دون تعديلات أو تحفظات.. انطلاق الضوء الأخضر لتفعيل “الورقة البيضاء”.. العراقيون بمواجهة “الاصلاحات القاسية” رسميًا

يس عراق: بغداد

دعت اللجنة المالية النيابية في مجلس النواب، اليوم السبت حكومة رئيس مجلس الوزراء، مصطفى الكاظمي، إلى البدء بتنفيذ بنود الورقة البيضاء.

وتضمنت وثيقة صادرة من اللجنة وموجهة إلى رئاسة مجلس الوزراء، أنه “انطلاقا من المسؤولية التضامنية لمجلس النواب العراقي، ممثلا باللجنة المالية النيابية، ندعوكم للشروع بتنفيذ بنود الورقة البيضاء التي قدمت من قبلكم الى اللجنة المالية”.

وأضافت: “كون أن أغلب ما ورد فيها يقع ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية على أن تحدد التوقيتات الزمنية اللازمة للتنفيذ، والمؤسسات المسؤولة عن تنفيذها، ليتسنى مراقبة الأداء وتقييمه”.

وأكملت: “نود أن نرسل لكم بعض الإجراءات الاصلاحية العاجلة الاضافية والمقترحة من قبل اللجنة المالية، والتي يمكن أن تنعكس إيجابا خلال الأمد القريب لمعالجة الأزمة المالية والاقتصادية التي يمر بها البلد، راجين العمل بها”.

 

 

ماذا ستحقق الورقة؟

وفي وقت سابق كشف المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح أن الورقة البيضاء ستحقق:

 

اولا: الاستدامة المالية:

أ. تهدف الورقة البيضاء إلى استعادة توازن المالية العامة للبلاد التي تمسك الحكومة بالثروة عموما وبمكونات الناتج المحلي الإجمالي وبنسبة 13% خصوصا ذلك من خلال هيكلة المبادئ التوزيعية والتخصيصية في موارد الموازنة العامة الاتحادية التي يشكل الانفاق فيها قرابة 40% من الناتج المحلي الإجمالي والتي ستأخذ في الأمدين المتوسط والبعيد تعديل في اهدافها ذلك بإعادة رسم هيكلية النفقات والإيرادات ولاسيما التصدي لانحراف الأنفاق التشغيلي الحاد وهو ذو طبيعة استهلاكية متعثرة الانتاجية لقاء اهمال الانفاق الاستثماري الحكومي وهو الاهم في مستقبل البلاد وازدهارها، ما سبب تدني في النمو الاقتصادي على مدى عقد ونيف من الزمن. لذا فإن تعثر النشاط التنموي الحكومي قد شكل عقبة في تطور البنية التحتية للعراق وعرقل الانتقال إلى أهداف التنمية المستدامة التي تتطلب في الغالب نموا في الناتج المحلي الإجمالي السنوي لا يقل عن ۷٪ (أي أكثر من ضعف نمو السكان أو نمو القوى العاملة).

ب۔ فثمة مسار جاءت به الورقة البيضاء لسحب إيرادات النفط واعادة تخصيصها نحو مبادئها الانمائية بكونها اصول رأسمالية تستثمر لتعظيم النمو والدخل والتوقف من ان تنزلق تلك الموارد وتبدد نحو ظاهرة الانفاق التشغيلي في المرتبات الحكومية التي شكلت ۲۵٪ من الناتج المحلي الإجمالي أو تبتلع حاليا تلك المرتبات والمعاشات والمنح إيرادات النفط كلها والديون الداخلية والإيرادات غير النفطية لتصبح الموازنة ومواردها ذات میول استهلاكية صرفة في اقتصاد يفتقر إلى التنمية. فاعتماد الورقة نحو المستقبل البعيد سيسحب البساط من جاذبية الوظيفة العامة لمصلحة الموازنة الاستثمارية من خلال التصدي إلى الانفاق الاستهلاكي أو الجاري الحكومي وفي مقدمتها الافراط في الرواتب.

