الربط الكهربائي مع الخليج.. واقع أم ثرثرة؟.. سبحان فيصل محجوب

كتب سحبان فيصل محجوب  -آخر وزير عراقي للكهرباء قبل 2003 :

تناولت مصادر إعلامية عديدة، قبل أيام خبراً مفاده (تجدد الدعم لمشروع هيئة الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق)، ويشير هذا الخبر إلى أن هذا المشروع سيوفر الكهرباء للشعب العراقي وهو بأمس الحاجة إليه ويدعم التنمية الاقتصادية، وبخاصة في المحافظات الجنوبية .
يذكرني هذا بما سرني به أحد المعارف في تسعينيات القرن الماضي عندما كنت المدير العام لكهرباء بغداد، مشيراً إلى أن المواطنين يشعرون بعدم الارتياح تجاهنا بزعم بيعنا الكهرباء على هيئة معلبات إلى خارج العراق بالرغم من حاجة البلد إليها، طلبت منه، حينها، وبإلحاح أن يعلمني بمصدر هذه المعلومات الخطيرة فأخبرني أن كل من يعمل في الشورجة (سوق الكهرباء) يعلمون بهذه الحقيقة وأن هذا كلام متداول، وأصبح الحديث اليومي للناس، الذين يشاهدون عملية تحميل صناديق محملة بالكهرباء ونقلها على ظهر شاحنات متجهة من عكد النصارى إلى الحدود الأردنية.
لم أبخل على هذا الصديق بجهد في الحديث معه لإفهامه أن ما نقله إليّ مجرد ثرثرة وخيال لا صحة له أو إشاعة مغرضة، لأن الطاقة الكهربائية لا يمكن استيرادها أو تصديرها بهذا النحو، مطلقاً، ولا توجد كهرباء معلبة وكهرباء طازجة وهذه المعلومات بالرغم من كونها تافهة فهي إشاعة سوداء موجهة قد يصدقها بعض من تنقصهم المستويات الدنيا في فهم عمل المنظومات الكهربائية .
عودةً إلى موضوع الخبر المتداول، فإن متطلبات أي ربط كهربائي (ثنائي، إقليمي، دولي) متعددة وعلى مستوى واحد من الأهمية لا يمكن تحقيقه من دونها ليمكن الشبكات المرتبطة بالقيام بعملية الاستيراد والتصدير، بنحو أمين وناجح، وأدرج ذلك ضمن الآتي:
– إنجاز دراسة فنية تفصيلية متكاملة يعدها مجموعة من الخبراء الأخصائيين بمشاركة الدول المشاركة بالربط تتضمن (شكل سريان الأحمال.. سعات معدات التحويل المناسبة.. سعة خطوط النقل الرابطة وتحملها.. قيم الضبط الخاصة لعمل أجهزة الحمايات الكهربائية.. الخ) من جوانب فنية بحتة.
– توفير متطلبات الربط المادية للربط من محولات تحويل وملحقاتها (قواطع دورة.. فواصل.. مناولات… الخ) وكذلك مواد إنشاء خطوط النقل الرابطة وضمن المواصفات المثبتة في ضوء الدراسة الفنية المنوه عنها آنفاً .
– الشروع بتنفيذ تنصيب هذه المعدات وكذلك إنشاء الخطوط المتضمن بناء الأبراج ومدّ الأسلاك والربط وعلى أساس المواقع والمسارات المحددة .
– وضع الضوابط التشغيلية وتحديد مسؤولية كل طرف في عمليات الربط والتحميل والمراقبة والتدريب على ذلك.
– وضع الضوابط الإدارية والمالية لضمان حقوق الأطراف المشاركة .
إن الخطوات المذكورة، آنفاً، تحتاج الى وقت وجهد استثنائي لتحقيقها، بنحو متكامل، ونتساءل هنا: هل أنجزت هذه الخطوات مع دول الخليج المقترح الربط معها لتجهيز الشبكة الوطنية بالكهرباء المستوردة منها، وهل ستربط أجزاء من شبكات المنطقة الجنوبية تزامنياً معها، بنحو منفصل عن المنظومة الوطنية، معتمدة بالكامل على ما يجهز من شبكات الدول المجاورة وكيفية عزل محطات التوليد العاملة في المنطقة الجنوبية عنها، هذه تساؤلات مشروعة يتداولها مختصون بهذا الشأن بعيداً عن الدائر في دهاليز السياسات العميقة .
في ضوء ذلك أرى أن هذا الخبر الذي روّج له بكثافة وبالخط الملون العريض به حاجة ملحة لإثبات جديته لإبعاد الشكوك بمصداقيته وعدّه بمرتبة جرعة تسكين طوارئ إضافية كغيرها من الجرعات ذات المفعول المؤقت.
وتنضاف هذه الأكذوبة إلى الكم الهائل من الأكاذيب والوعود الكاذبة، التي تعود عليها العراقيون منذ احتلال بلدهم إلى الآن.