الشيعية السياسية ومحنة السلطة في العراق.. اياد العنبر

كتب: اياد العنبر

تتكرر كثيرا عبارة في نقد السلوك السياسي للأحزاب والقوى السياسية الشيعية في العراق، ولعلّها تُختصر بعبارة “الشيعة ليسوا مؤهلين للحُكم”، والبعض من الشيعة يكررون هذه العبارة بطريقة أخرى بقولهم “الشيعة يصلحون للمعارضة وليس للحكم”.

كذلك يركّز كثير من الشيعة على فكرة التآمر على تجربتهم في الحكم بعد 2003، ولا أحد يستطيع أن ينكر الممانعة والمخاوف الإقليمية من سيطرة الأغلبية الشيعية على الحكم في العراق، ولعلَّ التلويح بخطر “الهلال الشيعي” كان أبرزها.

بيد أن قراءة الواقع السياسي والاقتصادي في العراق تؤشر إلى أن فرضية المؤامرات قد حققت وبسهولة جميع غاياتها وأهدافها؛ ليس بسبب براعة ودقة المخطط التآمري، وإنما لفشل القيادات السياسية الشيعية في الحفاظ على المكاسب التي تحققت بعد 2003.

فلو تآمرت دول العالم بأجمعها على تجربة حكم الشيعيّة السياسية في العراق، لما حققت غايتها، بمثل سوء الإدارة والفساد المستشري بالعراق والذي يعد العنصر المشترك بين جميع القوى السياسية بمختلف انتماءاتها المذهبية والقومية.

مشكلة الشيعية السياسية في الحكم بعد 2003 تكمن في مسألة غياب القيادة التي تؤمن بمشروع الدولة

ويبدو أن قوى الإسلام السياسي الشيعي رغم هيمنتها على مقاليد السلطة بعد 2003، إلا أن تفكيرها وسلوكها السياسي لم يتخلص من عقدة التفكير كأقلية مظلومة، والتعاطي مع الدولة بمنطق المعارضة.

لم يغادر خطاب الشيعية السياسية في العراق عقدة التفكير ومشاعر الأقلية المظلومة، رغم هيمنتهم على مقاليد السلطة والنفوذ. ولذلك تجدهم يفكرون بمنطق “جماعة داخلية” في قبال “جماعة خارجية”، والتعاطي مع الأمور السياسية بهدف تسوير دائرة نفوذ القوى السياسية، والتلويح بأن خسارة المكاسب السياسية للطبقة السياسية الشيعية يعني ضياع فرصة الشيعة بالحكم.

وهنا تكمن المفارقة، إذ بقي تفكيرهم محصورا بدائرة مغلقة تعبر عن تفكير مأزوم بخطر زوال الحكم من بين أيديهم؛ ويقابله إصرار على التمسك بالشعارات، بدلا من محاولة تجاوز مخاوف فقدان السلطة بمشروعية المنجز السياسي والخدمي.

بموازاة ذلك، تبرز مسألة أخرى وهي “منطق المعارضة”، وهنا تحولت أزمة الأحزاب السياسية الشيعية مع السلطة إلى أزمة بنيوية، ولذلك تجد الكثير من المواقف السياسية غير محسومة، فهم لديهم تمثيل بالحكومة، وبنفس الوقت خطاب السياسي داخل البرلمان والإعلام خطاب معارضة. بل تعدى الأمر إلى ازدواجية المواقف، إذ تجدهم يسيطرون على مؤسسات الدولة لكنهم يسعون إلى العمل بمنطق الدولة الموازية! ومن خلال تقييم سلوكهم في إدارة الدولة، تجدهم يتصرفون على اعتبار أن الدولة ليست دولتهم.

والفساد وسوء الإدارة بكل الأنواع وبمختلف التسميات نجد أبرز ملامحه في المحافظات الوسطى والجنوبية. على الرغم من أن الأحزاب والقوى السياسية التي تهيمن على القرار الحكومي هي نفسها تمسك بزمام السلطة في المحافظات وتتمتع بالأغلبية داخل مجلس النواب، ولكن لا يتم توظيف ذلك لخدمة محافظاتهم، وهنا تحديدا تكمن النقطة التي يمكن أن نسلّط عليها أضواء النقد الموجّه للقيادات السياسية الشيعية لفشلهم في إدارة محافظاتهم.

