الكاظمي وضرورة الانحياز لصوت الناس.. إبراهيم أحمد

كتب: إبراهيم أحمد

ما دفعني لكتابة هذه الرسالة اليوم هو شعوري بأن الصداقة التي جمعتنا قبل أكثر من ثلاثين عاماً ولسنوات عديدة؛ تحتم عليَّ أنْ أحدثَك بما أراه ضرورياً لوطننا وشعبنا ولك شخصياً! لا بدَّ من التنويه للحقيقة والضمير بأنني عرفتك طيباً، بخلق رفيع، وقلب مفعم بحب الوطن والشعب، والحماسة من أجل خدمتهما!

وآخر لقاء بيننا كان في بغداد قبل نحو خمسة عشر عاماً، ولا أظنك قد تغيرت بعدها في شيء من ذلك.

لا أغبطك على منصبك الحالي، ولا أهنئك عليه، بل أقلق عليك؛ فأنت قد اخترت طريقاً هو في وطننا عادة لا يعود منه أصحابه إلى بيوتهم، بل يرسلون إلى القبور! أتوسم فيك أن تكسر هذه القاعدة المأساوية في بلادنا، وتهتدي بفطرتك وخبرتك إلى أن القائد ينتصر حتى إذا دفع حياته ثمناً لذلك؛ إذا تمسك بمبادئ كبرى تحضن قيم شعبه ومصالحه، وتتوخى سعادته وكرامته! وأمامك اليوم شعبنا يقدم أبناءه بزهوة أعمارهم فداء في انتفاضة عظيمة أنت تعرف جيداً أعداد شهدائها وضحاياها من الجرحى وأهاليهم وأحبائهم المكلومين، وأسماء القتلة والمجرمين، ويقع عليك؛ كونك المسؤول الأول: محاكمتهم وعقابهم. لا أظنك تنسى أن الانتفاضة أطاحت حكومة عبد المهدي بسبب فسادها وخنوعها لإرادة الإيرانيين، والانتفاضة فتحت الطريق لك لتأخذ موقعك الحالي، وأملي ألا تخذلها كما خذلها المتغطرسون، ولا تستغفلها كما يحاول عبثاً استغفالها المهووسون بسلطانهم الفضفاض مدعي القداسة. بل إن الخطوة الحاسمة التي عليك اتخاذها هي أن تلتحم بها وتكون أحد أفرادها وروادها، والمبادر لتنفيذ أهدافها ومطالبها المشروعة. وبما أعرفه عن رومانسيتك وأحلامك كنت أتوقع منك أن تركب التكتك، وتذهب تتفقد المنتفضين في ساحة التحرير.

صديقي، أنت تعرف أن الطائفيين من كلتا الطائفتين، الشيعية والسنية والعنصريين الشوفينيين من الكرد والعرب، وغيرهما من الواقفين اليوم على بوابات الحكم ما سمحوا لك أن تمرَّ إلا لغايات في نفوسهم لا أظنها تخفى عليك، فهم قبلوا بك على مضض مكرهين، مغيظين ومبيتين لك أمراً! فهم وولي أمرهم خامنئي قرروا أن ينحنوا للعاصفة مؤقتاً، ويمنحوا أنفسهم استراحة المحارب، وأرادوك درعهم وبيرقهم المؤقتين، وعليك أن تحذرهم، فهم يضمرون لك نهاية معلومة إذا ما استطاعوا أن يجتازوا منطقة الخطر!

هم لا يريدون التخلي عن سلطتهم وثرواتهم وعجرفتهم، وتغيير قوانين الانتخابات لا يشكل ضمانة لانتخابات قادمة حرة نزيهة تختلف نوعياً عن سابقاتها، فهؤلاء سيغيرون لعبتهم معها وبما يمكنهم من اختراقها وانتهاكها ليعودوا بجبروت وطغيان أشد؛ لذا فإن عليك أن تسارعَ لخلع أنيابهم ومخالبهم وتصرّ على حصر السلاح بيد الدولة، وقواتها المسلحة الوطنية، وتمنعَ تدفق المال السياسي الحرام، وتكفَّ يد الإيرانيين عن اللعب بمفاصل ومقدرات الدولة والشعب! وأن تعيدَ العراق لشعبه وحاضنته العربية والمتنوعة وعلى أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل!

الناس اليوم يرقبون خطواتك بين واثق يأمل خيراً، ويائس شاك يرى فيك ممثل فصل مسرحي يكرر ما سبق، وكلاهما محق، لكثرة ما عاناه شعبنا من إحباط وصدمات وكوارث؛ لذا يقع عليك أن تبرر أمل الآملين، وتبدد يأس اليائسين!

ولكن أصارحك بأن اليائسين من إجراءاتك في تزايد، وحجتهم أن ما قمت به خلال الشهر السابق يكشف عن أنك لم تكن تمتلك القرار، بل إن قوى المحاصصة الفاسدة التي استعلت على شعبنا وأنهكته واستنزفت خيراته لا تزال تتحكم في كل شيء، وتريدك واجهتها لا أكثر، وقد تجلَّى ذلك واضحاً في اختيار الوزراء؛ فكلهم جاءوا وفق طريقة اقتسام الغنائم، وهي الطريقة البالية القديمة المستهترة بإرادة الشعب وكرامته ومصالحه! وأنت لم تستطع أن تُدخلَ ولا حتى وزيراً واحداً من ساحات الانتفاضة، ولم تكشف عن مصير المختطفين والمغيبين والمسجونين من دون وجه حق؛ مكتفياً مثلنا بالمناشدات لدوائر يفترض أنها تحت سلطتك، ولم توقف الرواتب الابتزازية والمجحفة بحق الآخرين، ولم تتصدّ للفساد والإفساد؛ بل أنت ووزراؤك تزورون رؤوسه الكبيرة كأنما لتقديم فروض الطاعة، بينما مواجهتهم وانتزاع الأموال المسروقة من جيوبهم هما إحدى معالجات الأزمة المالية الخانقة!

بالطبع لا يمكنك تحقيق كل شيء بحكومة انتقالية أمدها قصير، لكنك مطالب في الأقل بوضع أسس التغيير والبناء وترسيخ منطلقات ومبادئ عهد جديد قادم بإجراءات ومواقف نقية شجاعة ثابتة! وأنت تدرك أن شعبنا بتاريخه وتضحياته وإمكاناته يستحق نظاماً حاكماً غير هذا، ووضعاً إنسانياً آخر، أسوة بشعوب العالم الأخرى، وهذا لا يتحقق في ظل استمرار هيمنة الوجوه الكالحة التي تصرُّ على بقائها متحكمة في آلة الدولة، ومصير الشعب!

وأظنك تدرك أن تجاهل ذلك أو المماطلة والتسويف في تحقيقه سيجعل الشعب يمضي في انتفاضته وثورته إلى مراحلها القصوى والتي من الصعب التكهن بتكاليفها وأساليبها ونتائجها، وهي بالتأكيد لن تقف عند الحد الذي توقفت فيه بحلقاتها السابقة؛ بل ستمضي قُدماً حتى انتصارها الحتمي والمشروع! لذا أمامك اليوم خياران لا ثالث لهما: إما الانحياز للشعب وثورته فتحقق راحة الضمير ومجده، أو أن تقف هكذا معيداً حكاية أشباح المنطقة الخضراء منذ 2003، حتى اليوم، وهي كما تعرف حكاية تعيسة مخزية منبوذة، ولا أظنك كما عرفتك ترضاه لنفسك، ولا أرضاه لك!

*كاتب وروائي عراقي