تقرير يسلّط الضوء على أزمة العراق المالية وديونه السيادة: تأثر هائل من الجائحة وكارثة مسقبلية منتظرة!

يس عراق: متابعة

أصدرت المدير التنفيذي ورئيسة الباحثين في منتدى صنع السياسات IFPMC_LONDON رنا خالد تقريراً يتحدث عن الأزمة المالية في العراق بعنوان “ديون العراق السيادية.. الماضي في ازمة والمستقبل في كارثة”.

وذكر التقرير أن العراق ضمن الدول الأكثر تأثراً بالتبعات السلبية للوباء على مستوى انظمة السيولة المالية، فيما قال الدين الخارجي للعراق وصل للعراق وصل الى 135 مليار دولار وهو ما يمثل ما قيمته 90% من الناتج المحلي الاجمالي.

وتنشر “يس عراق” التقرير كما ورد في الموقع الرسمي للمنتدى:

ازمة الديون السيادية في العراق تعد واحدة من اسوأ التجارب الاقتصادية في العالم والتي تسلط الضوء على دور السياسات الحكومية وازمات الحكم والاستقرار السياسي  في تحويل واحد من اثرى الدول الى اسوأ المدينين واشدهم فقراً وتعسراً. العراق عانى من ازمة الديون الخارجية عبر اربعة عقود من تاريخه ومع هذا لا توجد لحد هذا اليوم سياسيات اقتصادية كفوئة تخرج العراق من تبعات هذه الازمة التي قد تصل الى انهيار الدولة العراقية .

في مطلع الثمانينات من القرن الماضي كان العراق يتمتع بمركز مالي متقدم في المنطقة جعله من الدول المانحة للديون ولم تكن ديون العراق تتجاوز 2% من الناتج المحلي الاجمالي (الشكل رقم 1). حيث اتاحت اسعار النفط مترافقة مع سياسات اقتصادية متطورة الى استقرار المركز المالي للعراق. ولكن مع هذه القوة المالية التي جعلته في مأمن من الدين الخارجي لم يكن هنالك سياسات اقتصادية مستقبلية تعمل على تخفيف عبء الانفاق العام. بل استمرت الدولة بحكم (السياسات الاشتراكية السائدة ) بالسيطرة على الاقتصاد مع هامشية القطاع الخاص وبطئ عمليات تطويرة، على الرغم من ان العراق كان في الوقت والظرف المناسب الذي كان من الممكن ان يتيح فرصة تاريخية لتغيير انظمة الاقتصاد والتحول الى مرحلة النموذج الاقتصادي كما حصل في دول مثل ماليزيا وسنغافورة.

تغيرت صورة ديون العراق السيادية بصورة دراماتيكية خلال عقد الثمانينات. حيث خرج العراق من الحرب العراقية الايرانية وهو مثقل بديون الحرب وبلغت ديون العراق الخارجية 86 بليون دولار في اقل من عشر سنوات . في عام 1989 تحول العراق من دولة دائنة الى دولة مدينة بنسبة دين صافي بلغت 278% من الناتج المحلي الاجمالي .

في اعقاب حرب الخليج الثانية 1991 تضخمت ديون العراق السيادية بصورة قياسية ووصلت الى نحو 733% من الناتج المحلي الاجمالي.

في عام 2003 وفي اطار متغيرات (الحرب على العراق )، اعاد نادي باريس هيكلة الديون العراقية وقام صندوق النقد الدولي بتقديم قروض اعادة اعمار العراق الا ان دول نادي باريس طالبت الصندوق باعداد دراسة متكاملة لكيفية استدامة الديون العراقية قبل ان توافق عاى اي خفض او شطب لديون العراق . بالمقابل قادت الولايات المتحدة حملة واسعة لتخفيف ديون العراق التي اعتبرتها امر اساسي وبالغ الاهمية وعينت مبعوث خاص للتعامل مع هذه القضية وفعلاً نجحت الولايات المتحدة في شطب ديون العراق لدى مجموعة السبع في غضون عام واحد.

بعد 2003 نجحت الولايات المتحدة بالضغط على الحلفاء لازالة عبء الديون وخفض نسبة الدين من الناتج المحلي الاجمالي حيث وصلت نسبة الديون السيادية من GDP حوالي 50% ويرجع الفضل في ذلك في الغالب الى نمو حجم الناتج المحلي الاجمالي وليس الى انخفاض الديون كذلك الى تغير في تكوين الديون .

ولكن الجدول السابق لا يقدم صورة واقعية لديون العراق السيادية. حيث ان ديون العراق تعتبر من الديون السيادية الرديئة التي لايوجد لديها غطاء كافي للسداد ولكنها غالباً ما تعتمد على وجود دعم دولي او ارادات لقوى دولية تقوم بتسهيلات لاعادة هيكلة تلك الديون. ولكن بالمقابل فان تخبط السياسة الداخلية وفخ الصراعات اضافة الى هشاشة الاستقرار السياسي يقود غالباً الى تبديد الثروة وتضخم الدين العام.

