المياه ستشعل حروبًا داخلية.. سدود الجوار وانخفاض الأمطار 40% خلال أعوام تصنع مستقبلا مائيًا مجهولًا للعراق

يس عراق: بغداد

تزداد حلاكة وغموض مستقبل العراق المائي مع تواتر التقارير والمؤشرات التي توحي لتراكم مسببات الجفات وتزايدها تدريجيًا وبشكل مستمر خلال السنوات المقبلة، في الوقت الذي تشير التوقعات إلى تبعات خطيرة لتراجع مناسيب المياه من قبيل فقدان الكهرباء وتراجع الامن الغذائي والمزروعات والنزوح والهجرة من المناطق المهددة بالجفاف فضلا عن حروب داخلية.

 

ويشير تقرير لـ”جوناثان جورفيت”، إلى أن منطقة الهلال الخصيب بدأت في الجفاف بسبب بناء السدود في المنبع في ظل هيمنة مائية من تركيا وإيران، ويضيف انه مع تدفق اثنين من أشهر الأنهار في العالم، كان العراق معروفا منذ قرون باسم “الهلال الخصيب” في الشرق الأوسط، وبحضاراته الغنية التي يرويها نهرا دجلة والفرات.

وأردف يقول: لكن الآن، تضافرت درجات الحرارة المرتفعة والجفاف الطويل وسوء إدارة المياه والسياسات المتصدعة لتهدد بكارثة بيئية لهذه الأنهار وذلك البلد.

واضاف التقرير: أدى بناء السدود من قبل تركيا وإيران إلى خفض إمدادات المياه في هذه الأنهار الحيوية وروافدها، بما منح أنقرة وطهران نفوذا كبيرا على جارهما العراق، في الوقت نفسه، تؤدي السيطرة على ما تبقى من المياه إلى تأجيج التوترات المحلية في العراق، حيث تمثل السدود والخزانات المحلية محل تركيز بشكل متزايد من قبل الجماعات المسلحة.

حرب المياه

ونقل عن إبراهيم المرعشي، وهو خبير في شؤون العراق وأستاذ من جامعة جنوب كاليفورنيا، قوله: في الماضي كنا نعتقد أن الدول ستخوض حربا على المياه، لكن الآن، الأمر يتعلق أكثر بالنزاع على المياه داخل البلدان، سوريون مقابل سوريين، وعراقيون مقابل عراقيين.

وأضاف التقرير: مع ذلك، تظل مشكلة المياه أيضا دون معالجة إلى حد كبير من قبل حكومة الدولة التي تعاني من المشاكل، حيث يخشى الكثيرون الآن أنه مع تصاعد تغير المناخ، قد ينفد الوقت سريعا بالنسبة للهلال الخصيب.

وبحسب التقرير، ينبع نهرا دجلة والفرات البالغ طولهما 3000 كيلو متر و1900 كيلو متر من عند جبال جنوب تركيا، قبل أن يبدأ التدفق الذي ينتهي في جنوب العراق، عند ممر شط العرب المائي على رأس الخليج.

وتابع: يتدفق كلا النهرين عبر تركيا وسوريا والعراق، رغم أن «دجلة» يلمس لفترة وجيزة الحدود السورية شمال غرب الموصل، ويتدفق عدد من المجاري المائية الرئيسية إلى العراق من إيران في الشرق.

ونقل عن فابريس بالانش، خبير المياه الإقليمي من جامعة ليون، قوله: أكثر من 90% من مياه العراق تأتي من خارج البلاد.

ومضى يقول: لكن في التسعينيات، بدأت تركيا في بناء سلسلة من السدود عبر نهري دجلة والفرات، عُرفت باسم مشروع «جاب»، بشكل عام، تم التخطيط لـ 22 سدا في هذا الإطار، وتم الانتهاء من 16 سدا الآن.

وتابع التقرير: وفقا لأرقام المشروع، ضاعفت المياه من هذا المشروع حتى الآن كمية الأراضي الزراعية المروية في تركيا، مع زيادة إنتاج محاصيل القطن والحبوب كثيفة الاستهلاك للمياه.

وأردف: بنت سوريا أيضا سدودا على نهر الفرات، حيث توفر قناطر تشرين والطبقة مياه الشرب والري، فضلا عن الكهرباء.

وأضاف: في عام 1987، وافقت تركيا على إمداد سوريا بمعدل 500 متر مكعب في الثانية من المياه عبر نهر الفرات، ووافقت دمشق لاحقا على تزويد العراق بنسبة 58%.