حتى علاقاتهم مع جمهورهم، لم تُبنَ على أساس تعويضهم عن سنوات المظلومية والحرمان في زمن الدكتاتورية. إذ لم تكن من منطلق تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنما تمت وفق مبدأ الزبائنية. لتكون نتائجها وجود طبقة اجتماعية طفيلية تتمتع بجملة من الامتيازات تتميّز عن بقية أفراد المجتمع.

مشكلة الشيعيّة السياسية في الحكم بعد 2003 تكمن في مسألة غياب القيادة التي تؤمن بمشروع الدولة، إذ لطالما كانت صراعات القيادات السياسية الشيعية عنوانها الأبرز كسر الإرادات بين الخصوم. ومن ثم، لم يكن هناك مشروع سياسي شيعي متفق عليه. والموضوع الوحيد الذي اتفقت عليه القوى السياسية الشيعية كان تقاسم مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مصادر ريعية لاقتصادياتها. ومع تطورات الأزمات بات واضحا وجليا بأنهم لم يكن لديهم مشروع سياسي من الأساس، بل كانوا راغبين بالوصول من أجل الحكم فقط، ولا شيء غير الحكم.

ومن أكبر خطايا السياسيين الشيعة في العراق، إهدارهم الكثير من الفرص التي كان يمكن أن تتحول مصدرا للإجماع الوطني كركيزة لإعادة بناء الدولة. فمنذ 2003 لم يدخلوا معركة إلا وخرجوا منها رابحين. ولم تنجح محاولات القوى الإرهابية في القتل على الهوية من كسر عزيمة العراقيين الشيعة، ورغم الخسائر الكبيرة بالأرواح، إلا أن العراقيين اعتبروها معركة تحدٍ ووجود، وانتهت بنهاية تهديد شبح الحرب الأهلية.

وكذلك الانتصار الذي تحقق ضد تنظيم “داعش”، كان فرصة للتأكيد على وحدة الدماء التي تدافع عن الأراضي العراقية، لكن النصر تحول إلى فرصة لظهور قوى موازية تهيمن على الدولة.

حتى اخفاق القيادات الكردية في تحقيق حلم الانفصال عن العراق بعد الاستفتاء في سبتمبر 2017، كان فرصة حقيقة لإنهاء تحالف المظلومية بين الشيعة والكورد، وإعادة بناء العلاقة على أساس شراكة فيدرالية حقيقة وليس وفق مبدأ الغلبة. لكن تسلم عادل عبد المهدي رئاسة الحكومة ضيّع تلك الفرصة، إذ عادت الروح للعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الأقاليم، على أساس المجاملات الشخصية بين القيادات الشيعية والإقطاعيات العائلية التي تحكم كردستان، بدلا من اعتماد مبدأ إدارة الموارد وتوزيعها لتحقيق الاندماج الوطني.

كسرت التظاهرات جدار الصمت الذي فرضته النخب السياسية الشيعيّة على جمهورها

ضياع الفرصة ببناء دولة ناجحة، كان هو الثابت الوحيد في سلوك السياسيين الشيعة. والمشكلة الرئيسة هي تحويل عقدتي “الأقلية المظلومة” و”التفكير بعقلية المعارضة” إلى أيديولوجيا، ومن ثم لا يمكن لهذه الأيديولوجيا إلا أن تقدم نموذجا لدولة الشعارات وتبتعد عن دولة المؤسسات.

بالمقابل، لا يمكن قراءة محنة الشيعية السياسية مع السلطة إلا من باعتبارها محنة الطبقة السياسية الشيعية وليست محنة الجمهور الشيعي في العراق. إذ كانت تظاهرات أكتوبر 2018 تعبيرا عن حيوية المجتمع الشيعي في قبال جمود تفكير شيعة السلطة.

إذ كسرت التظاهرات، التي انتشرت في المحافظات الوسطى والجنوبية، جدار الصمت الذي فرضته النخب السياسية الشيعية على جمهورها عبرت عن تجاوزه لحالة النكوص التي بدأت تخيّم على توقعات العراقيين بالخلاص من نظام حكم إقطاعيات الطوائف.

فالتظاهرات تعبر عن صوت جيل شبابي يتجاوز مرحلة التشكي والتذمر إلى مرحلة الفعل والمبادرة التي تحدد مدخلات إصلاح النظام السياسي. وبشعارهم “نريد وطنا” يسعون لترميم علاقتهم مع وطنهم العراق ليس باعتبارهم شيعة مظلومين، وإنما باعتبارهم بناة دولة تكون وظيفتها خدمة المواطن لا السياسي بالعنوان الطائفي.