الكهرباء والشتاء ومهندس خلف القضبان.. سحبان فيصل

كتب سحبان فيصل محجوب – مهندس استشاري:

غالباً ما تتعرض المرافق العامة والدور السكنية الى انقطاع التغذية الكهربائية عنها، وعلى وجه التحديد، تلك التي تكون تغذيتها بوساطة الشبكات الهوائية ذات الأسلاك المكشوفة والمعلقة على الاعمدة بأنواعها (الفولاذية، الخشبية، الخرسانية)، تحدث هذه التوقفات بفعل مؤثرات وحوادث خارجية مختلفة والتي تؤدي إلى سقوط الأعمدة أو تقطيع الأسلاك أو حدوث دورات قصيرة نتيجة لتلامس أسلاك الأطوار مع أجسام غريبة أو مع بعضها، وتزداد نسبة حدوث مثل هذه الحالات في مواسم الأمطار وخصوصاً أثناء فصل الشتاء.

ونتيجة لتقادم شبكات توزيع الكهرباء في بغداد والمحافظات وانحسار الموارد المطلوبة لتطويرها نتيجة إجراءات الحصار الاقتصادي الذي كان مفروضاً على العراق للمدة (١٩٩١ – ٢٠٠٣)، دأبت دوائر الكهرباء المعنية بصيانة هذه الشبكات على وضع خطط تنفيذية لبرامج وقائية يجري تطبيقها قبل حلول فصل الشتاء للتقليل من التوقفات غير المبرمجة ما أمكن، بالاعتماد على ما متوفر من إمكانات، آنذاك، ويحشد لتنفيذ هذه البرامج العديد من فرق العمل والتي تخضع الى جملة من القواعد والشروط الخاصة بالمنافسة فيما بينها وتعتمد أساسًا على عديد التوقفات الحاصلة وكذلك الوقت الذي استغرق في معالجتها مع الأخذ بالاعتبار العوامل التي تحكم ظروف عمل كل فرقة كمساحة المنطقة المسؤولة عنها وعديد خطوط التغذية وعديد المشتركين فيها.

تتولى مسؤولية التقييم لجنة فنية مركزية تضم العديد من المهندسين أصحاب الخبرات في هذا المجال وعلى وفق الاحصاءات والمعلومات الواردة الى هذه اللجنة (لجنة التقييم) من مراكز السيطرة والشكاوي وكذلك ما توثقه مقرات قطاعات الصيانة يتم عرض النتائج حيث تعتمد في منح الحوافز المادية والمعنوية أو محاسبة العاملين في الفرق التي كان أداؤها متخلفاً، هذا التنافس وشروطه كان دافعاً لأحد المهندسين من مسؤولي قطاعات الصيانة في بغداد إلى أن يخفي المعلومات ويتلاعب بعديد الأعطال التي حدثت ضمن مساحة مسؤولية قطاعه، كان هذا في العام ٢٠٠١ عند قيامي بالمراقبة الميدانية لأداء العاملين في تعاملهم مع التوقفات الكثيرة الحاصلة في شبكات التوزيع (حينها كنت الوزير المكلف بإدارة هيئة الكهرباء)، حيث طلبت من المهندس المسؤول إحضار السجل الخاص بتوثيق الحوادث والأعطال للتأكد من مطابقة أعدادها مع ما هو موثق لدى قسم السيطرة والتشغيل ومراكز الشكاوى.

حال اكتشافي عدم مطابقة المعلومات المثبتة في سجلات القطاع وافتقارها إلى الدقة حيث كان ذلك بعلم المهندس المسؤول وطلبه محاولة منه للتخلص من المحاسبة أو ليضمن حافزاً مادياً له وللعاملين معه خارج استحقاقهم، أمرت حينها بوضع هذا المهندس (المخادع) خلف القضبان بقرار حجزه لمدة أسبوع وإعفائه من مسؤولية إدارة القطاع كعقوبة تأديبية له لإخلاله بالأمانة الوظيفية وجرى إعمام ذلك على الدوائر المعنية في قطاع الكهرباء.

إن الحضور الميداني في مراقبة الإداء وتقييمه هو الضمانة لضبط سلوك العاملين والتقليل ما أمكن من حصول مغادرات لقواعد العمل الأمينة والتي تلقي بتبعاتها على مستوى الخدمات المقدمة من المؤسسات المختلفة، إن ما يحدث الآن من تردٍ في مستوى إداء العاملين في الدوائر الحكومية الذي يعاني الكثير من الممارسات السائبة من دون رقيب يستدعي العمل على إحياء روح الانضباط والتذكير بشروط الأمانة الوظيفية لإيقاف التدهور الذي أصابها والذي كان الفساد بأنواعه من مظاهره الواضحة الذي ابتلى به المجتمع.