحة. ( تشريع وتفعيل قانون خاص لتلوث الهواء في العراق).
2 . تلوث نهري دجلة والفرات وانهار العراق والمسطحات المائية وبأشكالها المختلفة من بايولوجي وكيمياوية ومشعة والمخلفات العضوية التي تستنفذ الأوكسجين وغير العضوية السامة على الاحياء والبيئة المائية. ومن اهم مصادر هذا التلوث هونتيجة الأفراط في استخدام الأسمدة الكيمياوية والمبيدات وايضاً النفايات التي تأتي من المصادر الصناعية وتنتهي في الانهر والمسطحات . والتلوث بالنفايات الحضرية من نفايات صلبة ومياه المجاري الصحية والنفايات الطبية. وقد وصل هذا التلوث الى الحد الذي يهدد بموت الأحياء والنباتات كما حدث في حادثة نفوق الأسماك في بحيرة الرزازة غرب كربلاء, مؤخرا. (تعديل قانون البيئة لعام 2009 بخصوص النفايات)
3 تلوث التربة العراقية بالملوثات الهيدروكربونية والأفراط بأستخدام الأسمدة الكيمياوية ومبيدات الحشرات, والذي يجد طريقه الى المياه الجوفية .
4 التغير المناخي وتأثيراته السلبية على البيئة العراقية . هذا التحدي العالمي ادى الى ارتفاع غير مسبوق بدرجات الحرارة والتبخر والعواصف الترابية والجفاف والتصحر وبشكل خاص في العراق.
السؤال الأول هو, ما هي الفلسفة المعتمدة في الورقة البيضاء؟ ومدى توافقها مع رؤية تعكس توجهات العقل الجمعي الدولي للتنمية المستدامة في القرن الحادي والعشرين والتي توازن بين التنمية الأقتصادية واحترام حقوق الأنسان والبيئة عبر اعتماد التنمية الأقتصادية المستدامة الخضراء التي تستجيب لحاجات الأنسان والبيئة معاً. فقد اكدت الدراسات والبحوث العلمية الى ان عدم الحفاظ على البيئة والتنوع الأحيائي سيؤدي الى كوارث صحية ومجتمعية, وأحد نتائجها انتشار فيروسات من نوع كوفد مثل سارس ومتلازم الشرق الأوسط وكوفد-19 الذي انتشر من الصين الى كافة انحاء العالم وادى الى وفاة مايزيد على المليون شخص في العالم. وبسبب التدهور الخطير في البيئة العراقية فالعراق مرشح لظهور انواع جديدة من كوفد كطفرة وانتقال مباشر من الحيوانات.
مفهوم التنمية
ويشمل مفهوم التنمية المستدامة الخضراء عدة جوانب تضمنتها الورقة البيضاء فمثلا تطوير الصناعات الوطنية بالشراكة مع القطاع الخاص وهوهدف رئيسي لتقليل البطالة وزيادة الدخل الوطني غير النفطي ولتحقيق تنمية اقتصادية فعلية بدون تبعات بيئية وصحية يجب ان يكون لكل مشروع تقييم لتأثيراته البيئية ومتطلبات التقليل منها, وأحد هذه التأثيرات مثلاً هوتراكم النفايات السائلة والصلبة والطبية والكيمياوية والمشعة والتي ان لم تخضع الى معالجات سلمية متخصصة حسب نوعها وكميتها وبأعتماد اساليب التكنولوجيا الحديثة والأقتصاد الدائري ستجد طريقها الى الأنهار وتتكوم في المدن العراقية, وظهور مكبات للنفايات غير مرخصة كما حدث في معسكر الرشيد سابقاً. وعلى صعيد الزراعة حيث يمكن تحقيق نهضة زراعية حقيقية وبتكاليف اقل واسرع. لأن الزراعة اساساً هي قطاع خاص تحتاج الى ادخال تقنيات الري الحديثة صديقة للبيئة تقلل من الهدر المائي وترشد استخدام المبيدات والأسمدة الكيمياوية والأستفادة من المحاصيل عبر التسويق وخلق صناعات موازية واجراءات وحماية المنتوج الوطني العراقي.

اما على صعيد الطاقة هوالأسراع في التحويل الى استخدام الغاز كمصدر للطاقة في العراق والذي يوفر كميات اكبر من النفط الخام للتصدير اواستخدامه في المشاريع والصناعات التحويلية والبتروكيمياوية والذي يتطلب ايقاف هدر الغاز المصاحب الذي يتم حرقه يومياً وايضاً تشجيع الأعتماد على مصادر الطاقة البديلة وبشكل خاص الطاقة الشمسية في جنوب ووسط العراق ومشاريع لتدوير النفايات وتحويلها الى طاقة كهربائية وحرارية وبذلك تتحول النفايات من مصدر خطورة للبيئة الى عامل يساهم في التنمية الأقتصادية المستدامة. وايضاً استخدام الهيدروجين الأخضر كطاقة بديلة نضيفة, واستخدام الطاقة الكهرومائية حيث توجد السدود. واستعمال التكنولوجيا الحديثة لتخزين الطاقة.

تحديات الاعمار
ويمثل تحديات اعمار المناطق المحررة وانهاء ظاهرة السكن العشوائي في المدن العراقية عائقاً كبيراً امام التنمية المجتمعية المستدامة ولكن التوجه لمعالجتها سيوفر ميئات الألاف من فرص العمل وتأثيرات مجتمعية هامة ولكن في نفس الوقت يجب اتباع الطرق الخضراء لأن مخلفات الأبنية والأنشاء احد ملوثات البيئة الخطيرة وايضاً ايجاد طرق سليمة لازالة الألغام ومخلفات الحرب. وهنا اود ان اؤكد ان الطرق الصحيحة نحوتحقيق خارطة الطريق التي هي جوهر الورقة البيضاء وان تطبق على اسس ثابتة وسليمة وبمنظور علمي حديث. خلاف ذلك سنشاهد ذات المشهد التقليدي الذي غلب على خطط التنمية الأقتصادية لأكثر من عقد من السنين حيث توفرت الأمكانيات المالية بشكل غير مسبوق ولكن ادت الى تلوث كافة عناصر البيئة في العراق, الأمر الذي يعني ان خارطة الطريق هذه تحتاج الى ادارة رشيدة ومتابعة دقيقة للبرنامج الحكومي العراقي تعتمد الحوكمة على شكل خطط علمية بأولويات وبأهداف واضحة ومستلزمات احدهما في تقديري توفير خدمة ودعم من الحكومة التنفيذية لتقديم خبرات تدعم المشاريع الصناعية والزراعية والأعمار عبر توفير خبرات لتقييم التبعات البيئية والصحية للمشاريع الجديدة وسبل تخفيف الأضرار البيئية ومعالجتها. كما اؤكد على ما جاء في الورقة البيضاء حول خلق بيئة قانونية داعمة يتم تفعيلها مع محاسبة صارمة لمن تثبت ادانتهم حسب السياقات القضائية, فبدون تمكين قانوني لا يمكن ان يتوفر تمكين اقتصادي اومالي.