الكهرباء ومفتاح السعادة …عبد الهادي مهودر

كتب عبد الهادي مهودر :

مع حلول شهر تموز من كل عام يتجدد الجدل حول أزمة الكهرباء بين (الوطنية والمولدات الأهلية) وفي السياسة بين أنصار الملكية والجمهورية القاسمية،
ويبدو انه جدل لاينقطع فنقص الطاقة الكهربائية اصبح قضية مركزية ودائمة
للأمة العراقية وجدل الملكيين والجمهوريين كذلك حيث كل طرف يأخذه الحنين الى تلك الأيام التي يداولها الله بين الناس.
ورغم كل ماانفق على إصلاح الكهرباء من اموال وارواح (وصلوات )منذ نصف قرن لم يتحقق هدف استقرارها وحلها بشكل نهائي، كما انها بقيت صفحة من صفحات التنافس الدولي في العراق حيث كشف السفير الألماني في حوار تلفزيوني عن أن امريكا لم تكن سعيدة بحصول شركة سيمنس على عقد تطوير الكهرباء ، ولو ظهر السفير الامريكي لكشف ايضا ان المانيا لم تكن سعيدة بدخول شركة جنرال الكتريك الامريكية على خط تطوير الطاقة في العراق ، ولايمكن ان تكون الصين سعيدة بدخول الشركات الغربية رغم عدم تصريح سعادة السفير الصيني عن سعادتنا الكهربائية حتى الآن، والنتيجة واحدة فالشعب العراقي لم يكن سعيدا بواقع التيار الكهربائي دون النظر لجنسيات الشركات وفي أشهر ارتفاع الحماوة الوطنية ترتفع معاناته من الانقطاعات المستمرة دون رؤية ضوء مستقر في نهاية النفق الكهربائي الطويل .

ومع ضيم الكهرباء تعزف في شهر تموز من كل عام نغمة الحنين لأيام الملك والزعيم وكل فريق يمني النفس بعودة الملكية او عودة الجمهورية ، ويتباهى الملكيون بنشر صور افراد العائلة المالكة بملابسهم الأنيقة ويتباهى الجمهوريون بالزعيم الأنيق بزيه العسكري وبإنجازات الطرفين التي تكاملت وسجلت في ذاكرة العراقيين حدث توزيع الاراضي السكنية على الفقراء وتأسيس المدن والأحياء الشعبية، وعلى الرغم من تقاطع الطرفين وتحميل كل منهما الآخر فيما آلت اليه أوضاع العراق ، لكن النتيجة واحدة ايضا مثل نتيجة مشكلة الكهرباء
فالشعب العراقي لا أحد ينشر صور أفراده في العهدين ولا صور مستوى معيشته ايام الملكية والجمهورية، والعجب كل العجب من الحنين لعهد يظهر فيه الحاكم وعائلته بملابس أنيقة وحياة مرفهة وتحجب فيه صور الشعب في أيام حلمه بكسرة خبز .
الثابت ان خصوم الزعيم بلا إستثناء يشهدون له بنظافة اليد وأنصار الزعيم لايبغضون العهد الملكي كثيرا وأن حبهم للزعيم لايعني بغضهم للملك ،أما انصار الملكية فيحملون ثورة ١٤ تموز مسؤولية إراقة دماء الملك وعائلته وهو الإتهام الذي طالما حاولوا تبريره كتصرف شخصي ولكن دون جدوى .

وقد يكون الدفاع مبررا لمن عاشوا العهدين وذاقوا المرارة او الحلاوة او كانوا من اصدقاء الملك او اصدقاء الزعيم او من ايتامهما ، لكن الغرابة في الدفاع المتواصل لدى الأجيال اللاحقة الجديدة التي سمعت بالعهدين ولم تعش وترى الحياة في ظلهما ، مع إن العراقيين لم يكونوا سعداء ولم يتذوقوا طعم الإستقرار والرفاهية في جميع العهود إلا فئات قليلة منهم وفي فترات استثنائية تمر كلمح البصر ومثل فاصل ونواصل ، غير إن آمال العراقيين في الخلاص كانت تلوح بين حين وآخر في مختلف العهود وكانت تولد وتموت فجأة وتشتعل وتنطفئ فجأة مثل التيار الكهربائي .. ولكن إستمرار الآمال والأحلام بغد أفضل نعمة وحسنة من حسنات عدم وجود حلول سياسية وكهربائية دائمة.

أعلل التفس بالآمال أرقبها ما أضيق العيش لو لا فسحة الأمل، كما يقول الشاعر ( ابو اسماعيل الطغرائي ) صاحب كتابي ( الوافي والوفيات )
و(مفتاح السعادة )الذي عاش ببغداد في القرن الرابع عشر ومات في القرن الخامس عشر أي قبل ولادة ووفاة الملك والزعيم والسبلت رحمهم الله جميعا.