تقرير ألماني يتحدث عن مؤشرات لذهاب العراق إلى إعادة “أمجاده الزراعية” بالتزامن مع الأزمة

يس عراق: متابعة
سلط تقرير الماني الضوء على الازمة المالية التي يعانيها العراق بالتزامن مع جائحة كورونا، فيما سرد عدة مؤشرات وتساؤلات حول ما إذا كانت الازمة ستدفع العراق لاعادة “امجاده” الزراعية.

وجاء في نص التقرير الذي نشره موقع “DW” الالماني، إنه “يصيب تدهور أسعار النفط في زمن جائحة كورونا الاقتصاد العراقي في الصميم. ومع استمرار الجائحة تشكل الزراعة وصناعات استهلاكية أمل العراق في النجاة من عجز غذائي ودوائي يزحف بسرعة، فهل ينجح في تجسيد هذا الأمل بشكل فعلي؟”

قد وصل الأمر إلى حد أن هذا البلد الذي كان بطل العالم في إنتاج وتصدير التمور برصيد أكثر من 30 مليون نخلة تحول إلى مستورد لها في الوقت الحالي. ولعل المفارقة أن بلاد النخيل تستورد التمور من دول كانت تعتمد عليه في توفير تمورها على مدى عقود كالسعودية والإمارات.

أوصلت حرب أسعار النفط المستعرة بين السعودية وروسيا وقلة الطلب بسبب أزمة كورونا أسواق النفط إلى حافة انهيار غير مسبوق، يمكن أن يتسبب في إفلاس بعض الشركات المنتجة للنفط ويعصف باستقرار حكومات العديد من دول أوبك.

هذا التحول الشاذ للاقتصاد العراقي افقده هويته الزراعية والحرفية التي راكمت خبرات بشرية وعمرانية وحرفية نادرة تعود إلى أقدم الحضارات الإنسانية. وقد عبر مؤخراً عما وصل إليه حال هذا الاقتصاد المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي مظهر محمد صالح بشكل مبسط وجلي، ففي تصريح لوكالة الأنباء الألمانية قال المستشار “إن صادرات العراق النفطية تشكل نسبة 98 بالمائة من تدفقات العملة الأجنبية إلى العراق و93 بالمائة من إيرادات موازنة الدولة”.

نعم، وربما وصلت النسبة الأولى إلى 99.9 بالمائة حسب المؤسسة الألمانية للتجارة والاستثمار GTAI. مثل هذه النسب إن دلت على شئ فعلى ارتهان اقتصاد بلاد النخيل بشكل شبه أعمى وكامل لريع سلعة واحدة هي النفط، فكيف إذا تدهورت أسعار هذه السلعة بنسبة تزيد على الثلثين في غضون أسابيع بسبب جائحة كورونا وفشل الدول المنتجة في وقف التدهور.

وهكذا فإن سعر برميل النفط وصل إلى أقل من 20 دولاراً مؤخراً مقابل أكثر من 65 دولاراً في يناير/ كانون الثاني الماضي.

دروس جائحة كورونا بالنسبة للعراق

يواجه العراق هذه الأيام إلى جانب الفوضى السياسية، تحديات اقتصادية تصل إلى حد العجز عن دفع رواتب موظفي الدولة وحصول نقص خطير حتى على صعيد توفير مستلزمات عيش أساسية لمواطنيه. ومع استمرار جائحة كورونا وتبعاتها الكارثية على سوق النفط يصبح استيراد الأغذية والأدوية صعباً، لا بل غير ممكن حتى ولو توفر المال اللازم لذلك بسبب العراقيل المتزايدة أمام التجارة الدولية وتوجه الكثير من الدول إلى تخزين منتجاتها من الحبوب والزيوت والأغذية الأخرى والأدوية ووسائل الوقاية الصحية وغيرها بدلاً من تصديرها في زمن جائحة كورونا.

ولعل أهم درس تعلمه الجائحة بالنسبة إلى جميع الدول أن إنتاج السلع الضرورية من أغذية وأدوية ووسائل الوقاية من الأمراض والأوبئة ينبغي أن يتم بشكل محلي دون إعطاء عاملي الربح والخسارة الأولوية. ومما يعنيه ذلك أن دوراً أكبر للدولة في الاقتصاد قادم لا محالة على حساب نماذج الرأسمالية المتوحشة وما أكثرها.

تطورات إيجابية ينبغي البناء عليها

حقق العراق رغم الظروف السياسية والتحديات الأمنية التي واجهها خلال السنوات القليلة الماضية تطورات إيجابية في المجال الزراعي لا تقلل من أهميتها استمرار تجريف الأراضي الزراعية وحقول التمر بسبب التوسع العمراني وحقول النفط الجديدة في أكثر من منطقة وخاصة في الجنوب وحول البصرة.

ويدل على هذه التقدم الحاصل على سبيل المثال توقع وصول إنتاج الشعير إلى 4 ملايين طن والقمح إلى 6 ملايين طن للموسم الحالي ما يعني أكثر من تحقيق الأكتفاء الذاتي من هاتين السلعتين. وهناك تقدم مشابه في إنتاج التمور المخصصة للعلف والبيض والخضار وبعض الفواكه بفضل تشجيع الدولة للإنتاج الزراعي عن طريق تقديم الأسمدة والبذور ومستلزمات إنتاج أخرى بأسعار مدعومة، إضافة إلى شراء الحبوب المنتجة محلياً بأسعار تشجيعية تزيد على السعر العالمي.

ولا يقلل من أهمية هذه الانجازات عمليات الاحتيال وسوء استخدام الدعم الحكومي من قبل نافذين وفاسدين في مؤسسات الدولة المعنية وجهات أخرى تمكنت من الحصول على منتجات ليست عراقية الأصل. لكن ورغم هذه التجاوزات التي يمكن القضاء عليها أو الحد منها على الأقل عن طريق تفعيل دور مؤسسات الرقابة والمحاسبة، فإن على العراق في في كل الأحوال وخاصة في هذه الظروف البناء على زراعته وإعادة صناعاته الاستهلاكية الخفيفية بأسرع وقت ممكن بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية على الأقل.

ويساعد على ذلك وجود الخبرات البشرية المحلية والأراضي الزراعية الخصبة. كما أن الأموال اللازمة لدعم المنتج الزراعي العراقي لا تشكل سوى جزء يسير من الأموال التي تم تخصيصها لإقامة مشاريع أخرى كمشاريع الكهرباء دون تحسن ملموس خلال السنوات القليلة الماضية. والآن تبقى الكرة في ملعب الدولة العراقية التي ينبغي عليه تجاوز عمليات الفساد التي تطال الزراعة وتقديم الدعم لمن يستحقه من المنتجين دون غيرهم.