حكومة الانتخابات.. هشام الهاشمي

كتب الخبير بشؤون الجماعات الإسلامية هشام الهاشمي:
لا يحتاج الحديث عن ضرورة وجود آلية مناسبة وملزمة لصناعة استجابة لمطالب المتظاهرين السلميين إلى الكثير من الشرح والتفصيل. نحن اليوم امام إجـماع أو شـبه إجـماع بـين مختلـف مكونـات وثقافات الشعب العراقي على هذه الآلية، فهي حاجة وطنية، وهي مطلب شعبي، وهي سلوك طبيعي للانتفاضات الشعبية الصامدة والجادة.
أوجد تكليف المهندس محمد توفيق علاوي الذي وقعه رئيس الجمهورية بعد التفاهم مع قيادة سائرون والفتح وبارك له فيه أحزاب محدودة وسفارات مؤثرة في القرار العراقي، في اليـوم التالي ظهرت حالة من عدم الارتياح في أوساط ساحات التظاهرات لهذا التكليف نتج عنها سقوط ضحايا في ساحة الصدريين في محافظة النجف.
وبغض النظر عن البيان والنوايا الحسنة لأي طرف، فإن هذا التكليف قد يكون مصيره الفشل إذا لم يتم علاج مطالب ساحات التظاهر الأساسـية بكـل جديـة وشـفافية، وسوف تضطر حكومة الانتخابات الى الاعتذار عن التكليف مبكرا…
لقد اظهر الرئيس المكلف محمد علاوي عدم مسؤوليته عن إيقاف العنف ضد المتظاهرين كون السلطة لا تزال بيد الرئيس المستقيل، ولكن عليه ان يستعجل في اعلان كابيتنه الوزارية، إذ كـان ينبغـي الانتهـاء مـن الملفـات الخمسة الرئيسية التي ترجع غالب المتظاهرين الى بيوتهم؛ اطلاق سراح جميع المعتقلين منذ ١ تشرين الأول ٢٠١٩ ولغاية نيل الحكومة ثقتها، ومحاكمة الذين اشرتهم لجنة نوري الدليمي الوزارية ولجنة محمد رضا الحيدري البرلمانية ولجنة مجلس القضاء الأعلى حيث بلغ عديد المتهمين بإصدار أوامر استخدام العنف ضد المتظاهرين خلافا للأوامر الخاصة في التعامل مع التظاهرات والتجمعات الغاضبة الى ٧٣-٨٠ ضابطا برتب عسكرية مختلفة، والاتفاق على حكومة تكنوقراط مستقلة تضمن تمثيل كل المكونات العراقية الكريمة، وتحديد تاريخ ملزم للانتخابات القادمة، وتعويض عوائل الشهداء براتب تقاعدي اسوة بشهداء العمليات الإرهابية.
على الرئيس المكلف ان يدرك انه مراقب من قبل المتظاهرين وأنه عليه اثبات تعهداته الجـادة في عمليـة انهاء الهيئات والمكاتب الاقتصادية، ونزع سلاح الفصائل والعشائر خارج القانون، كما أن طرفي الانقسام “الإسلاميين والمدنيين” في ساحات التظاهر ما زالا يراهنـان عـلى عامـل الـزمن وتغـير الظـروف لصـالح أحـد الطرفين، ليفرض شروطه في النهاية على الطرف الآخر.
معوقات نيل كابينة علاوي الثقة:
1. يــرتبط جانــب مهــم مــن الخــلاف بــين قيادة حزب الدعوة جناح المالكي مع شخص الرئيس المكلف محمد علاوي، وبإمكانه تجاوز ذلك بإجراء مصالحة يسهل لها الأستاذ عزة الشابندر وهو قريب من طرفي الخصومة، وخاصة ان الخلاف لم يكن بمســائل ذات طبيعــة أيديولوجيــة واستراتيجية تمس بشكل مباشر الخطوط الحمراء، ومسار العمل الحزبي وهويتـه، وهناك خلاف يرتبط بالدكتور اياد علاوي وهو على ما يبدو عائلي وبإمكان الاستعانة بالأستاذة ميسون الدملوجي لأنهائه، واخر يرتبط بالشيخ الخزعلي الذي اشترط التنازل عن الجنسية غير العراقية، وهذا ليس صعبا على علاوي ان يلتزم به، وخلاف مع الكرد في سياق المشاورات الخاصة بحصة المكون، وأيضا بإمكانه الاستعانة بالشيخ فالح الفياض وبالأستاذ مشعان الجبوري والاء الطالباني لأنهاء هذه العقدة، واما العرب السنة فإمكانه مباشرة الحوار والمشاورات مع رئيس البرلمان الحلبوسي وهو محفز نحو تسهيل منح الثقة للحكومة، والشيخ خميس الخنجر الذي لن يختلف مع تفاهمات تحالف البناء والأستاذ أسامة النجيفي اول من بارك التكليف والأستاذ رشيد العزاوي، كل على حدة.
2. أظهرت تظاهرات تشرين ٢٠١٩ قوى وطنية تمثل قطاعات عريضة من الشـعب العراقي، مثـل جماهير ساحات النجف وذي قار والبصرة وبغداد..، دون أن تمثل في تنظيمات حزبية او سياسية معروفة من قبل، وبالتالي لم تعـد الأحزاب المسيطرة تشـكل مرجعيـة ومظلـة حقيقيـة لمكونات الشعب العراقي وثقافاته، هذه التجمعات ينبغي ان ينتمي اليها محمد علاوي، نعم، اغلبها رافضة لتكليفه، لكن عليه ان يقترب منهم بالنية الصادقة والعمل الذي يبرهن انتمائه لهم، فهو بدون حزب او تنظيم سياسي، ولن يحميه من الأحزاب المسيطرة الا الشعب.
3. تكرست في الشهور الماضية أزمة ثقة بالنظام السياسي والقوات الأمنية والديمقراطية وخصوصا بين أحزاب من البيت السياسي الشيعي وجماهير من ساحات التظاهر، بسـبب السـلوك عــلى الأرض، وما نتج عن ذلك من قمع وفلتان أمني، وانقسام في المواقف من النفوذ الإيراني والامريكي.
هذ عقبة كؤود وهي مولدة لكل ما قبلها من العقبات، وتجاوزها يحدده مستقبل الشراكة في صناعة القرار الوطني العراقي، بين الحكومة القادمة ومرشحي ساحات التظاهر.
ولن تستطيع حكومة الانتخابات بمجرد نيلها الثقة البرلمانية ان تخفـف مـن عدم ثقة الشعب بها إلا بعد الاستجابة لطلباته …الأمنية والسياسية والاقتصـادية …وغيرهـا.

