الدولة العراقية.. هشام الهاشمي

كتب: هشام الهاشمي

يكمل العراق نهاية العام الحالي (2020) قرنه الأول كدولة، فهل تحقق فعلا مفهوم الدولة في مسيرة 100 عام..؟ تساؤل طرحه عالم الأنثروبولوجيا هشام داود.

إن مبدأ مفهوم الدولة اليوم في العراق يصمد بصعوبة أمام الانتهاكات الملموسة التي نعيشها واقعا، فليس مـن الـضروري أن تكون الأرض محتلة حتى يكون بإمكاننا تبيان أن الدولة تابعة لغيرها؛ ولا يكفي أن يكون للدولة العراقية اعتراف اممي ويكون لها مقعد في الأمم المتحدة حتى تفتخر كتابيا بممارسة السيادة ممارسة كاملة.

سيادة الدولة قوة مطلقة، فهي تأمر ولا تتلقى الأوامر، وهي غير تابعة لشيء ولا لأحد، سـيادة الدولة تنسحب على جميع مواطني الدولة والمقيمين على أرضها ولا تقبل التجزؤ بمعنى أنها واحدة من حيث الجوهر، وإذ تم تفويضها، فإنها تكون كاملة في كل تفويض.

لقد خلقت قوى اللادولة من دولة العراق، دولة مليئة بالتعقيدات للدرجة التي دفعت بالدولة إلى التركيز على المشاكل الكبرى كالأمن والاقتصاد والتخلي من خلال التخلي عن المشاكل الاجتماعية كالتعليم والرعاية الصحية والبنى التحتية.. إلخ. والنتيجة هـي أن الدولة تخلت عن المهام الاجتماعية لتتفرغ لما هو أكبر وأخطر، ولكنها عجزت عن أداء المهام الكبرى لأنها اكتشفت أنهـا “أي الدولة العراقية” أصغر من هذه المهام الكبرى، وأضعف أمام المهام المجتمعية، وهنا تجسدت أزمة الدولة العراقية وهي تقع تحت سيطرة قوى اللادولة.

إن متاهة الدولة بين التخلي عن احتكار العنف والسلاح بيدها والفشل في أداء مهمة حماية اقتصاد وثروات الدولة، أفرز قوى اللادولة محلهـا بشكل تدريجي، ففي الوظائف الاقتصادية أصبحت المكاتب والهيئات الاقتصادية السياسية والفصائلية تحل محل الدولة، بينما تداخلت وظيفة الدولة في مجال العلاقات الدولية والخارجية مع مزاج قوى اللادولة السياسية والفصائلية لخدمة الاجندات الفرعية والحزبية لا لخدمة المصالح الوطنية.

وفي ظل تراجع الدولة، وتزايد فواعل جديدة على الساحة العراقية، مما دفع البعض إلى اعتبار أن نموذج الدولة العراقية الناجحة هو شيء من الماضي؟

حيث لم تعد الدول العراقية ذات سيادة مستقلة على نحو ما كانت عليه منذ عام 1932، بوجود قيود حقيقية على الكيفية التي تستطيع بها الدولة أن تتصرف داخليـا أو عـلى قـدرتها في اسـتخدام القـوة في السياسة الخارجية.

وذلك يمثل تحديا لتطوير برامج ووسائل جديدة للتفكير في طبيعة العلاقات الدولية، التحولات الدولية بعد عام 2003 أثرت على مبدأ السلطة المطلقة للدولة العراقية دون أن تعطي لها متنفسا لتجاوز تلك الازمات نهائيا، فقد خسرت الدولة العراقية قدرتها على تبني قيم المصلحة الوطنية ولا تزال أساس حركة الدولة هي اهواء واجندات الأحزاب الحاكمة وتتبنى الدولة بذلك برامج الأحزاب السياسية وفصائلها المسيطرة والتي أصبحت مستعمرة للدولة وقادرة على التكيف للاستمرار.

قوى اللادولة نجحت في سلب الدولة الاستئثار واحتكار العنف والسلاح، والحرية في اتخاذ القرار وممارسة القيم الديمقراطية، والامتداد بالعدالة الاجتماعية.

قوى اللادولة توظف الدين والقومية باعتبارها إحدى وسائل الهيمنة إلى جانب الاقتصاد والقوة العسكرية “ثلاثيـة: المال- الدين أو القومية- السلاح”.

وبالمقابل تشهد الدولة العراقية متعددة قوى اللادولة ظـاهرة تآكلها الـداخلي وقد تـؤدي إلى تفكيكهـا إلى كيانـات متعـددة متوحشة بفعـل الانفجار الشعبي أو القومي أو الديني الذي قد يكون حاضرا كردة فعل من هيمنة تلك القوى المتمردة.

وفي المقابل ظهرت مؤشرات أخرى ومدافعين عن الوجود والدور التقليديين للدولة العراقية بالرغم من توسع وتزايد نمو قوى اللادولة، فالدولة العراقية التي شكلت عام 1921 على أساس التعددية الثقافية وأصبحت تتقاسم سلطتها مع هؤلاء الفاعلين في ظل تمسك بالمركزية الوطنية، ونقلت بـذلك سلطة القرار من الفضاءات الدينية أو القومية إلى الفضاء الوطني.

وبالتالي يمكن رصد ثلاث اتجاهات تنمو بالتوازي وتهدد مكانة الدولة العراقية:

– الهويات القومية وهيمنتها عبر السلاح المنفلت، وبروز النزاعات العشائرية والإثنية والخلافات القومية للمطالبة بالاسـتقلال.

– الهويات الدينية والطائفية حيث أصبح الدين قوة فاعلة بحسب، وكان لهذه الهويات الدور الأكبر في بروز ظاهرة “فقدان السيادة “،” خلافة الدين”، ” السيادة الهامشية”.

-غياب جوهر الهوية الوطنية، حيث أن جوهر الهوية هو البحث عن الجماعة أو الكيان، الذي يتجه إليه ولاء الفرد، والذي قد يكون أسرة أو قبيلة أو إقليما أو دولة أو كيانا أكبر من الدولة.

مع ظهور فئات شبابية في الحركة التشرينية العراقية قد تدفع بالأمل والتفاؤل وسنشهد تغيرا في مستوى قيم الدولة العراقية، هنـاك سـعي حثيث من مثقفي الحراك التشريني لتعميم قـيم الدولة وتغليبها على قيم قوى اللادولة، فالحراك يساند الديمقراطيـة والحريـة وحقـوق الإنـسان والاقتصاد المستقر والعدالة الاجتماعية لتصبح قيما للدولة العراقية، ومن جهة ثانية نشهد تصاعد موجة قوى اللادولة، وهذا سبب فشل الدولة العراقية.

وعليه سنـشهد تصادمات ثقافية وفكرية مع قوى اللادولة، ومع تصاعد موجة العنف والسلاح المتمرد وانتهاك حقوق الإنسان وقيم الديمقراطية، تشهد كل محافظات ومدن العراق تقريبا مزاجا ثقافيـا أدى إلى تحويل الولاءات إلى هويات دون الدولة الوطنية.