الجائحة وأخطار المجاعة.. مارتن رافاليون

كتب: مارتن رافاليون

بدأت الأزمة الصحية والاقتصادية الضخمة التي أحدثها فيروس كورونا المُستجد في البلدان الغنية تصل للعالم النامي بشكل خطير. ومع ذلك، لا ينبغي لنا أن نفترض أن الاستجابات السياسية للدول الغنية لمكافحة الجائحة هي الأفضل بالنسبة إلى البلدان النامية، أو حتى مُجدية. بل على العكس، يجب أن نتوقع مقايضات أكثر حدة وقيوداً أشد صرامة في المناطق الأكثر فقراً.

صحيح أن البقاء في المنازل سيساعد على الأرجح على إبطاء انتشار الفيروس في البلدان النامية، تماماً كما هو الحال في الدول الغنية. ولكن قد يكون التباعد الاجتماعي مكلفاً للغاية، وخاصة بالنسبة للفقراء الذين لديهم مدخرات قليلة ومخزون غذائي منخفض ويعتمدون بشكل كبير على العمل المؤقت (غالباً بشكل يومي). قد ينجو القليل من الناس من خلال العمل من المنزل.

هذه ليست المقايضة المألوفة والقاسية الوحيدة بين الرفاهية الاقتصادية والصحة الشخصية التي يواجهها العديد من الفقراء. كما أنها مقايضة بين جانبين للصحة: المرض بسبب الفيروس من ناحية، والجوع وسوء التغذية الناتج عن العزلة الاقتصادية وتعطيل الأسواق والمؤسسات، بما في ذلك الحماية الاجتماعية الخاصة، من ناحية أخرى.

في حين هناك أسباب قوية وفوائد معقولة للتباعد الاجتماعي لمكافحة فيروس كوفيد 19 في البلدان النامية، فإن الوضع بالنسبة لعمليات الإغلاق مختلف تماماً. يُشكل فرض الحجر الصحي تهديدات جديدة، بل يمكن أن يُحول الاستجابة الوبائية إلى مجاعة في بعض المناطق الفقيرة.

يمكن أن تَنجُم المجاعة بين الفئات الفقيرة والضعيفة عن أسباب متعددة. وحالياً، يمكن أن تؤدي عمليات الإغلاق إلى تعطيل إنتاج وتوزيع الغذاء، إلى جانب انهيار دخل الفقراء وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وهناك أسباب إضافية تدعو للقلق من أن دعم الإغلاق لمكافحة انتشار فيروس كوفيد 19 يمكن أن يأتي بنتائج عكسية في البلدان الفقيرة.

قبل كل شيء، يجب على صناع السياسات إدراك أن عمليات الإغلاق الصارمة في البلدان النامية تفرض أيضاً إغلاق المؤسسات التي تساعد على حماية الفقراء في الأوقات العادية، وبالتالي تمكنهم من تجنب الوقوع في مصائد الفقر الخفية. قد يعاني العديد من الناس الفقر على المدى الطويل جراء عمليات الإغلاق..قد يكون تأثير هذه التدابير في الأطفال مقلقاً بشكل خاص.

سيفرض الفيروس تحديات هائلة على الأنظمة الصحية في البلدان النامية، والتي حتى في الظروف العادية غالباً ما تكون غير كافية بشكل مؤسف، وخاصة بالنسبة للمواطنين الأكثر فقراً.. والخطير أنه تزعم بعض الحكومات في البلدان النامية أن الوباء تحت السيطرة أو أن التهديد ضئيل. هذه أوهام خطيرة.

ستكون هناك حاجة إلى دعم الاستهلاك من خلال التحويلات – نقداً إذا كانت أسواق المواد الغذائية تعمل، وعيناً إذا لم تكن كذلك.

إن البلدان التي استثمرت في الحماية الاجتماعية ستكون في وضع أفضل من تلك التي لم تفعل ذلك. يستغرق إنشاء برامج جديدة لمكافحة الفقر بعض الوقت، ولذلك على حكومات البلدان النامية البدء بالتوسع السريع في البرامج الحالية.

من ناحية أخرى، ستؤدي القدرة المحدودة للدولة إلى تفاقم التحديات التي تواجه العديد من البلدان النامية في مكافحة الوباء. بما أن الإدارة العامة أحياناً ما تكون أضعف في البلدان الفقيرة، فإن بعض التدابير التي اتخذتها الدول الغنية ببساطة ليست مجدية. يُعد التكيف مع القدرات الإدارية المحلية أمراً ضرورياً.

وبالمثل، تواجه البلدان الفقيرة قيوداً مالية أكثر قساوة. ولذلك، أخلاقياً ينبغي للدول الغنية تقديم المساعدة نظراً للوضع الاقتصادي القاهر، ولا سيما من خلال تخفيف عبء الديون. يمكنها المساعدة الآن أو تكبد تكلفة أكبر بكثير لاحقاً.

* أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة جورج تاون، المدير السابق لقسم البحوث بالبنك الدولي