بعد مئة عام  : البحث عن رئيس الوزراء في العراق – رنا خالد

بعد مئة عام  : البحث عن رئيس الوزراء في العراق

د. رنا خالد

قبل مئة عام تعامل نظام الاحتلال البريطاني مع الثورة العراقية الكبرى 1920 باستصغار، وحاول البريطانيون بكل الوسائل ان يقتلوا الثورة وان يقوموا بتشويهها واستخدموا كل وسائل القمع التي ظلت عاراً في جبين الإمبراطورية البريطانية .كتب السير ارنولد ولسون نائب الحاكم العام البريطاني في مذكراته في كتاب (الثورة العراقية) : ” انني انصح بعدم اهمال او استصغار قراءة الطقس في العراق فما كنا نعتقد انه بلد ليس فيه امطار مثل بريطانيا اتضح ان فيه اعاصير غير محسوبة يمكن ان تقتلعنا في اي وقت”.

لقد اقتلعت ثورة العشرين نظام الاحتلال البريطاني وظلت اعاصير ثورات العراق تقتلع نظاما تلو الاخر وكلما كان القمع دموياً عجل العراقيون خاتمته وحطموا كبريائه.

العراق دولة حديثة ومدنية منذ عام 1920 ، حيث أجبرت ثورة العشرين العظيمة الاحتلال البريطاني على الرضوخ لمطالب الاستقلال بل وانها اثارت دهشة المحتل البريطاني الذي لم يتوقع ان يظهر شعب بهذا الوعي وهذا العناد، وتشكلت الحكومة العراقية المؤقتة برئاسة عبد الرحمن الكيلاني النقيب. وبعد تتويج الملك فيصل الأول في عام 1921 تم تأسيس الدولة العراقية الحديثة وأجريت اول انتخابات في العراق التي اثمرت عن تشكيل المجلس التأسيسي الذي كانت من اهم مهماته هي كتابة الدستور و اختيار رئيس وزراء للعراق هذا المنصب الذي تناوبت عليه أسماء من الرموز والاعلام.

هذه المقدمة التاريخية المقتضبة اردنا فيها ان نذكر بحقيقة قد لا يدركها العديد وهي اننا دولة لديها ممارسات ومؤسسات الدولة الحديثة منذ حوالي مئة عام.

اليوم وبعد مئة عام، نحن امام ثورة ظهرت مثل طائر العنقاء الأسطوري من اللامكان واللازمان وخارج منطق البناء السيء لحكومات ما بعد 2003. انها ثورة شباب تركوا للأهمال والتهميش والتسطيح المتعمد لكي لا يولد داخلهم وعي لخطورة المخططات و الاحداث والقيم السامة والهدامة التي انولدت قبل و بعد حرب العراق2003 والتي تهدف الى تشويه هوية العراق وطمس تاريخه وتحويله الى ارض للصراع والشقاق والموت. هؤلاء الشباب هم جيل هذا النظام السياسي تفتحت مدركاتهم وهم يعيشون في بلد يتحطم كل سنة تحت حجج وأسباب ليس لها نهاية , في ذات الوقت يقف ليشاهد دولاً في نفس المنطقة  ليس لديها ربع تجربة العراق السياسية تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل وترسم طريقاً منيراً يضمن رفاهية كل فرد فيها وتضع حلولاً للمستقبل وتستثمر في الشباب وتكسر القيود والحواجز والقدرات لتبني تجربة سياسية واجتماعية واقتصادية .
النظام السياسي في العراق تمر عليه مئة عام من تأسيس الدولة العراقية وهو عاجز عن ان يقدم حلاً او مخرجاً لنفق مظلم اضحى طويلاً لا ينتهي. انه نظام يلف حول نفسه منذ 16 عام وفشل في محاولة لتأسيس معنى لوجوده وفشل في انقاذ البلاد من دوامة العنف والإرهاب وفشل في انقاذ العراقيين من التشرد والفقر والإهمال واليوم فشل في إيجاد رجل واحد يحظى باحترام وقبول العراقيين.

