العالم بعد الوباء.. جيفري كمب

كتب: جيفري كمب

على مدى الأشهر القليلة المقبلة، ربما يكون أسوء تأثير لفيروس «كوفيد 19» قد أخذ في التراجع في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. لكن الفيروس من المحتمل أن ينتشر في النصف الجنوبي من العالم، مع ما ينطوي عليه عكس ذلك من عواقب قد تكون مدمرة. أحد أفضل السيناريوهات يتمثل في إمكانية التحكم في تأثير الفيروس على الصعيد العالمي في بحر العام 2021. غير أن التأثيرات الدائمة لهذه الأزمة ستكون دراماتيكية، ومن المهم فهم ما يعنيه هذا بالنسبة للمجتمع الدولي. فهناك إمكانية أن يظهر الفيروس من جديد بخصائص مختلفة. غير أن الآمال والتوقعات هي أن تكون الجهود الاستثنائية التي يبذلها العلماء والمتخصصون في قطاع الرعاية الصحية قد طوّرت، بحلول ذلك الوقت، أساليب أكثر فعالية لمعالجة الفيروس، بما في ذلك اختبارات جماعية فعالة ورخيصة ولقاح متاح. وباختصار، فقد يتأتى التحكم أكثر في العناصر الطبية الصرفة للأزمة.

بيد أن التوقعات الأصعب تتعلق بالعواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للأزمة. وأحد الأسئلة المهمة التي تفرض نفسها في هذا الخصوص هو: كيف تقيّم القوى الكبرى احتياجاتها المستقبلية في مجال الرعاية الصحية، وعلاقاتها بجيرانها وحلفائها ومنافسيها؟ في هذا الصدد، لا شك أن الاعتقاد بأنه عندما يتم احتواء الأزمة الصحية، فإن اقتصادات العالم يمكن أن تنتعش بسرعة وتواصل نموها في نهاية المطاف، هو اعتقاد غير مرجح.

والأرجح أن أحد تأثيرات الأزمة سيكون تزايد القلق بشأن اعتماد بلدان كثيرة، ضمنها الولايات المتحدة، على الصين في توفير منتجات صيدلانية أساسية. وهذا سيعني تزايد الضغوط من أجل البحث عن سلاسل إمداد أكثر أمناً، بما في ذلك إنتاج محلي أكثر. هذا الاتجاه، إضافة إلى تشكيك البعض في شفافية الصين بخصوص حجم انتشار الفيروس فيها منذ البداية، سيوتّر بدون شك العلاقات الفاترة أصلا بين الصين والولايات المتحدة. والنتيجة قد تكون إضعاف العلاقات التجارية، مع ما ينطوي عليه ذلك من عواقب ضارة بالنسبة للعديد من الاقتصادات.

المشكلة الثانية المرتبطة بهذا الموضوع هي القيود المتزايدة التي تفرضها البلدان على السفر خارجياً والجهود المتنامية لوقف تدفق الأشخاص النازحين من مناطق النزاعات إلى مناطق أكثر أمناً. هذه الظاهرة لا تقتصر على جهود في أوروبا والولايات المتحدة، بل تمثّل اتجاهاً متنامياً في كل من آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية أيضاً. ففي أوروبا، مثلا، زادت الأزمة من إضعاف اتفاقية شينغن الموقعة عام 1985 حول حرية التنقل بين أعضائها. والواقع أن الاتفاقية كانت تعاني أصلاً من مشاكل جمة عقب أزمة اللاجئين التي بدأت في 2015، عندما فرضت بعض البلدان نقاط مراقبة على حدودها الوطنية. لكن الآن، بات مستقبل شينغن، إلى جانب الاتحاد الأوروبي نفسه، موضع تساؤل فيما أصبحت تداعيات انتشار الفيروس تطرح تحديات أكثر في المجالين الاقتصادي والسياسي.

وهناك مصدر قلق آخر يتمثل في التداعيات النفسية للأزمة، ويعني أن الناس، وخاصة أولئك الذين فقدوا وظائفهم، سيصبحون أكثر حذراً بشأن السفر والمشاركة في الأحداث الاجتماعية، بما في ذلك الأنشطة الرياضية الدولية. وكمثال، فقد أضاف قطاع السفن السياحية على مدى السنوات القليلة الماضية، إلى أسطوله سفناً ضخمة جديدة يستطيع بعضها استيعاب أكثر من 5 آلاف مسافر. وقبل هذه الأزمة، كانت نسبة مهمة من المسافرين على متن هذا النوع من السفن من المتقاعدين، أي الفئة الأكثر عرضة للعدوى المرضية. وهناك قلق مماثل يتعلق بالسفر الجوي الدولي. فالمعاناة الاقتصادية لهذه القطاعات سيكون لها تأثير غير مباشر على قطاعات الخدمات المتعددة التي تدعم السفن السياحية والخطوط الجوية.

وبشكل أكثر تحديداً، يصح القول إنه لا يمكن أن تكون ثمة عودة إلى الوضع العادي حتى يتم مجدداً استيعاب ملايين الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم في اقتصاداتهم الوطنية. وقتها فقط سيكون لديهم الدخل من أجل إمكانية الانخراط في أنشطة غير أساسية. لكن بالنظر إلى أن هذه الفئة السكانية ستكون راكمت ديوناً كثيرة خلال فترة تعطلها عن العمل، فإن قدرتها على إعادة الاشتباك مع الاقتصاد الاستهلاكي ستكون محدودة. والحال أن الإنفاق الاستهلاكي هو الذي يشكّل معظم النمو الاقتصادي في البلدان المتقدمة والأقل تقدماً. وبالتالي، يمكن القول إن أفق عودة سريعة إلى الوضع العادي يبدو قاتماً.

*مدير البرامج الاستراتيجية في مركز «ناشيونال انترست»- واشنطن