تأبين وتحليل ونقد!!.. ميثاق العسر

كتب ميثاق العسر:
وقعت الواقعة، ولا ينفع النّدم بعدها، وارتكبت القيادة الأمريكية تعدّياً صارخاً للسّيادة العراقيّة والمشاعر الإثني عشريّة، وخسرت حركة المقاومة الإسلاميّة بصيغتها وتجلّياتها الإيرانيّة المعاصرة رموزاً كبيرة لا تعوّض بشيء، ولا شكّ لديّ في كون المرحومين متديّنين على الطّريقة المذهبيّة التّقليديّة المعروفة، وكانا حريصين كلّ الحرص على التقيّد بمقولات المذهب وتطبيق مبادئ الكفاح المسلّح وتصدير الثّورة بطريقتهما الخاصّة، فنسأله تعالى أن يتغمّدهما برحمته الواسعة، وأن يُلهم ذويهما ومحبّيهما وعشّاقهما الصّبر والسّلوان، إنه سميع مُجيب.
وفي سياق ما نعيشه من صخب الانقسامات والاستقطابات الحادّة بين أبناء الوطن والمذهب الواحد بعد هذه الفاجعة المؤلمة أجد من الّلازم جدّاً أن أسجّل بعض الملاحظات النّقديّة الموضوعيّة في هذا المجال، وهي لا تُريد بذلك الاصطفاف في المعسكر الآخر كما يحلو لبعض السُذّج والجهلة أن يفهموا ذلك، وإنّما لأجل قول الحقيقة الّتي يخفق بعضهم في قولها لأسباب كثيرة، والّتي تتعلّق بتقييم المرحومين من جانب المواقف السّياسيّة وما ترتّب عليها من سلوكيّات وأفعال، وليس لها علاقة بتديّنهما ولا بأخلاقهما الشّخصيّة أو الفرح والشّماتة بمقتلهما والعياذ بالله، لذا وجب التّنويه، فأقول:
إذا سألنا السّيستاني مثلاً عن قناعته بمسيرة المرحوم الجنرال الجهاديّة الأخيرة بدءاً من تدخّلاته بكلّ صغيرة وكبيرة في الشّأن السّياسي العراقي الدّاخلي منذ سقوط النّظام السّابق وإلى ما قبل أيّام، أو في دعمه وتأسيسه لعشرات الفصائل المسلّحة في الدّاخل العراقيّ الّتي لا زال العراق إلى اليوم يدفع ثمنها، أو في تدخّلاته العلنيّة المهولة في الشّأن السّوري الّذي يعجز البيان عن ذكرها، أو الشأن الّلبناني، أو الشأن اليمني…إلخ وهو بذلك يمثّل التّوجّه الرّسمي الّذي يحكم إيران الحاضرة، أقول: إذا سألنا السّيستاني عن ذلك فلا شكّ في أنّ لديه عشرات الحقائب من التّحفّظات، ومن يقول لكم غير ذلك فهو إمّا كاذب أو جاهل أو دجّال، وهذه المسألة لا تختصّ بالسّيستاني كشخص فقط، وإنّما يحملها كثيرون أيضاً، لكنّهم قد يُظهرون غير ما يُبطنون، ولا يميّزون ما بين الجانب الشّخصي للفرد وما بين مواقفه السّياسيّة المذهبيّة.
بلى؛ لا يرى السّيستاني أيّ صحّة لسياسة تحويل البلدان الأخرى إلى ساحة مواجهة مع الأعداء تحت ذريعة الحيلولة لعدم وصول العدوّ إلى داخل البلد وسياسة المحاور؛ ولا يرى أيّ مبرّر دينيّ لإنشاء فصائل مذهبيّة وإرسالها خارج البلد تحت عنوان الدّفاع عن قبور وهميّة والواقع شيء آخر مثلاً، كما يتحفّظ السّيستاني بشدّة أيضاً على إنشاء فصائل مسلّحة في الدّاخل العراقي لا تُسهم سوى في فرض إرادت مذهبيّة غير وطنيّة وسلاح سائب غير منضبط، كما لا يرى أيّ مبرّر لإنشاء فصيل عسكري مسلّح في الدّاخل العراقي بالعنوان الّلبناني نفسه ليكون الفصيل المدلّل الأوّل للجانب الإيراني ويتحوّل إلى يده الضّاربة في مواجهة الأمريكان بعيداً عن العمليّة السّياسيّة القائمة وتوافقاتها المبرمة، كلّ هذه الأمور يتحفّظ عليها السّيستاني بشدّة أيضاً، ولهذا كان بيت السّيستاني دقيقين في اختيار عباراتهم التأبينيّة الّتي صدرت من منبر الجمعة قبل يومين؛ إذ حرصوا على عدم ذكر اسم في البيان أصلاً، وحيّثوا تأبينهم ببطولاتهم في مقارعتهم داعش فقط.
نعم؛ علينا أن نعترف بشيء لا يمكن المزايدة والنّقاش فيه وهو: إنّ المرحوم الجنرال كان وطنيّاً بامتياز؛ بحيث حرص كلّ الحرص على أنّ تكون معارك بلاده في مناطق تبعد مئات وآلاف الأميال عن بلده، وكان المرحوم المهندس مذهبيّاً بامتياز؛ بحيث حرص كلّ الحرص أن يقدّم كلّ المصالح المذهبيّة الأقليميّة على مصالح وطنه، وبالنّهاية كان للجميع منجّزات ومعذّرات فقهيّة ينطلقون منها بغض الطّرف عن إيمان الدّليل المحايد الموضوعيّ بحقّانيّتها أو عدم إيمانه، ولا ننسى مقارعتهم للإرهاب الدّموي الّذي ضرب العراق في سنواته الأخيرة.