المنطقة السوداء و سقوط المنطقة الخضراء – رنا خالد

يس عراق :

المنطقة الخضراء هذه المنطقة لطالما كانت شديدة التحصين والأمان لكل من القوات الامريكية والسياسيين العراقيين الذين احتموا خلف اسوارها وخلف القوات الامريكية التي اعتنت بهم وحمتهم. بينما كان اهل بغداد يغرقون في بحر الموت والدمار والمفخخات والقتل على الهوية خاصة خلال سنوات الاحتلال الامريكي الاولى.
لطالما شهدت المنطقة الخضراء صولات الحب والعرفان بالجميل من قبل السياسيين العراقيين حيال القوات الامريكية التي كانت بالنسبة لهم قوات تحرير . شهدت هذه المنطقة جلسات الاتفاق والترتيبات والخطط التي كان يضعها السياسيين والجنرالات الامريكان ويوافق عليها وينفذها السياسيون العراقيون سواء جيل مجلس الحكم او من تبقى منهم او جيل الحكومات العراقية المتتالية والمتلاحقة.
المنطقة الخضراء هي التعبير المجازي عن سيطرة وسطوة الولايات المتحدة في العراق ليس فقط لانها تضم واحدة من اكبر السفارات لها في المنطقة بل لان كل السياسيين العراقيين الذين يعيشون ويعملون فيها كانوا اما انتاج امريكي او انهم كانوا مقبولين امريكياً وتربطهم بالسياسة الامريكية روابط المنفعة والتنسيق.
لكن جدران المنطقة الخضراء سرعان ما تم اختراقها ودب فيها الشقاق والضعف تحديداً في النصف الثاني لولاية المالكي الثانية. ليس فقط بسبب الارتباك الاداري والتنظيمي الملموس الذي اصاب الادارة الامريكية في العراق نهاية عهد الرئيس اوباما، بل وكذلك لان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي عمد الى توسيع سطوة ونفوذ قادة المليشيات في العراق في محاولة لخلق توازن قوى بينها تقلل من سطوة ونفوذ السيد مقتدى الصدر ومليشيات جيش المهدي التي كانت صاحبة نفوذ وتأثير حاسم في الشارع العراقي. لكن قادة المليشيات سرعان ما تحولوا الى سياسيين مشاركين في العمل السياسي والقرار الحكومي وبالتالي فهم اصبحوا عبئا على الحكومة العراقية وخاصة علاقتها مع الولايات المتحدة وذلك لميلهم الواضح والصريح الى الجانب الايراني، حيث ذكر روبرت غيتس وزير الدفاع الامريكي الاسبق في كتابه ( Duty ), انه في نهاية مهمته في العراق نصح الرئيس باراك اوباما بان عليه ان ينبه رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من خطورة تفاقم دور قادة المليشيات العراقية المدعومة من ايران.

