منتدى صنع السياسات يقدم دراسة في مصير الإقتصاد العراقي وسبل إنعاشه على طريقة نيجيريا وبوتسوانا

يس عراق: بغداد

أعد منتدى صنع السياسات IFPMC تقريرًا قارن من خلاله الوضع العراقي الاقتصادي وامكانية النهوض بمقدراته وثرواته، مع الوضع الاقتصادي و النهوض الذي قدمته دول بوتسوانا ونايجيريا، فيما اشارت الى ان معضلة العراق الاقتصادي لاتتعلق بالثروات بل بالخيار السياسي.

 

وجاء في نص التقرير:

 

من الصعب تخيل دولة بثراء العراق وهي تتذيل قوائم المؤشرات الدولية بهذه الطريقة المخجلة. عندما اندلعت حرب 2003 في العراق توسم العراقيون بانها بداية لمرحاة تنموية جديدة سوف تحول العراق الى نموذج رائد في الديمقراطية السياسية،وكذلك فان العراق سوف يحظى بكل الدعم الدولي المطلوب ليكون نموذج اقتصادي متميز يعوض سنوات الحصار الدولي التي فرضت عليه بسبب سياسات النظام السابق.ولن اخوض كثيرا في تفاصيل الرواية المعقدة التي اوصلت العراق اليوم ليتحول الى دولة فاشلة اقتصادياً.ولكن ما نجده غير معقول هو ان الحكومات العراقية المتعاقبة منذ سنوات لم تبذل جهدا يذكر في تحسين هذه المؤشرات رغم ان العراق ليس بوتسوانا البلد الفقير المعدم ولكن العراق يحل في المرتبة رقم 172 من اصل 191 دولة في تقرير اداء الاعمال (2020 www.doingbusiness.org) الذي يعده البنك الدولي، في حين بوتوسوانا تحل في المرتبة 87، ونايجيريا تحتل المرتبة 131 . وعندما اخترنا هاتين الدولتين فهو لأنهما تعانيان من تحديات عصيبة ومزمنة سواء الحروب الاهلية ام الارهاب ام الفقر ام التدخلات الخارجية ام سطوة دول الجوار ام الفساد العظيم .اذن هذه الدول (واخرى غيرها) تعاني مثلما يعاني العراق بل ان ازمات العراق تعتبر جنة وارفة مقارنة بجحيم ازمات تلك الدول. ومع هذا حققت هذه الدول حطوات مذخلة في مجالات التنمية يمكن ان نتعرف عليها من خلال قرائة اهم المؤشرات الاقتصادية .

 

تعرف على بوتسوانا

 

بوتسوانا ارض صحراوية منبسطة تقع في جنوب الصحراء الافريقية الكبرى وعندما استقلت بوتسوانا في عام 1966، كانت واحدة من أفقر البلدان في العالم. ولم يكن لديها سوى 12 كيلومترا من الطرق المعبدة، و 22 مواطنا يحملون شهادات جامعية، و 100 مواطن تخرجوا من المدارس الثانوية . وعلاوة على ذلك، كانت محاطة بأنظمة معادية ــ جنوب أفريقيا وناميبيا وروديسيا (زيمبابوي الآن). ومع ذلك، في السنوات الخمسين اللاحقة، أصبحت بوتسوانا الاقتصاد الوحيد المستقر في أفريقيا، حيث حافظت على واحد من أعلى معدلات النمو في العالم وحققت أعلى مستوى للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهو ما يعادل نظيره في إستونيا وهنغاريا وكوستاريكا.

 

وإذا كانت كل الاحتمالات مكدسة ضدها، فكيف فعلت بوتسوانا ذلك؟ وإحدى النظريات هي أن البلد أنجز ذلك من خلال مؤسسات اقتصادية وسياسية سليمة، يشار إليها أيضا بالمؤسسات الشاملة للجميع. تنشئ المؤسسات الشاملة للجميع منابر لتوليد النمو الاقتصادي من خلال القيام بما يلي:

 

– تنفيذ “سيادة القانون” (نظام قانوني واضح ومنفذ بشكل صحيح يحدد حقوق الملكية ويدافع عنها) وحقوق الملكية التي تنفذ بشكل جيد وتوفر الحماية من نزع الملكية. وهذا يشجع الاستثمار في الأصول الرأسمالية للبلاد.