وخلص الى انه بناء على ما تقدم فإن من أولى مهام الورقة البيضاء هو جعل الرواتب والمعاشات الحكومية أن لا تزيد نسبتها في الأمد البعيد على 12.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بدلا من 25 بالمئة والتي تبتلع حاليا كما، نوهنا، الإيرادات النفطية وغير النفطية والدين العام الداخلي في معظمه وهو امر في غاية الخطورة في بناء مستقبل العراق الاقتصادي وتعاقب اجياله البشرية واحداث تراكم رأسمالي مهم يؤسس لقاعدة انتاج وطني واسع.

وتابع: الا ان هذه النسبة وانخفاضها لا تعني خفض الرواتب والمعاشات بل سيرتبط تصاعدها بالنمو المزدهر في الناتج المحلي الإجمالي نفسه الذي سيتسع ويتنوع ويتعاظم في نموه مستقبلا إذا ما التزم بالمبادي الاصلاحية.

واشار الى ان ما تستهدفه الورقة هو توسيع فرص التشغيل في النشاط الخاص ذلك لوجود قوة عمل سنوية مضافة تقدر بنحو 400 ألف فرصة من طالبي العمل الجدد وارقام نمو متصاعدة في عرض العمل مستمرة سنوية، ولا بد من امتصاصهم في النشاط الخاص وجعل الوظيفة العامة في الوقت نفسه أكثر انتاجية.

وبين ان اللافت أن الدعم في الموازنة العامة مازال يستوعب قرابة 50% من نفقاتها وهو دعم مشوه في تركيباته ويوجه في جانب منه للقطاع العام الحكومي ومنشآته المتوقفة عن العمل منذ عام ۲۰۰۳ وبعدد عاملين يقترب من نصف مليون عامل، فضلا من ان الدعم للخدمات والمنتجات المجهزة من الدولة ضعيف الضوابط ويستفاد منه في الوقت نفسه الاغنياء وذوي الدخل العالي والمتوسط والفقراء في آن واحد وتعد واحدا من اعلى نسب الدعم في موازنات بلدان العالم، لذا فإن هدرا في الانفاق يجب التصدي له كما جاء في الورقة، وحصر الدعم بالطبقات الفقيرة والاكثر هشاشة وخفض نسبته من الناتج المحلي الإجمالي من 15٪ إلى 5٪ شريطة تدني معدلات الفقر التي تعدت نسبتها ۳۰٪ من اجمالي السكان حاليا.

ثانيا، الاستدامة الاقتصادية الاستثمار والتشغيل : والتنويع الاقتصادي:

هناك ارتباط كبير بين تنويع مصادر الإيرادات في الموازنة العامة ولاسيما الإيرادات غير النفطية كالضرائب والرسوم والموارد الحكومية الأخرى من جهة والتي لا تشكل جميعها اليوم سوى 1% من اجمالي إيرادات الموازنة المذكورة واقل من 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي وبين التوجه نحو تنويع الاقتصاد الوطني بأركانه الرباعية المهمة: الزراعي والصناعي والسكني والخدمي من جهة اخرى. إذ مازالت مساهمة الزراعة والصناعة التحويلية لا تسهم حتى اليوم بأكثر من 1٪ من الدخل الوطني السنوي للبلاد وهي تضم قرابة ۳۷٪ من قوة العمل العراقية سواء في القطاع العام أو الاهلي وهذا ما تولت الورقة التركيز علية في الجوانب التوزيعية للموازنة نفسها بحكم دور الموازنة في دفع الاستدامة الاقتصادية ذلك بتوجيه القروض الحكومية والتوجهات التمويلية العامة إلى النشاطات المشغلة لقوة العمل والمنوعة للاقتصاد في آن واحد بدلا من تعاظم التوظيف غير المنتج لقوى الشعب العامل في الخدمة العامة.

