بعد الجائحة.. دول عالمية تعدل سياساتها الاستثمارية وتتجه للصحة والصناعات المحلية

يس عراق: بغداد

أظهر أحدث رصد لسياسات الاستثمار التابع لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد” أن عدة دول أجرت تعديلات، وتنقيحات لسياساتها الاستثمارية ضمن استجاباتها للتداعيات الاقتصادية الناجمة عن جائحة فيروس كورونا، وتضمن الرصد بعض الإجراءات التي اتخذتها السعودية.

ويوثق رصد “أونكتاد” الجديد أنه على الرغم من أن التدابير الاستثمارية الجديدة للدول تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أنها تشترك عموما في دعم المستثمرين والاقتصادات المحلية بصفة عامة، واتباع سياسات لحماية الهياكل الأساسية والصناعات المحلية الحيوية ولا سيما في قطاع الصحة.

ويغطي الرصد الفترة من البدايات الأولى لظهور الوباء في مقاطعة هوبي الصينية وتركزه في عاصمة المقاطعة ووهان في نوفمبر 2019 حتى تحوله إلى جائحة في فبراير 2020، ثم إلى ما بعد الجائحة إلى الأسبوع الأول من الشهر الجاري، كانت الصين أول دولة ظهر فيها الوباء، أول دولة أيضا تصدر حزمة من الإجراءات لها علاقة بوباء كورونا لتنمية وتسهيل الاستثمار الأجنبي المباشر.

ويكشف الرصد أنه في 18 فبراير الماضي، أصدرت بكين إجراءات تحت عنوان “تعميم بشأن الاستجابة لفيروس كورونا الرئوي الجديد، يهدف إلى دعم استقرار التجارة الخارجية والاستثمار الأجنبي المباشر وتنمية الاستهلاك”.

وتضمن التعميم: إدارة غير ورقية لسجلات الاستثمار الأجنبي وإصدارها مجانا، وتتعلق بالأدلة الوقائعية للقوة القاهرة للشركات الأجنبية التي تفشل في تنفيذ العقود في الوقت المحدد بسبب الوباء، وتقديم الحكومة الصينية المشورة إلى المستثمرين الأجانب بشأن مختلف السياسات والتدابير للاستجابة لفيروس كورونا.

إضافة إلى ذلك، نشرت الحكومة الصينية في 9 مارس “إشعارا حول مواصلة تعميق الإصلاح لتحسين الأعمال المتعلقة بالمشاريع الاستثمارية في مواجهة حالة الوباء”، وتضمن الإشعار بالدرجة الأساس تقديم مساعدة حكومية إلى مشاريع استثمارية-أجنبية تستأنف الأعمال والإنتاج عقب انتشار الوباء.

وينص الإشعار أيضا على تدابير إضافية خاصة بالاستثمار الأجنبي المباشر، بما في ذلك تبسيط إجراءات الموافقة على المشاريع ذات الاستثمار الأجنبي، وتحسين بنود الإعفاء الضريبي للمعدات المستوردة، وحماية الحقوق والمصالح المشروعة للمستثمرين الأجانب.

بعد ذلك، تفاعل بسرعة عديد من الوزارات والهيئات والمؤسسات في دول العالم التي تنشط في مجال تنمية الاستثمار وتسهيله لمواجهة خطر وباء كورونا، ويشير رصد “أونكتاد” إلى أن وزارة الاستثمار السعودية أنشأت مركز استجابة لوباء كورونا عبر الإنترنت، مع نافذة تتيح لشركات الاستثمار وغيرها طرح الأسئلة المتعلقة بنشاطاتها، إلى جانب دليل حول استمرارية الأعمال.

وأدرجت هيئة الاستثمار البرازيلية على الإنترنت التدابير المتعلقة بكورونا ذات الصلة بالشركات، ومنصة مخصصة للمعلومات المتعلقة بالسوق، تعطي التحديثات الاقتصادية والتجارية حسب القطاع، وخطة عمل للأعمال التجارية في الأزمات.

ونظمت هيئة الاستثمار الأسترالية حلقات عبر الإنترنت للشركات حول آثار الفيروس في الشركات التي تتخذ من أستراليا مقرا لها، وتنص رسالة الإنترنت حول الاستثمار في الدنمارك على أن “الدنمارك ما زالت مفتوحة أمام الاستثمار”، كما يقدم الموقع مجموعة من المعلومات المتعلقة بكورونا التي تؤثر في الأعمال، ضمنها إجراءات الدعم الحكومية، وروابط مفيدة لعدد من المواقع الحكومية ذات العلاقة بالأعمال والتجارة والاستثمار.