 

– تخصيص عوامل الإنتاج (الأرض والعمالة ورأس المال والمشاريع) بشكل أكثر كفاءة، وتوفير التمويل للشركات الناشئة. وهذا يسمح للشركات بدخول السوق وتنمية الاقتصاد.

 

-الحفاظ على ديمقراطية تتسم بالفصل بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. وهذا يضمن التعاقد الفعال من خلال سيادة القانون.

 

اذن بوتوسوانا تحولت الى معجزة اقتصادية في افريقيا من خلال التركيز على اصلاحات مؤسسية محددة ربما لم تجعل من بوتوسوانا سنغافورا افريقيا بل وليست حتى فيتنام ،ولكنها على الاقل حققت معايير تنموية توافق معايير المنظمات الاقتصادية العالمية (صندوق النقد الدولي ،البنك الدولي ..الخ ) . تحقيق بوتوسوانا لهذه المعايير قادها الى ان تصبح احدى وجهات الاستثمار الدولي بل وسميت بجوهرة افريقيا الاقتصادية .

 

تعرف على نايجيريا

 

نموذج اخر يسترعي الانتباه الا وهو نايجيريا والتي هي الاخرى تعد اليوم احدى اهم الاسواق الناشئة والتي تسمى بدول  MINT وهي كل( من مكسيك اندونوسيا نايجيريا وتركيا) هذه الدول حسب عالم الاقتصاد البريطاني( جون اونيل) سوف تكون اسواق استثمارية مربحة بحدود 2030.

 

نايجيريا الدولة التي يقترن اسمها بالفقر والفساد المزمن وبالتنظيمات الارهابية (بوكوحرام) ،ترتيبها في مؤشر اداء الاعمال 131 من اصل 191 دولة  (www.doingbusiness.org 2020) محققة ارتفاع عن العام العام الماضي 2019 بنسبة 17 نقطة حيث كانت تحتل المرتبة 146 من اصل 191 دولة. استطاعت نايجيريا تحسين موقعها الاقتصادي من خلال اجراء بعض الاصلاحات في مجال بدء العمل Starting Business حيث قللت من وقت بدئ المشروع التجاري من خلال استخدام نظام التسجيل عبر الانترنيت .قيام نايجيريا بهذه الخطوة قلل من عدد الايام ومن التكلفة ورفع من نقاطها في المؤشرات الاقتصادية الدولية .

 

من جانب اخر،عانت نايجريا من مشكلة تنفيذ العقود او ما يعرف ب enforcement contract، ولان نايجيريا تعاني من مشكلة الفساد المزمن تصبح عملية اصلاح القضاء معقدة للغاية. في نفس الوقت تنفيذ العقود وحمايتها وفق قوانين فعالة يعتبر من اهم المعايير الدولية لكفائة الاقتصاد في اي دولة وبالتاكيد قوانين تنفيذ العقود الضعيفة وغير الجوهرية سوف يؤثر على التجارة، ويظر بالاستثمار، ويعوق الاقتصاد العام . وعلى هذا الاساس قامت الحكومة النيجيرية ببعض الإصلاحات لتعزيز تطبيق العقود من خلال إصدار قواعد جديدة للإجراءات المدنية هذه الاجرائات قللت من مدة تقديم الدعاوي القانونية بين الشركات سواء المحلية او الدولية (2019 www.doingbusiness.org)

 

بالاضافة على ذلك، إذا كان أهم عنصر من عناصر ضعف القانون في نيجيريا والعديد من البلدان الناشئة هو تأثير الفساد ، تحتل نيجيريا المرتبة 144 من أصل 180 في مؤشر الفساد العالمي  مما يجعل هذا البلد “واحداً من أكثر دول العالم فساداً وكفاحاً ضد اثار الفساد على الاقتصاد. مع العلم بانه منذ أن أصبح محمد بوخاري رئيساً لجمهورية نايجيريا في مايو 2015، عمل على تحسين ظروف الاستثمار والتنمية في نيجيريا من خلال مطاردة رؤوس الفساد السياسي في البلد وزجهم في السجون والتعامل بحزم مع هذا الملف .ولكن لايزال طريق نايجيريا طويل في محاربة الفساد ولا تزال تعتبر من اكثر الدول التي تعاني من الفساد.