أو بدلا من الانصراف في مشاريع استثمارية هي ليست من واجبات القطاع الحكومي واحداث هدر في الاستثمارات الحكومية التي امست عبئا على اقتصاد البلاد من خلال المشاريع الاستثمارية المعتمدة والمحالة والمتوقفة حاليا.

فهنالك دورة اقرار مشاريع استثمارية حكومية سنويةGovernment Enterprises Cycle تتسع وتضيق طبقا للوفرة المالية في الموازنة، ما يفتح الطريق نحو الالتزام بعشرات المشاريع التي تختلف بأولوياتها في ازمنة الوفرة المالية (والتي بعضها يمكن للقطاع الخاص النهوض بها كمشروع استثماري بدلا من الحكومة) فمنذ العام ۲۰۰۸ ولغاية العام ۲۰۱۹ تم الالتزام بأكثر من ۱۰۰۰ مشروع استثماري حكومي. ويلاحظ أنه بمجرد حصول عجز مالي سنوي يبدأ التعثر في التمويل وتأخذ مسطرة أولويات جديدة في اختيار أي مشروع يتم إيقافه وأي مشروع استثماري يستمر العمل به ذلك في ضوء المتاح من التمويل الحكومي.

بعبارة أخرى، لكي يكون المشروع مستمرا لابد من إيقاف مئات المشاريع الاخرى غير المكتملة بسبب عجز التمويل ولاسيما المشاريع البلدية المهمة المرتبطة بحياة الناس في وقت ظلت مشاريع الطاقة (النفط والكهرباء) هي الوحيدة التي تحظى بالأولوية في التمويل حتى في أزمنة العجز المالي. وتستحوذ مشاريع الطاقة باستمرار على أكثر من 50٪ من التخصيصات

الاستثمارية الحكومية السنوية التي تنفذ فعلية. وعندما تتوفر الاموال في الموازنة مجددا (ضمن دورة المشاريع) تبدأ مشكلة إطلاق تلك المشاريع المتوقفة وبأولويات صعبة لتحدد الكلف مجددا، إذ ترتفع كلفة إعادة استمرار المشاريع المتوقفة مع أي هبة مالية في الموازنة تحت تأثير المحاصصات والضغوط المناطقية لكي يتم اختيارها احيانا دون المسوغ أو المردود الاقتصادي لها.

وتظهر مشكلة ارتفاع كلفة اعادة المشاريع المتوقفة بسبب ما تطلبه الجهة المنفذة للمشروع المتوقف کي يستمر بتعديل التكاليف تحت باب (الغيار في الكلفة وفوات المنفعة وكلفة اندثار الاجزاء المنفذة سابقا) وللمشاريع المقرة غير المكتملة نفسها.

ويلاحظ أن تلك المشاريع قد اعتمدت جميعها بالأساس دون توفر دراسات الجدوى الفنية والاقتصادية مما يضيع تقييم مركز الكلفة لها.

فهناك كما أسلفنا أكثر من 1000 مشروع متعثر كلفتها تزيد على 100 مليار دولار وان الموازنة الاستثمارية لا تملك القدرة على استمرار التمويل لها الا لتمويل مشاريع الطاقة وبعض المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية التي ترتبط بتمويل أجنبي بموجب اتفاقات تعاون دولية. وهكذا امست القدرة على تشغيل المشاريع المتوقفة ثانية لا تمثل من الناحية العددية سوى % 4 من اجمالي المشارع المعتمدة حالية والتي يزيد عددها على ۱۰۰۰ مشروع كما نوهنا.

ختاما، نرى في الورقة البيضاء تقدما في الرؤية الاقتصادية التي تسعى إلى تشكيل دستور اقتصادي ملزم قانونا للعمل به في الحياة المالية والاقتصادية القادمة للبلاد حال تشريعه وهذا يتطلب ارادة سياسية قوية في الاصلاح المالي والاقتصادي.