ترى ما هو هذا النظام الذي ورث مئة عام من تجربة العراق السياسية ؟ انه مزيج كيمائي غير مفهوم مكون من بقايا معارضة للنظام السابق كانت متناثرة في بقاع الأرض وهم يشكلون الرعيل الأول، ثم وجوه وأسماء لقادة واتباع مخلصين للأحزاب السياسية التي تشكلت بعد احتلال العراق.ايضاً أحزاب ذات تاريخ طويل منبثقة من تنظيمات إسلامية شيعية او سنية اكبر وبالتأكيد حزب المعارضة الاقدم الحزب الشيوعي العراقي الذي لم يعد شيوعياً. أيضا أحزاب منشقة من الأحزاب الكبيرة او أحزاب تدعي الوسط والحياد يقودها زعامات مخضرمة ،اضافة الى الأحزاب الجديدة والصغيرة التي تشكلها شخصيات ذات نفوذ عشائري او سياسي او ديني او مالي. وهنالك أحزاب الأقليات والأحزاب الكردية التي لا تزال في داخلها تخوض صراع نفسي طويل الأمد بين الولاء للسياسة وبين الولاء للعرق والقضية. هذه العناوين السياسية تحتها ينضوي اعداد من السياسيين والقانونيين ورجال الاعمال ورجال المليشيات والمتطرفين مشارب والوان ولهجات مختلفة تجمعهم صفتين ازدواجية الولاء والفساد. هذا الخليط من المخضرمين والحديثي الولادة، اليمينين واليساريين، المنحازين للنفوذ الايراني تارة وللنفوذ الامريكي تارة اخرى، هذا الخليط تناوب على حكم العراق منذ 2003 حكومات تعقب اخرى والانحطاط واحد.

اليوم هذه الطبقة السياسة في اشد حالات التوتر والشد، حيث تعودت في السابق وفي حالات الخطر والتهديدات العديدة التي واجهتها، الحرب على القاعدة او الربيع العربي او الحرب على داعش.. الخ، ان تطلب معاونة الولايات المتحدة او ايران او كلاهما يتعاونان لانقاذ الموقف حيث لطالما كانت الدوائر الإيرانية والأمريكية العاملة في العراق متفقة على المصلحة المشتركة وحفظ خطوط القوة والنفوذ بينهما لكن تغير موازين القوة والصراع بين الولايات المتحدة وايران تغيرت بصورة راديكالية مهددة كل تلك القوى السياسية في العراق بل ومهددة اساس هذا النظام السياسي الفاسد والمحبط. الشارع العراقي هز جذع الشجرة المنخورة فاصبحت اقرب الى الانهيار اليوم ،ودون جدوى يحاولون ان يبحثوا في الحقائب والجيوب وتحت الطاولات ووسط العمائم وتحت العبائات وفي قاعات الاحزاب واوكار المليشيات عن اسم اي شخص عفيف شريف نقي ودود حميد السمعة والشرف ولد من رحم هذا العملية السياسية فقط لاسنادها بضع اشهر لحين ان تحدث معجزة من السماء تهدئ جموع العراقيين الذي لا شيء يشبه عنادهم، اوان يجد رعاة هذه العملية السياسية الإيرانيون او الامريكيون حلاً ليس له ملامح في الافق القريب ويتم انقاذ هذا الكائن  السياسي المسخ الذي خلقوه في العراق.

اخيراً، وبمناسبة اقتراب الدولة العراقية من عامها المئة قرر السياسيون في العراق ان يهدوا العراقيين رئيس وزراء جديدا يمثل باكورة عملها وتجربتها منذ 16 عام عجاف، لا يهم اسمه لا يهم تاريخه لا يهم مذهبه ومنبعه المهم شكله الذي سيكون مكوناً من جماجم مثقوبة لعشرات الشباب في ساحات التظاهرات واشلائهم الممزقة وكرامة عشرات المختطفين والمعتقلين والمعذبين والارامل واليتامى وامهاتٌ ثكلى ،فوقهم وفوق عظامهم سيرتدي بدلته الرسمية الثمينة التي سرق ثمنها من الفقراء في هذا الوطن ويرتدي بدلة واقية من بقايا الاحتلال الامريكي وتعويذة من الاصدقاء الفرس تقيه شر الاحرار مسدس كاتم للصوت يغتال فيه الشباب وخنجر مسموم يطعن فيه الوطن ثم يقف امامنا  ويقسم ان يصون استقلال العراق ويحمي كرامته.

@drranakhalid