السيناريوهات المحتملة لكابينة محمد علاوي:
1-اقتسام السلطة مع الأحزاب المسيطرة: ويعني اسـتمرار حالـة حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة مـن الناحيـة الفعليـة مـع اسـتمرار التظاهرات الشعبية الغاضبة والإجراءات البطيئة والشكلية التي لا تحل جوهر الازمة. وهي الحالة التـي يعبر عـنها الوضـع ِّالراهن.
2-فرض إرادة المتظاهرين والمرجعية بإعلان كابينة مستقلة غير حزبية يعطي دفعا قويا لبناء شراكة جادة مع الجماهير المتظاهرة، لكنها مغامرة فقد تفشل الكابينة من نيل الثقة، وربما تنجح بعد يأس أي من الطرفين من قدرته على فرض شروطه على الآخر، بشرط تصاعد الضغوط الشعبية.
3- الذهاب بالكابينة بحسب فرضية النائب محمد الخالدي الذي أعلن ان لديه ١٧٠ نائبا هم كتلة برلمانية ساندة للرئيس المكلف، وهنا لا حاجة لكل الحوارات مع الكتلة السياسية المسيطرة في البرلمان، لكن هناك حاجة ماسة لأثبات صحة ثبوت التزام النواب الموقعين للخالدي، فالذهاب الي البرلمان بدون ترتيب ذلك سيكون فشلا ذريعا.

المخرج المقترح:
أولا: ربما كان على الرئيس المكلف ان يعطي ضمانات للساحات من خلال الاقتراب من مرشحي ساحات التظاهر وخاصة من لم يوضع على صورته علامة “اكس” وهم اقل من 6، وهذا يقدم اسنادا جماهيرا لأدائه في الشهور القادمة؛ وإذا حصل عجز او تقصير يتقاسمه الجميع، ويعتذر من أوجه الضعف والقصور بروح وطنية مسؤولة.
ثانيا: على الجماهير ساحات التظاهر الوصول إلى قناعة حاسمة بـأن “اللعبـة الصـفرية “بأن يربحوا كل شيء وتخسر الأحزاب المسيطرة كل شيء ليست مجدية، وستؤدي في النهايـة إلى إطالـة أمـد الأزمة، وإلى خسارة الطرفين. وبالتالي فلا بد مـن اللجـوء إلى لعبـة “الكـل يـربح ” بأن يتعاون الطرفان بصدق على إنجاح المشروع الوطني الديمقراطي.
ثالثا: على فريق الرئيس المكلف البدء فورا بمجموعـة مـن مبـادرات بنـاء الثقـة عـلى الأرض تشـمل إطـلاق سجناء المتظاهرين وإطلاق الحريات للمؤسسات الإعلامية والأفراد، وفـتح المجـال للعاطلين عن العمل للاسـتفادة في المؤسسـات الحكومية والعامة من كافة الطاقات الوطنية على اختلاف انتماءاتها، خاصة بعد البدء بتطبيق قانون التقاعد.
رابعا: البدء وقبل كل شيء بإقرار قانون الانتخابات منصف للمتظاهرين وتحديد وقت معلوم للانتخابات المبكرة وتسهيل الاشراف الاممي النزيه، وتسهيل للأحزاب والتنظيمات القادمة من ساحات التظاهرات بالتسجيل والاعلان عن افكارها وخطابها بكل حرية من اجل صناعة أكثرية لخوض الانتخابات القادمة.
ولتشكيل مظلة وطنية حاضنة لكافة القوى العراقية، بحيـث يقوم العراقيون تحت سقفها بإعادة تنظيم صـفوفهم وترتيـب أولويـاتهم، وتحديـد برنـامجهم المرحلي والاستراتيجي.
إن الانشغال بهذا المسار يوفر مزية الاتفـاق عـلى المرجعيـة الوطنيـة وعـلى الأمور الكلية.