الكنبة الفلّوجية التي تثبّت كرسي النجف وأربيل.. علي وجيه

كتب علي وجيه:

 

في الجيوبولتيك وما يتصل به من زمنٍ، وأشخاص:
الكنبة الفلّوجية التي تثبّت كرسي النجف وأربيل
حتى اللحظة، العراق في فوضى لحظة غياب السنّة بعد نيسان 2003.
ولا أخفيكم، منذ أيامٍ وأنا أفكّر بزيارتين سياسيّتين برتكوليّتين، أجرى الأولى رئيس الجمهورية د.برهم صالح، ومبعوثة الأمين العام للأمم المتحدة بلاسخارت، إلى الفلّوجة، لزيارة رئيس مجلس النواب محمّد الحلبوسي.
في القراءة السياسيّة الخالية من العاطفة، والتي تشرّح طبقات العقد ونصف العقد الماضي، إن اختلال الموازين بين المكوّنات الرئيسة: الشيعة، السنّة، الكرد، الذي عالجه الشيعة بانتقامٍ مكارثي، والكرد بالتجاهل، زرع العملية السياسية الهشّة أصلاً، بألغامٍ مرّت بعدّة تمظهرات، كلّها كانت كارثيّة بمعنى الكلمة على المجتمع السنّي أولاً، وبالتالي العراق بأكمله، فطور الصدمة، ثمّ الإنكار في علم نفس الجماعات أدى إلى جرحٍ نرجسيّ سنّي، كانت ذروته كارثة داعش، التي أتت على محافظتين بشكل تام، وضرّرت المحافظات الأخرى.
الاختلال المكوّناتي الذي صاحب عملية إدارة الحكم في عراق ما بعد 2003، ثمّ ظهور نماذج سنّية غير سنّية بالهويّة الجانبيّة، ولا تعبّر عن مجتمعاتها بما يكفي، أدخل البلاد بثقبٍ أسود فعليّ، شرذمَ من خلاله المجتمع والطبقة السياسيّة على حدّ سواء، جعلت جزءاً كبيراً من السياسيين إرهابيّاً متطرّفاً، أو تابعاً للسلطة الشيعيّة بالمطلق، أو تاجراً لا يمثّل مجتمعه.
كانت إيران بالنسبة للساسة السنّة بعد 2003، هي بالغالب العدوّ الأوحد، أو الأم التي تحتضن الضدّ النوعيّ بما أسموه معارضوهم بـ”سنّة المالكي” مثلاً، وكان لا بُد من الحصول على معادلٍ موضوعيّ لسنّي صديق لطهران، مثل حاجة الشيعة لصديق للسعوديّة، أو واشنطن، بعيداً عن سياسة اللون الواحد الموجع.
انتهت داعش، واختفى إلى حدٍ شبه تام شبح التطرّف، وكانت المدن السنّية الجريحة بحاجة إلى إعادة صياغة لوضعها الجيو – سياسيّ مع طهران، التفاهم معها لإدامة الوجود، وتقليل الدماء، بعيداً عن موجات الدم والبارود، والتكفير والطائفيّة.
يُحسب للحلبوسيّ، فضلاً عن أنه من الجيل الثاني السنّي في سياسة ما بعد 2003، أنه كان صديقاً ذهبياً لطهران، دون أن يكون الحلبوسيّ التابع، الشاب الذي ارتبط بعلاقة وثيقة مع نائب هيأة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، ومع الزعماء الشيعة بعلاقة جيّدة، بدأ اللعبة بشكل جيد، بالموازنة بين طهران وواشنطن، وهذا الدور هو الدور العقلاني الوحيد الذي اتبعه سياسيون فنجوا، وآخرون دفعوا بالعراق إلى إحدى المحورين فأنهوا عدّة أعوام بحروب محددة.
أكثر من عقد ونصف احتاجه السنة للوصول إلى حقيقة الصداقة والتفاهم مع طهران، وما يتصل بها داخل العراق، وتتجه هذه المرّة موازين القوى إلى صنع مركز سنّي للتفاهم، وسط غياب عدد آخر من الزعماء الذين يكبرون الحلبوسي سنّاً وتجربةً، لكنهم يتراجعون بالمقارنة مع مدى مرونته مع الآخر الذي تواجهه نحو 50 عاماً من الشيطنة.
بينما تُعيد طهران ترتيب أوراقها في العراق، وتصل إلى شبه يقين بأنّ التدخل بجرعة زائدة، يحطّم “الدولة”، والمتضرّر الأول والأخير مصالحها ونفوذها، يصعد مركز قرار جديد، فجبهة الحلبوسي التي تصعد حالياً، متخذةً من الفلوجة مركزاً، الفلوجة ذات الرمزية الشائكة في المخيال الشيعي، والذي نال كثيرون ما نالوه من شتائم أثناء الدفاع عنها، فهو يقول: هذا أنا، وهذا عمقي.
في حين تتمركزُ الجبهة السنّية تدريجياً، اقتراباً أو اختفاءً أمام الحجم المتصاعد للحلبوسي، في الفلوجة، يحتاج الشيعة الى التوازن لأجل إعادة صياغة حضور المكوّنات ما بعد 2003، وبالتالي أيضاً تجاوز خلافاتهم الداخلية، والوقوف جبهة واحدة، في حالةٍ تشبه الحالة الكردية المليئة بالخلافات الداخلية، والتي تتوحد أمام أهداف معينة، بالتعامل مع بغداد مثلاً.
أخمّن، أن الأنبار أولاً، ونينوى وصلاح الدين تالياً، ستشهد استقراراً بعد أن تنتهي فورة الكورونا وما صاحبها من اختلال بأسعار النفط، وهذا الاستقرار سينعكس على الشارع، وعلى الأمن، والبناء البطيء الذي ستتصاعد وتيرته فيما بعد، مع عودة رؤوس الأموال السنّية والعمل عليها في هذه المحافظات.
وبالمقابل، سينجح هذا التحفيز باتجاه التحفيز الشيعي، باختلاف المشارب [كما توحدوا الآن بنسبةٍ كبيرة بالتحفيز الكردي الذي قام به الرئيس صالح، واجتمعوا على ترشيح الكاظمي لرئاسة الوزراء بعد اعتراضات عملاقة وغريبة!]، وبالتالي سيعود الارتكاز العراقي المكوّناتي باتجاه المكوّنات الرئيسة الثلاث.
تبقى الملاحظات والأسئلة المطروحة: هل سيحوّل الحلبوسي هذه الكنبة إلى مشروع مؤسس؟ أم أنه مشروع فرديّ مرتبط به؟ وهل سينضمّ له آخرون، من السنّة وعلى رأسهم الخنجر مثلاً، أو اتحاد القوى، أو ما تبقّى من تيّار المطلك والجيل الأول بعد 2003؟ وهل ستبقى الصداقة مع إيران صداقة؟ أم أنها ستشهد تنازلات متعلقة بالهوية والدولة إن لم تقرر العودة إلى داخل الحدود والتعاطي بشكل أخف؟ كل هذه أسئلة سيجيب عليها الزمن، والحلبوسي، والسنة الذين يعرفون أن إيران لن تختفي من الخارطة، والشيعة الذين يعرفون أن واشنطن لن تغادر المنطقة!