حماية الاجيال السابقة.. حماية الاجيال المقبلة.. عبد الحميد الصائح

كتب: عبد الحميد الصائح

لم أفاجأ لحظة بمستوى الترويع والمبالغة الذي طغى على خطاب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وهو ينذر شعب بريطانيا البالغ ثمانية وستين مليون نسمة تقريباً بانهم أمام الابادة والهلاك وعليهم مواجهة فقدان الاحبة المفاجيء جراء فايروس ( كورونا)  ، بل ذهب مستشار حكومته الى التخريف ابعد من ذلك  وهو يتحدث عن سياسة اسطورية تقضي بتعرض ثلثي الشعب للاصابة، من يموت يموت ومن ينجو يكتسب المناعة ضد الفيروس ليواصل  انجاب وحماية الاجيال السابقة وهو مايسمى ( مناعة القطيع) ! حلول الخيال العلمي هذه ، التي تذهب الى اقصى المخاطر وتبدأ عادةً من النهايات ، رغم الخلاف العلمي والإعتراض الأخلاقي والجدل السياسي حولها الا أنها واحدة من الأدوات المتاحة للسيطرة على لجام مجتمع  عجيب في تنوعه ، حيث  لايوجد شعب على وجه الارض ليست له جالية في بريطانيا ، في مركز عاصمتها يتم تداول أكثر من مئة وخمسين لغة ، وحتى  وقت قريب لم تكن اجادة اللغة الانكليزية شرطا للتجنس ، ثقافات شتى ، بل إن جميع الأديان والمذاهب والملل والنحل لمختلف الشعوب تحيا وتتحرك وتمارس طقوسها في مجتمع لايجانسه ولايربطه ولايحد من مخاطره سوى القانون ، القانون الذي هو الديكتاتور الجبار الوحيد في هذا البلد ، لاياتيه التدخل من اية سلطة سوى سلطات المؤسسات المستقلة.

ليس من السهل ان تقنع الحكومة شعبا كهذا ، بان تعاونه في عزلته وتقييد حياته  وعنايته واستجابته للتعليمات والارشادات تمثل ثلاثة ارباع النجاة من الفيروس ، وليس من الحكمة طمأنة هكذا مجتمع بان كل شيء تحت السيطرة وان العمل جار للخروج من مأزق هذا الوباء العظيم .. لذلك كان خيار اثارة الرعب والهلع ، بل التهديد الرسمي بخيارات الذهاب الى الابادة والتلويح بمناعة القطيع ، أو حجز كبار السن والاشارة الى ثقل العناية الحكومية بصحتهم وشؤونهم الاخرى وهي تعلم جيدا أن قرارات كهذه لاتصدرها سلطة تنفيذية في لحظة غضب او ارتباك ، بل عبر قوانين وجدل اجتماعي وسياسي ليس يسيرا. . لكن هذا الاسلوب اسلوب الصدمة والتخويف والتخريف والتهديد والوعيد الذي اطلقته الحكومة  كان بمستوى الرعب والغموض الذي يسببه الفيروس أصلا  وهو ما جعل الناس تتراكض في الشوارع وتتبضع لما يكفيها لعزلة غير محددة . سبيلا الى تعاون مشترك بين الحكومة والشعب لانقاذ مايمكن انقاذه من الآن حتى اشعار آخر.