 

ازمة الاقتصاد العراقي.. ازمة صانع القرار 

 

عندما نقرأ مؤشرات العراق وفق تقرير اداء الاعمال www.doingbusiness.org 2020 سوف نصاب بخيبة امل كبيرة . فالعراق ليس فقط الادنى مرتبة في مجال بدئ العمل او ال Starting Business بل هو الدولة الاعلى تكلفة والاطول مدة ومقارنة بالدول التي تتذيل القائمة فأن العراق ليس دولة فقيرة في الموارد مثل تشاد او هاييتي او الكونغو وليس دولة تعاني من حرب مثل سوريا او اليمن . اذن ازمة الاقتصاد في العراق لا تنبع من عجز الثروة عن التنمية وانما من عجز صانع القرار السياسي والاقتصادي من ادارة الثروة وتحسين قوى الانتاج . ارجو ان لانكون قد تلاعبنا بالكلمات عندما نقول (عجز) بدل ان نقول (ارادة ).

 

اليوم العراق مهدد فعلياً بكارثة اقتصادية قد تغير ملامحة الى الابد خاصة بعد انهيار العقد الاجتماعي والسياسي في العراق الذي اثمر عن احتجاجات عارمة وعنف وكذلك انهيار اسعار النفط وازمة وباء كوفيد -19 الذي يهدد اكبر الاقتصاديات في العالم . امام هذه الكارثة الاقتصادية فان العراق عاجلاً ام اجلا سوف يحتاج الى الاقتراض الدولي. المفارقة ان العراق بدون تلك الازمات السابقة الذكر قام بالاقتراض من صندوق النقد الولي اضافة الى تراكمات ديونه السابقة بحكم القرارات الدولية ،كما ويعتبر العراق احد اسؤا الدول في ملف السداد والالتزام بالمعايير الدولية من حيث الشفافية والعدالة.

 

الحكومات في العراق في السابق كانت تهرب من ازماتها الاقتصادية متحججة بمكافحة الارهاب وحملات الاعمار ..الخ من الاحجج التي كانت تجلب للحكومة العراقية المليارات من الدول الداعمة والمانحة ولكن العراق لاي ستطيع ان يطلب المعونة بعد الان خاصة وان جميع دول العالم تعاني من ازمات اقتصادية كبيرة نتيجة سياسات الغلق لمنع انتشار وباء كورونا والاثار الاقتصادية لهذا الغلق والتي تؤكد ان الاقتصاد العالمي على وشك اكبر انكماش قد يغير شكل الاقتصاد العالمي .وعليه سوف يواجه صانع القرار في العراق كارثته الاقتصادية هذه المرة دون وجود اي ضمانات للحصول على دعم دولي بل وربما سيواجه مضاعفات الانهيار الاقتصادي مضاعفاً خاصة مع انعدام الحلول الوقائية والخطط لمواجهة كوارث الاقتصاد.

 

احد اهم الخيارات المتوفرة الان لصانع القرار السياسي هي ان يتم تحسين جودة المؤشرات الاقتصادية من خلال:

 

اجراء دراسات معمقة عن جميع وسائل تحسين بيئة الاعمال وسبل رفع كفائتها .

التعاون من الوكلات الاستشارية الدولية المختصة والموثوقة في مجال تطوير اداء الاستثمار المحلي والدولي .

الاستعانة بخبرات المنظمات المالية والاقتصادية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد والتعامل مع هذه الجهات بشفافية من اجل اجاد الحلول اللازمة لرفع مؤشرات اداء الاعمال والاستثمار .

تقديم الدعم للمشاريع المحلية وتنمية رأس المال المحلي وحمايته وايضا تقديم التسهيلات والمحفزات والحماية لرأس المال والاستثمار الدولي باقصى طاقة ممكنة ،لضمان استمرارية التشغيل واعطاء انطباع بحيوية السوق.

اخيراً ، لابد من ان تقوم المؤسسات السياسية والتشريعية في العراق بااتخاذ القرارات الاقتصادية الحازمة والفورية التي تحسن من وضع العراق الاقتصادي وتعطي انطباعاً بان العراق دولة جادة في مجال الاصلاح الاقتصادي -رغم كل التحديات والمعوقات- وانه يستحق ان تقوم الدول الكبرى اقتصادياً والمنظمات الاقتصادية الدولية بدعم جهودة.

 

لمشاهدة مصدر التقرير اضغط هنا