ثلمة مقتدى الصدر.. مرتضى كزار

كتب مرتضى كزار:

مقتدى رمز ديني وإنساني فلا ينبغي المساس به وليس من الحكمة الهتاف ضده؛ وهو الداعم المساند والأب الرؤوم على طول الخط.
هذا المنطق أعلاه يراد تلقينه للعراقيين وضخه في رؤوسهم بالفعل والقوة والعاطفة والتزوير، وبالچلاليق إن لزم الأمر، وهو باطل لعدة أسباب:
أولاً: الرمز الديني عبارة حساسة في مجتمع متعدد المذاهب والألسن، ومقتدى ترك ثلمة في قلوب كل أطياف الشعب، بما فيهم المسيحيين الذين قتلهم أتباعه وهجّروهم إلى الشتات الأوربي والأمريكي في الأيام الأولى للاحتلال. لا يحق لك أن تغفر ذنباً لم تركتبه ولا يحق لك أن تسامح ما دمت لستَ الضحيّة، هذه أنانية وسوء تقدير.
الرمز الديني عباءة كبيرة لا تصمد على أكتاف مقتدى وتتهدل تحته، لأنه زعيم لجماعة مذهبية صغيرة صوتها عال بسبب الصورة العنفية التي تتصدرهم، والعنيف الذي يملك خزائن الوزارات والأتاوات يفرض حضوره ويشتري لنفسه عدسة مكبرة فنراه عملاقاً، عملاقاً؛ لأننا سمحنا لأنفسنا أن نندرس ونتبخر وننتحر ثقافياً، ونتمسح بأذيال من لا يجيد القراءة والكتابة والتفكير السوي وبناء جملة منطقية واحدة صحيحة؛ فتفرقنا وذهبت ريحنا.
أما مسألة «جمهور الفقراء» وأنه قائد الغر البائسين الذين يسكنون في الهامش، فهذه حيلة شاعرية لا صلة لها بالواقع ولا تصمد أمام الحِجاج المنطقي السليم، فالفقراء في كل مذاهبنا ومناطقنا وكثيرٌ منهم غير مقتدائيين، والمقتدائيون -أقصد هنا الفئة المقرّبة من السلطة – حصلوا على مغانم وفوائد وامتيازات وبعثات دراسية إلى تكساس وهيوستن ونيويورك، وشاهدناهم في عواصم العالم ينعمون بأموال الشعب ويهرفون من قوته، ويسكرون ويعربدون.
فالفقير قد يكون مقتدائياً و ليس كل فقير هو مقتدائي، مثلما؛ ليس كل وطني هو مقتدائي، فالوطنية ليست بالنوايا ولا هي من أفعال القلوب وحدها، فحتى صدام حسين، الطاغوت الذي فقست تحته كل هذه الأفراخ الوحشية، كان وطنياً وطنياتياً.

ثانياً: هذه التظاهرات متهمة بمقتدى، وهناك جماعة من الناس لا تؤيد مقتدى، هل نحرقهم أو نرميهم من شاهق؟.
هل نعذبهم ونقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؟.
من حق هؤلاء أن يقولوا كلا لمقتدى من باب الحفاظ على حقهم في التمايز والاختلاف السلمي، فالهتاف والنقد والشتيمة، هي أفعال سلمية، ألم تقل لي إنّ مقتدى رمز ديني ومرموز رافديني قديم ورقم طيني محفور على جدران بابل وأكد وآشور؟، خلاص، دعهم يخالفوك الرأي وينتقدون هذا الرمز، وكن أنت ديمقراطياً قليلاً -قليلاً – واسمح لهم بذلك.

ثالثاً: حسرة السيد كبيرة على ما حدث ولعله أسوأ يوم في حياته، لذلك ارسل إنذار جيم إلى كل مدونيه ومثقفيه وشعرائه وندمائه كي يغسلوا خيبته وفشله في أن يحافظ على توازنه فوق حبل التحالفات والمراهنات، وفي غضون ساعات سجل منشديه الأغاني وكتبت المنشورات للنيل من المتظاهرين العزل.
حسرته كبيرة لأن فلم «عودة السيد إلى صباه» قد بدأ للتو، خلال السنوات الماضية أهرق السيد، أمير الأكابر وصاحب الجينات المقدسة، على نفسه أرطالاً من المعقمات والمنظفات والمطهرات كيما يتخلص من سيرته المليشياوية الصكاكية الراسخة في تاريخ عراقنا المعاصر؛ لكنها لم تفلح في قهر رائحته المضمخة بدماء الأبرياء وعرق الفقراء، أتعب نفسه ليستبدل جمهوره الذي يحتقره ويرى بأنه «ستة بربع» بجمهور مدني نوعي، غير أنه لم ينجح، وصار واثقاً أن جمهوره غير قادر على التغيير لأنه جمهور كمي .. ولم يعد أمامه إلا أن يعود إلى صباه.
يستسلم لحالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي التي عمّت العراق بأكمله والتي يمكن أن تقود إلى انقسام مجتمعي، يستسلم لها وهو يغرد ويتجشأ.

رابعاً: هو الذي بدأ التعدي والإساءة والتحريض على المتظاهرين من غير أتباعه، يصفهم بالعمالة والمأجورية تارة، وبالرؤوس العنيدة تارة أخرى حينما يرفضون مرشحيه، خلايا دماغ مقتدى لا تستطيع استيعاب أن هناك من ينتقده دون أن يكون مأجوراً، لأنه مأزوم ويشعر بالضعة أمام صنعة الكتابة، لذلك تراه يلحن في اللغة ويكتب سجعاً فجاً متكلفاً يذكرنا بخواطر المراهقة وأيام المدرسة الثانوية، لديه شعور بالنقص الحاد إزاء المتعلمين، يكرههم ويحرض ضدهم ويطرب لشتيمتهم وتقريعهم من قبل أنصاره في السوشل ميديا الذين أدمنوا الإرهاب الإلكتروني. المختلف معه لابد أن يكون مأجوراً لأن الكتابة والاعلام في وعيه هي مهن مدفوعة والكاتب عنده مثل ماكنة القهوة أو الطاهي الآلي، تشبع كرشه لحماً وخمراً فيكتب لك، وفي أسوأ الأحوال يتهادن معك ولا يضرّك.