بوست.. احمد سعداوي

تيار القناصين في العملية السياسية وتلك الفئات التي كانت صامتة متفرجة على المجازر، ينظمون الآن على مضض الى دعم التظاهرات ومباركتها، لأن الرأسمال المعنوي للانتفاضة الشبابية العراقية صار كبيراً، ومن الصعب الوقوف في وجه مدّه الكاسح من دون التعرض للشرشحة والتعرية. رغم أنهم يكشفون أنفسهم بالتركيز على “المخربين” و”المندسين” واللغة الباردة التي يكتبون بها.. والتي ينطبق عليها قول القائل “جفيان شر ملّه عليوي”.

هذا الرأسمال المعنوي يكبر الآن ويتعاظم، بما يجعل لحظة تشرين 2019 مفصلاً فعلياً وحقيقياً، وانعطافة تاريخية.

لكن هذا الرأسمال سيتعرّض للاستثمار السياسي من قبل اللاعبين الموجودين أنفسهم. مثلما حدث مع تعاظم مطلب المدنية في العمل السياسي، فدخل الجميع الى “المنزع” عشية انتخابات 2018، فخلعوا جبّة “الاسلامية” وأرتدوا بنطلون وقميص “المدنية”. ولم نحصل في النهاية لا على مدنية ولا إسلامية، وانما تعرية أكثر للتيارات الموجودة، وكيف أنها في عقيدتها السياسية “انتهازية” لا أكثر ولا أقل.

ولكن، وإذ كنّا نظن شيوع صيحة المدنية نوعاً من الاستجابة لقوّة التيار، وتحولاً براغماتياً يقوي من نزعة المدنية حتى مع شيوع أشكال مزيفة منها كشيء مرحلي، ثم خاب ظنّنا وأملنا، فإن شباب ثورة تشرين يعرفون تماماً أن تغيير الأزياء لا يغير من شكل وهيئة الفاسدين شيئاً، وإن محاولة تبني خطاب الثورة والتغيير لم يعد يجدي نفعاً، لأن في جوهر هذه الثورة قطيعة تامة مع منطوق هذه الطبقة السياسية العفنة، وما عاد أحدٌ يصدق منها شيئاً.

إن ثمار هذه الثورة ستأتي تباعاً وعلى مراحل، وقد لا تبدو مقنعة في البداية، ولكنني أهجس وأكاد أتيقن أنها ستقود الى تحوّل كبير في نهاية المطاف، يغيّر الوجوه كلّها، ويغير السياسات، ويجعل هذه الطبقة الحاكمة والفاعلة اليوم شيئاً من التاريخ.