بالرغم من الفرص التي اتيحت الى العراق لخفض ديونة الخارجية وتحسين الاداء الاقتصادي الا ان هذه الفرص لم يتم استغلالها واستمرت ازمة الديون الضارة تسيطر على التنمية في العراق حيث لم تشكل الديون سوى 10% من اجمالي الانفاق العام على مشاريع التنمية والبنى التحتية. واستمر ( فخ الموارد الطبيعية ) وخاصة الاعتماد الاحادي على النفط  كمصدر اساسي لتسديد الديون الاستهلاكية ولم تنجح الحكومات العراقية بعد 2003 من ايجاد بدائل عن النفط او تقليل الانفاق الحكومي العام وتنمية القطاع الخاص وجعله مستدام يخدم الناتج المحلي الاجمالي .

العراق تسنى له الحصول على كم هائل من المنح والقروض الدولية التي كان بالامكان تحويلها لخدمة الاستثمار في التنمية وتحسين البنى التحتية، حيث حصل العراق مابين الاعوام 2003 الى 2013 على حوالي 94 مليار دولار. ولكن الذي حصل هو ان العراق استخدم هذه القروض لصالح سد العجز في الميزانية التشغيلية خاصة بعد ازمة انخفاض اسعار النفط بعد 2014 وازمة الحرب على الارهاب التي اعادت العراق الى مرحلة الاقتراض الخارجي المخصص لدعم ميزانية الدفاع وهو ذات الفخ الذي وقع فيه العراق في الثمانينات والذي ادى الى تضخم ديونه الخارجية مع العجز عن السداد.

وفعلاً عادت ديون العراق الى التضخم مرة ثانية مع انخفاض قيمة خدمة الدين وبلغت ديون العراق في العام 2017 حوالي 122،9 مليار دولار استمر العراق بادارة العجز المالي عبر اللجوء الى الديون. ووصلت نسبة الديون 64%من قيمة الناتج المحلي الاجمالي وارتفعت الى 65% في عام 2018.

مستقبل ازمة الديون السيادية .. الحلول المفقودة

اعلنت وزارة المالية العراقية ان حجم الدين الخارجي للعراق وصل الى 135 مليار دولار وهو ما يمثل ما قيمته 90% من الناتج المحلي الاجمالي في وقت تعثرت الجهود الحكومية في اقرار الموازنة العامة التي يقدر حجم الالعجز فيها بحدود 67 مليار دولار. ولقد توقع البنك الدولي ان تستمر ازمة الديون السايدية في العراق بفعل انخفاض أسعار النفط والواردات غير الثابتة وأن يتم تمويل هذه الفجوة من احتياطيات البنك المركزي العراقي والبنوك المملوكة للدولة، مما يزيد من ضعف البلاد على المدى القريب.

وفي تقرير اصدره مؤخراً برنامج الامم المتحدة الانمائي في العراق بين ان حجم الديون السيادية للعراق من المرجح ان يتصاعد الى ما نسبته 87,0 % في عام 2022 مما يقود الى تعرض السياسات المالية في العراق الى مخاطر متزايدة على المدى القريب والمتوسط.

لا تزال الحكومة العراقية تعاني من عدم قدرتها على حسم استراتيجيتها المالية لادارة تضخم الديون السيادية، رغم ان اثار التعثر المالي وتضخم الديون السيادية باتت واضحة على الاقتصاد العراقي وبدأت الحكومة تعاني من اختلال الميزانية التشغيلية المخصصة لتسديد المرتبات والمستحقات التي باتت تستنفذ غالبية الدين العام الداخلي والخارجي. والواقع ان عدم وجود خطة او استراتيجية واضحة سوف يؤثر على قدرة الحكومة العراقية في الاقتراض حيث ان المقرضين الدوليين يبحثون عن ضمانات السداد التي تكون بضمان خطط اصلاح واقعية وثورية تقوم بها الحكومة مترافقة مع حزمة من الاصلاحات الجدية وهو ما يتم في الغالب من خلال عملية موجعة لتخفيض الإنفاق الحكومي وتقليص الواردات والنشاط الاقتصادي.

ان العراق يمر بظرف اقتصادي عالمي الاهو الاثار الاقتصادية لجائحة كوفيد-19 حيث انه من الدول التي يتوقع ان تقع ضمن دائرة الاكثر تأثراً من التبعات السلبية للوباء على انظمة السيولة المالية. كما انه من الدول التي تمر بظرف سياسي سيء بحكم ضعف انظمة الاستقرار السياسي وغياب اَليات البناء التراكي للسياسات الاقتصادية التي تساعد في بناء خطط الانقاذ الاقتصادي المتوسطة والقصيرة الامد، وعليه فان لامجال للشك بان العراق سيستمر في اعتماد الاقتراض الخارجي او الداخلي كوسيلة لسد العجز في ميزان المدفوعات. ولكن الخطر الاكبر يتجسد في التخبط السياسي وعدم وجود سياسات مركزية لادارة برامج الاصلاح الاقتصادي الذي يعني ان يخسر العراق الدعم الدولي وتصبح اي عملية اقتراض دولي عملية في غاية التعقيد ومترافقة مع عواقب اجتماعية واقتصادية مؤلمة.