دونالد ترمب يشعل حربا باردة مع الصين للفوز بالانتخابات.. باتريك كوبيرن

كتب: باتريك كوبيرن

“ارحلا إلى الصين!” تصيح امرأة في دنفر بولاية كولورادو في وجه عاملين في أحد المستشفيات، بينما يقفان أمام سيارتها لمنعها من المشاركة في احتجاج ضد الإغلاق المرتبط بفيروس كورونا. ويدل صراخها على أن الرئيس ترمب أخذ يحقق بعض النجاح في شيطنة الصين. فهو يقول إنه على “درجة عالية من الثقة” بأن الفيروس القاتل قد تسرّب من مختبر في ووهان، على الرغم من أنه لا يستطيع الكشف عن مصدر معلوماته.

ويعتبر مستوى الكذب الذي يَصدر من ترمب أعلى بكثير من ذلك الذي استُخدم للترويج لحرب العراق، بالادعاء أن صدام حسين كان يمتلك أسلحة دمار شامل. في ذلك الوقت أيضاً، كانت هناك قصص عن مختبرات سرية تطور أسلحة بيولوجية. وعلى الرغم من تخلص ترمب  من رؤساء الاستخبارات الأميركية وإحلال أنصاره في محلهم، لم يقتنع هؤلاء الجُدد بنظرية المؤامرة التي اختلقها حديثاً. فقد أشار بيان صادر عن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ريتشارد غرينيل أن ” الاستخبارات تتفق أيضاً مع الإجماع العلمي الواسع على أن فيروس كوفيد-19 لم يكن من صنع الإنسان أو معدلاً وراثياً”.

إن الغرض من أكاذيب ترمب ليس الإقناع بالحجج العقلانية، بل الهيمنة على الأخبار بمزاعم شنيعة. وقد سبق أن نجحت له خدعة العلاقات العامة البسيطة هذه على نحو جيد، لكن إلقاء المسؤولية على الصين قد لا يكون كافياً لصرف الانتباه عن الثمن الذي دفعه الأميركيون بسبب سوء إدارته الجسيمة للوباء.

وتحكي أعداد الضحايا قصة قاتمة خاصة. ففي الصين، كانت هناك 84 ألفاً و 373 حالة إصابة بالمرض و4643 حالة وفاة (وقت كتبة هذا المقال)، بينما في الولايات المتحدة هناك أكثر من 1.1 مليون حالة إصابة و64460 حالة وفاة (وقت كتبة هذا المقال). سيزعم الموالون لترمب أن الصينيين يكذبون، ولكن عليهم بعد ذلك تقديم تفسير لانخفاض الخسائر في الأرواح في كوريا الجنوبية وسنغافورة وتايوان.

وعلى الرغم من فجاجة هذه الاستراتيجية، فقد تنجح شيطنة الصين وتصويرها باعتبارها “الخطر الأصفر” يوم الانتخاب. وفي هذا الصدد، دعت اللجنة الوطنية لجمهوريي مجلس الشيوخ في مذكرة من 57 صفحة المرشحين الجمهوريين بأن “لا تدافعوا عن ترمب، إلا في حظر السفر من الصين – هاجموا الصين”.

كانت تلك توصية بكيفية دحض الانتقادات الموجهة لإجراءات الرئيس. وموازاة معها، يتعرض جو بايدن، المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي، للسخرية من قبل الجمهوريين الذين ينعتونه بـ”بايدن بكين”. فخلال الوباء، يشعر الناس بالخوف ويبحثون عن كبش فداء، حينها يكون الأجانب في الداخل والخارج هدفاً واضحاً. وعندما يكون 30 مليون أميركي عاطلين من العمل، ربما لن تفلح سوى نظرية المؤامرة التي تحركها الكراهية في إبقاء ترمب في البيت الأبيض.

الكثير من أولئك الذين استخدموا أسلحة الدمار الشامل ذريعة لشن حرب طاحنة ضد العراق في عام 2003، هم نفس الأشخاص الذين يروجون اليوم لحرب باردة ضد الصين. وينطوي نهج ترمب على درجة غير عادية من انعدام الإحساس بالمسؤولية، حيث يشن حربه الباردة ضد الصين في ظل الحاجة لتكاتف الجهد الطبي والاقتصادي العالمي لمواجهة فيروس انتشر من طاجيكستان إلى أعالي الأمازون، ولا يمكن قمعه أو احتوائه إلا من خلال إجراءات دولية.