حكومة عادل عبد المهدي اخر الداخلين الى المنطقة الخضراء كانت حكومة مليشيات بامتياز بل اصبح شعارها الدولة في خدمة المليشيات. اصبح في العراق منطقتين للحكم واحدة خضراء تضم الحكومة العراقية التي يتعامل معها الامريكان ودول العالم باعتبارهم دولة العراق الرسمية، واخرى منطقة سوداء تضم حكومة ظل المليشيات التي تدعمها و تتعامل معها ايران.
انعكست هذه الاضطرابات على الوضع في الشارع الذي هو الاخر بدأ بالغليان خاصة بعد تجذر انظمة الفساد والمحاصصة الطائفية في اركان السياسة العراقية وانهارت كل وسائل الدعم الذي كان يحصل عليها النظام والتي كانت تغطي عيوبة الولادية وتشوهاته الخلقية التي تعمقت عبر ازمان الحكومات المتلاحقة واصبح الشعب العراقي لا يقوى على تحمل اثارها السامة والهدامة التي اصبحت تبدوا ابدية ولا نهاية لها. في نفس الوقت بدأت ازمة الثقة بين السياسيين العراقيين والولايات المتحدة تلوح في ارجاء المنطقة الخضراء وانتقلت الاجتماعات والاتفاقات الى مقرات الاحزاب ومقرات المليشيات الكبيرة التي بدأت تتحول الى حكومة ظل المليشيات التي تدار كلياً وفعلياً من قبل ايران وبعيدة عن السياسة الامريكية وتراقب اي تقارب او تعاون سياسي عراقي-امريكي يمكن ان يهدد مصالح ايران وخططها المستقبلية في المنطقة. صراع مناطق النفوذ الايراني والامريكي في العراق تصاعد عبر احداث 2018 – 2019 في العراق خصوصاً وفي المنطقة عموماً،و وصل اشده وذروته مع اقتحام قادة و انصار المليشيات المدعومة من ايران للسفارة الامريكية في المنطقة الخضراء. قادة المنطقة السوداء المدعومة من ايران الذين حاصرتهم انتفاضة تشرين كما حاصرت قادة المنطقة الخضراء استشعروا الخطر المحتم على وجودهم واصبحت عمليات القمع المنظم التي يقومون بها بالتناوب مع الحكومة العراقية تزيد من حالة الهياج الشعبي الذي يزداد عناداً واصراراً على اسقاط جميع اركان النظام الفاسد في العراق. وعليه كان لابد من قارب نجاة جديد يعطي هذه المليشيات ختم شرعية جديد لتذبح ثورة تشرين في العراق من جهة وتعيد ترتيب قواعد توازن القوى والنفوذ في العراق من جهة اخرى. فتح جبهة مع الولايات المتحدة ووجودها في العراق كان هو الخيار الصعب الذي اختارته ايران لتنقذ اذرعها وتعلن عن دورها الجديد في مسرح الشرق الاوسط وهي بذلك ستحقق هدفين جر الولايات المتحدة الى مستنقع الحرب في المنطقة عبر بوابة العراق بعد ان فشلت في ذلك عبر بوابة الخليج العربي ومضيق هرمز، وايضاً جعل الوجود الايراني المباشر في المنطقة يكتسب طابع شرعي يروج له اتباع المليشيات الايرانية على انه لمقاومة الوجود العسكري الامريكي.
انطلاقة عصر المنطقة السوداء افتتح برسالة ايرانية عنوانها اقتحام المنطقة الخضراء هذه الرسالة فحواها :
ان اذرع ايران في المنطقة والتي هي اهم من السلاح النووي الايراني تتعرض للتهديد مع تزايد الضغط الشعبي في انتفاضة لبنان وانتفاضة تشرين في العراق ومع اندلاع انتفاضات متفرقة في المدن الايرانية، لهذا فان ايران لا تتوانى عن بذل اي جهد في سبيل حماية وادامة اذرعها التي هي وسيلة التمويل والقوة والنفوذ الاهم في الاستراتيجة الايرانية في الشرق الاوسط. وعليه فأن ايران لن تخفي بعد اليوم الحقيقة وقررت ان تعلن بصراحة ووضوح عن مرحلة جديدة في تاريخ العراق وهي مرحلة العراق الأحتلال الايراني المباشر الذي سوف يكون عبر المليشيات والفصائل المسلحة.
وايضاً ان عصر المنطقة الخضراء الذي يمثل منطقة التحكم الامريكي في السياسة العراقية قد انتهى وسقطت المنطقة الخضراء واتفاقياتها وترتيباتها التي نسجت عبر ١٦ عام من احتلال العراق. اما القواعد الامريكية والوجود العسكري الامريكي في العراق فهو مسألة وقت ستحسمه حرب الخنادق الايرانية الامريكية القادمة.

 

د. رنا خالد – كبيرة الباحثين في منتدى صنع السياسات

@drranakhalid

انتهى