حرب التحصين والتحور .. أصعب أوقات “جائحة كورونا” لم تأت بعد !

يس عراق – بغداد

الذين توقعوا أن 2021 سيكون مختلفا عن 2020 ثبت أنهم على صواب – لكن ليس بالطريقة التي يريدها أي شخص. على الرغم من وجود كثير من لقاحات كوفيد – 19 الفعالة، يبدو أن المملكة المتحدة وكثير من الدول الأوروبية والولايات المتحدة والبرازيل تتجه نحو أحلك لحظات الجائحة.

عدد الأشخاص الذين ثبتت إصابتهم في المملكة المتحدة الآن يتجاوز بشكل روتيني 50 ألف شخص في اليوم. تتزايد الإصابات في لندن وشرقي إنجلترا والجنوب الشرقي، وتعد مستقرة في مناطق أخرى حيث تنخفض المعدلات. يحدث هذا على الرغم من إغلاق الجامعات والمدارس بسبب العطلات الموسمية وتأجيل عملية إعادة الفتح الكاملة.

عدد الأشخاص المصابين بكوفيد – 19 في المستشفيات أعلى بالفعل من ذروة نيسان (أبريل). أخبرني السير جيريمي فارار، مدير صندوق ويلكم ترست ومستشار الأوبئة، أننا تجاوزنا مرحلة تعرض هيئة الخدمات الصحية الوطنية لخطر الانهيار، لأن أجزاءها تنهار بالفعل. موظفو الرعاية الصحية ـ الموظفون الرئيسون أنفسهم الذين يتم استدعاؤهم لطرح اللقاحات ـ مرهقون. كثير منهم منعزلون أو مرضى. نظام المستويات الحالي لا يخفض معدلات العدوى.

الوضع خطير للغاية لدرجة أن الإغلاق الوطني، بما في ذلك إغلاق المدارس، يبدو حتميا. يقول جيريمي: “ما أصبح لدينا الآن هو شهران أو ثلاثة أشهر من شيء سيبدو (…) أسوأ، بل هو أسوأ من آذار (مارس) ونيسان (أبريل)”، مضيفا أن المدارس قد تضطر إلى الإغلاق في شباط (فبراير) نظرا لانتشار الفيروس المتحور الجديد في الشباب، ما قد يحول المدارس إلى مصادر أكثر خطرا لانتقال العدوى.

الحقيقة هي أن هناك تفشيا، يغذيه في المملكة المتحدة مزيج من فيروس متحور جديد معد أكثر بنحو 50-70 في المائة، إضافة إلى رفع القيود في بداية كانون الأول (ديسمبر) عندما كان رقم R (تكاثر الفيروس وانتقاله) يحوم حول 1.

الإغلاق سيؤدي إلى حرمان الفيروس من الاتصال البشري الذي يتغذى عليه ويوفر مساحة للتنفس، تتيح الإسراع بإطلاق اللقاحات والتغلب على الفيروس، كما تتيح الحصول على نظام اختبار مناسب وتشغيله في المدارس كي يتسنى إعادة فتحها بثقة مع انخفاض رقم R، وفوق ذلك تسمح للوزراء أن يظهروا الصدق والتواضع بشأن التحديات الهائلة التي لا تزال تنتظرهم. لا ينبغي أن يكون الوعد باللقاحات إشارة إلى التراخي، بل يجب أن يكون حافزا للحد من انتقال العدوى، بحيث يكون للفيروس فرص أقل للتحور قبل أن يتم تحصين الناس.

لم يكن هذا السباق بين التحصين والتحور أكثر إلحاحا من أي وقت مضى – وهي حقيقة معترف بها في قرار المملكة المتحدة العملي بتأخير اللقاحات المعززة بحيث يمكن إعطاء مزيد من الأشخاص الجرعة الأولى. الفيروس المتحور ذو القابلية الفائقة لنقل العدوى، حتى لو لم يكن أكثر شدة من سابقيه، فهو مثير للقلق للغاية.

حسابات العدوى تعني أن المزيد من الإصابات، كما هو الحال مع سلالة B.1.1.7 السائدة حاليا في المملكة المتحدة، تترجم حتما إلى المزيد من الوفيات (على الرغم من التحسينات في العلاجات ورعاية المرضى). إضافة إلى المآسي الشخصية التي تأتي مع زيادة العدوى، فإن الانتقال غير المقيد ينطوي على خطر إحداث المزيد من التغيرات التي يمكن أن تجعل الفيروس يتجنب اللقاحات الحالية. تعتبر البرازيل والهند والمكسيك من البؤر التي تجب مراقبتها.

وفقا لمنظمة الصحة العالمية، الفيروس المتحور الأكثر إثارة للقلق الذي تم الإبلاغ عنه لأول مرة من جنوب إفريقيا تم تسجله في أربع دول أخرى على الأقل، بما في ذلك المملكة المتحدة. هذه السلالة، المعروفة باسم 501Y.V2، أظهرت بعض المقاومة للأجسام المضادة وحيدة النسيلة، وهي علاج يحتمل أن يكون واعدا. يمكن أن يظهر فيروس متحور جديد في أي بقعة وينتشر في كل مكان، ما يجعل السباق لقهر فيروس كورونا جهدا عالميا، يتجاوز الأوطان.

إذا كان 2020 قد علمنا شيئا فهو أن الدول لا يمكنها أبدا التصرف مبكرا وأن تأجيل الأمر المحتوم يؤدي إلى ألم طويل الأمد. يشير تحليل أجرته جامعة إمبريال كوليدج لندن أخيرا إلى أن الإغلاق مبكرا قبل أسبوع واحد في موجة الربيع الأولى كان سيخفض الوفيات في المملكة المتحدة من نحو 37 ألفا إلى نحو 16 ألفا.

تثبت كل من تايوان وفيتنام ونيوزيلندا أن التدخل المبكر القوي يؤدي إلى وجود سكان أصحاء قادرين على المشاركة في اقتصاد سليم. إن السير في طريق وسطي بين الصحة العامة والاقتصاد، مثلما حاولت المملكة المتحدة منذ آذار (مارس)، هو نصف تدبير لا يحمي أيا منهما. هذا الأمر يشبه محاولة إبقاء الطريق السريع مفتوحا بعد اصطدام كبير على أمل أن يتمكن السائقون من الانحراف لتجنب الحطام، بدلا من إغلاق الطريق وتنظيفه حتى تتدفق حركة المرور بشكل طبيعي. المزيد من الاصطدامات تنتج ببساطة المزيد من الحطام والإصابات.

في النهاية، سيتعين إغلاق الطريق على أي حال وسيستغرق تنظيفه وقتا أطول. كان هذا هو النمط المتبع مع عمليات الإغلاق في المملكة المتحدة في 2020. فقط إذا تصرفنا بسرعة أكبر، هناك فرصة أن يكون 2021 مختلفا.