ويمثل هذا التهديد العالمي غير المسبوق سوءَ حظ تاريخياً كارثياً بالتأكيد للدول للقومية المستقلة التي بدأت تظهر مجدداً، إذا اعتبرنا أنها اختفت أصلاً، كلاعبين أساسيين على المسرح الدولي على حساب المؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي كانت تخسر نفوذها قبل الجائحة وتعرضت للتهميش منذ ستة أشهر. ولم تستعد الدول القومية نشاطها فحسب، بل أصبحت تدار بشكل متزايد من قبل زعماء الشعوبية اليمينية المتطرفة، ومن بينهم ترمب الذي لا يُعتبر سوى أحد الأمثلة الأكثر جنوناً. وقد أثبت معظم هؤلاء عدم كفاءتهم الكبيرة في التعامل مع الجائحة، ولا يُحتمل أن يفضل أي منهم التعاون الدولي.

غير أن المشكلة الحقيقية هنا تكمن في الولايات المتحدة. فالمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية لا تمارس نفوذها الحقيقي إلا عندما تدعمها واشنطن. وعلى الرغم من اتهامها كثيراً بكونها دمى أميركية، فقد كانت تتمتع بدرجة من الاستقلالية والفعالية، لأن الولايات المتحدة كانت بحاجة إلى الاستعانة بأطراف خارجية من أجل الحفاظ على هيمنتها العالمية. واليوم يتخلى ترمب عن هذه المعادلة.

لقد بدأت الحرب الباردة الجديدة ضد الصين تكتسب زخماً خلال الفترة ما قبل الجائحة، وكانت المؤسسات السياسية الغربية تتأرجح منذ فترة طويلة بين معارضة الصين كقوة عظمى منافسة والاستفادة منها كقوة اقتصادية ساعد توسعها الهائل، وإن كان مدعوماً بالديون، على إخراج بقية العالم من الركود بعد عام 2008.

لقد خاضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الحرب الباردة بعد عام 1945 ضد الاتحاد السوفياتي حتى انهياره عام 1991. وتزامن ذلك الانهيار بعد الثورة الإسلامية عام 1979 مع حرب باردة ضد إيران والعراق اللتين تم تصويرهما بالتناوب على أنهما مصدر كل الشرور. ومن غير المرجح أن يخفّض ترمب إيران من مرتبتها الشيطانية الحالية، لكن من الواضح أنه عازم على تصوير الصين دولة شريرة بنفس القدر. وفي الأشهر المقبلة سيتم تقديم العديد من الأسباب المستساغة سياسياً لذلك، لكن التهمة الحقيقية ضد الصين هي التي تتعلق بالفعالية. فقد أظهرت نفسها أكثر كفاءة من الدول القوية الأخرى في التعامل مع أزمتين عالميتين: الأزمة المالية لعام 2008 وجائحة 2019-20.

صحيح أن تراجع الولايات المتحدة بصفتها قوة عظمى لا يشمل كل المجالات، فما زالت تلعب دوراً مهيمناً في النظام المالي العالمي. لكن حربيها بعد أحداث 11 سبتمبر في العراق وأفغانستان أظهرتا أن قواتها المسلحة لم تستطع تحقيق النصر على الرغم من الإنفاق الضخم عليها. كما تظهر الجائحة أن نظامها الصحي باهظ التكلفة كذلك غير متكافئ وغير مناسب.

في هذا الصدد، يعتبر ترمب من أعراض – وأيضاً من مسببات – الاستقطاب الذي يشهده النظام السياسي الأميركي، المنقسم حالياً أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء الحرب الأهلية في عام 1865. ومع ذلك، فإن التراجع الأميركي هو أكبر بكثير من الصعود الصيني، على الرغم من الأهمية المحتملة لهذا الأخير. لذلك من السذاجة أن نتخيّل أن بكين ستحل محل واشنطن في أعلى سلم الترتيب.

وفي الواقع، لن يحل أحد محل الولايات المتحدة، لكن سيكون هناك اندفاع لدول أخرى نحو ملء الفراغ الذي يخلفه غيابها. لقد كان سيحدث الكثير من هذا على أي حال مع تآكل التفوق الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة. لكن عملية التحوّل هذه تم تسريعها نتيجة عاملين غير متوقعين يتمثلان في انتخاب ترمب رئيساً في عام 2016 وجائحة كوفيد-19. فقد أصبح العالم الآن مليء بالدول القومية، وليس فقط الصين، التي ترى التهديدات والفرص من حولها، وستكون النتيجة اضطرابات متزايدة باستمرار.