واستطرد: يتم تزويد نهر دجلة أيضا بالمياه من إيران عبر عدد من الأنهار، في الواقع، يذهب نحو ثلثي المياه التي تغادر إيران إلى العراق.

وتابع: مع استمرار تدفق الكثير من المياه، استمر العراق لسنوات عديدة في كونه غنيا نسبيا بالمياه بالنسبة للمنطقة.

لكن، وبحسب بالانش، عندما يكون لديك ما يكفي من الأمطار، كما كان الحال في العقود السابقة، فإن كل هذا كان يعمل بشكل جيد، المشكلة الآن أن الأمر ليس كذلك.

العدد والطلب

ومضى التقرير بقوله: شهدت السنوات الأخيرة انخفاضا كبيرا في هطول الأمطار في جنوب شرق تركيا وإيران، حيث توقع العلماء أن يكون التغير المناخي أسوأ في المستقبل.

ونقل عن بالانش، قوله: في جميع أنحاء الشرق الأوسط، سنرى حوالي 40% أقل من الأمطار بحلول 2040-2050، وبالتالي ستنخفض كمية المياه التي تدخل النظام، بينما سيستمر عدد السكان والطلب في الارتفاع.

وأضاف: تتخذ إيران خطوات للحفاظ على المزيد من المياه في أراضيها، حيث بنت 16 سدا على نهر «سيروان» وحده، كما تخطط لبناء 109 سدود أخرى على الأنهار التي تتدفق إلى العراق.

ويتابع التقرير: في الوقت نفسه، هناك قدر هائل من هدر المياه في العراق، تشمل طرق الري هناك التي تعود إلى آلاف السنين، طريقة غمر الحقول، وقد أدانتها منظمة الأغذية والزراعة لإهدار حوالي 85% من المياه المستخدمة.

وأردف: يعد التبخر في حرارة الصيف الشديدة أحد أسباب ذلك، حيث يؤدي الري بالغمر أيضا إلى ترك الأرض مغطاة بالملح، حيث يتبدد الماء تدريجيا، وبعد الحصاد، يجب غسل الحقول بمزيد من الماء للتخلص من الملح، ثم تتدفق مياه الغسيل هذه عائدة إلى الأنهار، مما يزيد الملوحة.

ونقل عن المرعشي قوله: مع تشغيل سدودها على نهري دجلة والفرات، أصبحت تركيا الآن قوة مهيمنة على المياه.

نهج حصار

ومضى التقرير يقول: في شهر مايو، في سوريا المجاورة، ادعى مسؤولون من المجموعة الكردية ذات الأغلبية العرقية التي تسيطر على جزء كبير من الحدود السورية التركية الحالية، أن تدفق المياه عبر نهر الفرات قد تم خفضه إلى 200 متر مكعب/ ثانية فقط.

ونقل عن بدران شيا كرد، نائب الرئيس التنفيذي للمنطقة، للإذاعة الكردية المحلية، قوله في مايو الماضي: هذا نهج حصار من قبل الحكومة التركية لتقويض سلطتنا والإضرار بمنطقتنا.

ومضى يقول: كما أن سيطرة إيران على نهري سيروان والزاب الصغير، تمنحها أيضا نفوذا كبيرا على شمال العراق الذي يسيطر عليه الأكراد.

ولفت إلى أن الجهات الفاعلة غير الحكومية أيضا انتهزت الفرص لاستخدام المياه لممارسة النفوذ.

ومضى يقول: في 2014، عندما اجتاح داعش العراق، استولى على سد الموصل على نهر دجلة.

ويقول المرعشي: كان يمكنهم استخدام هذا لحرمان أعدائهم من استخدام المياه، ويمكنهم أيضا استخدامه في التهديد بإطلاق فيضان مدمر في اتجاه مجرى النهر من خلال تدميره، هذا مثال جيد على الإرهاب المائي، وهو نوع من الصراع المحلي حول الوصول إلى المياه والذي قد نبدأ في رؤية الكثير منه.

وتابع: يمكن أن يؤدي قطع المياه أيضا إلى النزوح، ودفع السكان للخروج من المناطق القاحلة.

ونقل عن رحمن خاني، مدير سد «دربنديخان» الذي يتم إفراغه بسرعة في شمال العراق، قوله للصحفيين في مايو: إن السدود الإيرانية ستجبر الناس على الهجرة إلى أماكن أخرى.