هيئة الاستثمار في إستونيا أنشأت منصة للحوار لرجال الأعمال والمستثمرين تقدم معلومات حول حزم المساعدة، وتقدم فرص التعاون مع الأعمال لمكافحة تحديات كورونا. وطورت هيئات التجارة والاستثمار الألمانية نافذة خاصة حول فيروس كورونا والأعمال مع معلومات حول التطورات الاقتصادية وتحديث إجراءات الحكومة التي تستهدف الأعمال والصناعة، وتقدم النافذة حلقات دراسية على الإنترنت بشأن التطورات الجديدة المتعلقة بكورونا.

وفي 25 مارس، أصدر الاتحاد الأوروبي توجيهات إلى الدول الأعضاء تتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر وحرية حركة رؤوس الأموال من الدول الثالثة، وحماية الأصول الاستراتيجية لأوروبا، وحماية الشركات الأوربية والأصول الحرجة خاصة في مجالات مثل الصحة، البحث الطبي، التقنية الإحيائية، البنى التحتية الأساسية للأمن والنظام العام من دون الإضرار بالانفتاح الأوروبي العام على الاستثمار الأجنبي.

وأعلنت عدة دول برامج للمساعدة المالية لاقتصاداتها الداخلية لتخفيف آثار كورونا، وتقول “أونكتاد”، “إن المبلغ الدقيق لهذه المساعدات لا يزال في حالة تغير مستمر، وهو يتباين حسب درجة فتك الفيروس باقتصاد كل دولة، لكن إلى 31 مارس، أعلنت السعودية تدابير عاجلة بـ120 مليار ريال “32 مليار دولار”، نيوزلندا 12 مليار دولار نيوزلندي “7.4 مليار دولار”، أستراليا 320 مليار دولار أسترالي “203 مليارات دولار”، كندا 85 مليار دولار كندي “61 مليار دولار”، الصين 300 مليار رينمينبي “43 مليار دولار”، فرنسا 345 مليار يورو، ألمانيا 450 مليار يورو، اليابان 30 تريليون ين “300 مليار دولار”، بولندا 212 مليار زلوتي “51 مليار دولار”، كوريا الجنوبية 100 تريليون وون “82 مليار دولار”، إسبانيا 200 مليار يورو، سويسرا 42 مليار فرنك “43 مليار دولار”، بريطانيا 350 مليار جنيه استرليني، والولايات المتحدة 2.1 تريليون دولار.

ويبين الرصد أنه خلال الفترة المستعرضة، كان تحرير الاستثمار وتشجيعه وتيسيره يمثل ثلاثة أرباع تدابير السياسة العامة المعتمدة حديثا، وهي نسبة تتماشى عموما مع اتجاه السياسات على المدى الطويل، وفي الوقت نفسه، لوحظت زيادة أخرى في التدابير المتصلة بفحص الاستثمار الأجنبي لأسباب تتعلق بالأمن القومي.

وتوقع الرصد أن يكون للوباء أثر دائم في صنع سياسات الاستثمار في المستقبل، وأن يفرض تعقيدات على اتفاقات الاستثمار الدولية، وعلى الصعيد الدولي، أصدرت الاقتصادات الرائدة لمجموعة العشرين ومجموعة السبع بيانات لدعم الاستثمار وسلاسل القيمة العالمية في ظل جائحة كورونا.

وترى “أونكتاد” أنه على الرغم من أن مدى تأثير فيروس كورونا في الاستثمار العالمي يصعب تقديره في الوقت الراهن، إلا أنه من المؤكد أن الجائحة فرضت تأثيرات اقتصادية مدمرة يتوقع أن تخفض تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي بنسبة 40 في المائة، وهو أدنى مستوى خلال العقدين الماضيين.

وبسبب جائحة فيروس كورونا، تم إلغاء أو تأجيل عديد من المبادرات والأحداث التي تركز على الاستثمار، بما في ذلك الاجتماعات الرفيعة المستوى واجتماعات القمة، وقد تكون للأزمة أيضا آثار في المفاوضات المتعلقة باتفاقات الاستثمار الدولية.